من واشنطن إلى الرباط… ثلاثُ رسائلَ دونَ مساحيقَ دبلوماسيةٍ!

حسيمة سيتي
سياسة
حسيمة سيتي13 يوليو 2021
من واشنطن إلى الرباط… ثلاثُ رسائلَ دونَ مساحيقَ دبلوماسيةٍ!

د. محمد الشرقاوي*

لم يعد المحيط الأطلسي “بحر ظلمات” يضيع عبر امتداده صدى تطورات المغرب في الضفة الأخرى، أو ما يتخيله البعض أنه مجرّد “خبر محلي” لن ينتشر عبر مسافة 6116 كيلومتر التي تفصل بين الدار البيضاء وواشنطن. ولم يكن توقيت محاكمة سليمان الريسوني يوم الجمعة موفقا في فرضية أن الاهتمام الدولي بدلالتها وثقل العقوبة سيخفت ويذهب أدراجَ الرياح خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن العواصم الكبرى ستنشغل بمجريات أسبوع متقلّب جديد.

لم تستحوذ التهديدات الجديدة ضد الوجود الأمريكي في العراق وسوريا ومشروع الانسحاب العسكري من أفغانستان وغيرها من أحداث العالم على اهتمام واشنطن السياسية دون غيرها، ولم تُلْغِ متابعةَ محاكمةٍ يعتبرها البعض من أهل الرباط قضيةَ “شأن داخلي” أو أنها في نطاق السيادة المغربية “الخالصة”.

لم تكن تغريدة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن عقب اجتماعه مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في روما قبل أسبوعين إشارةً عابرةً سينساها بعد يومين أو ثلاثة، أو “موعظة دبلوماسية” ستندثر حالما يتذكر أن حكومة بايدن لن تستطيع ضمان الأمن القومي للأمريكيين دون المساعدة ذات الأهمية “القصوى” التي تتلقّاها من الاستخبارات المغربية.

في واشنطن، يقف نيد برايس المتحدث باسم وزارة الخارجية أمام المراسلين الأمريكيين والأجانب في الثالثة والربع من بعد ظهر الإثنين، فيقدم افتتاحية من عدة نقاط رئيسية في مسار السياسة الخارجية الأمريكية هذا الأسبوع، أو ما يعرف ب talking points المعدّة سلفا، بالتنسيق مع وكالات فيدرالية أخرى. هي نقاطٌ تختزل الموقف الأمريكي من الانتخابات التشريعية في مولدوڤا، وتأييد الوزير بلينكن لقرار التحكيم بين الصين والفلبين حول بحر الصين الجنوبي، ثم أعمال العنف والتصعيد الجديد في غرب إقليم تگراي في إثيوبيا، ومحاكمة الريسوني ووضعية عمر الراضي ومعضلة حقوق الإنسان في المغرب، قبل التعليق على الوضع في أفغانستان والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والصين واليمن ومناطق أخرى. فجاءت تطورات المغرب في المرتبة الرابعة في تصنيف القضايا الأهم في أجندة المتحدث باسم الوزارة قبل الردّ على أسئلة المراسلين. ويمكن تحليلها في ثلاثة اتجاهات وفق أولويات واشنطن في تعاملها مع الرباط في الوقت الراهن:

أولا، يقول المتحدث إن “الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل إزاء التقارير التي تفيد بأن محكمة في المغرب حكمت على الصحفي سليمان الريسوني بالسجن خمس سنوات. ونلاحظ أن السيد الريسوني زعم وجود انتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة.” وحسب مقومات اللغة الدبلوماسية المتداولة بين الحكومات، يبدأ الرد الأمريكي بأن لدى واشنطن “خيبة أمل disappointed”، وهي كناية عن عدم الموافقة والانزعاج والانتقاد الضمني لما يمثل نقيضا لما كانت واشنطن تعوّل عليه بعد محادثات بلينكن وبوريطة في روما. وهي عبارة لا تبتعد كثيرا في فحواها عن “غير مقبول unacceptable”، وتشير كلتاهما في الخطاب السياسي الدولي إلى وجود نقطة خلافية لا يهضمها طرف معين في سلوك الآخر، بقدر ما تضع الطرفين على طرفي نقيض.

هي خيبة أمل أمريكية بلغة مباشرة ليست بفعل العقوبة التي أصدرتها محكمة الدار البيضاء ضد الريسوني فحسب، بل وأيضا بشأن تبدّد التوقعات في واشنطن مما قد يقوم به المغرب بشأن “حقوق الإنسان بما فيها حرية الصحافة”، كما جاء في تغريدة بلينكن الشهر الماضي.

لم يذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية تهمة “الاغتصاب” أو “حقوق” الشخص المثلي الذي يتهم سليمان الريسوني لعدم اعتداد واشنطن بالرواية “الرسمية” للنيابة العامة وقاضي المحكمة وأيضا بما لوّح به بعض المناصرين لمحاكمة مبنية على تدوينة فيسبوكية تزعم أن “الاغتصاب” وقع قبل عامين من تاريخ نشرها. وينبغي التنبيه إلى أن حكومة بايدن ليست محافظة أو يمينية تحابي الجماعات الإنجيلية والمدافعة عن قيم الأسرة وحصر الزواج في ما يقوم بين رجل وامرأة، بل هي على النقيض تماما حكومة ليبيرالية، بل تقدمية يسارية، وتناصر أكثر من الحكومات السابقة حقوق مجتمع الميم، ومنهم المثليون والسحاقيات والمتحولون جنسيا، وسط التوافق على ذلك بين الديمقراطيين التقليديين الذين يمثلهم الرئيس بايدن والديمقراطيين التقدميين الذين يصطفون خلف السناتور بيرني ساندرز والسناتور إليزابيث وورين وغيرهما.

قد يكون للخطاب الرسمي الذي يحاكم الصحفيين على جرائم “ممارسات جنسية”، سواء كانت سوية أو مثلية، بعض الصدى بين الأوساط المحافظة داخل المغرب. وقد يكون الجنس المسلك الرئيسي إلى إيجاد مسار للمتابعة بأحكام القانوني الجنائي المغربي. ولكن الساسة والمشرعين والنشطاء والرأي العام في أمريكا وأوروبا وغيرهما من القارات لا يقتنعون ب”فداحة” الجرم المزعوم، بل يدركون أنهم أمام مشروع مركّب ضعيف الإقناع، وبالتالي يخلصون إلى أنها محاكمات سياسية بإخراج قضائي.

ثانيا، يقول نيد برايس إن الولايات المتحدة “تعتقد أن المسار القضائي الذي أدى إلى إصدار الحكم عليه (الريسوني) يتعارض مع الوعد الأساسي الذي أعلنه النظام المغربي بإجراء محاكمات عادلة للأفراد المتهمين بارتكاب جرائم، ويتعارض مع فحوى دستور 2011 وأجندة الإصلاح التي أعلنها جلالة الملك محمد السادس.”

ليس الحديث هنا عن وجود “تعارض” بين واقع الحال وأداء القضاء المغربي في هذه القضية فحسب، بل تمتد دلالاته السياسية في منحاها الشامل إلى عقد مقارنة بين مصير الريسوني وبقية الصحفيين المعتقلين وما ينص عليه الدستور الحالي في المغرب على المستوى الأول. وتشمل المقارنة أيضا على المستوى الثاني التذكير بما أعلنه الملك من نوايا الإصلاح قبل عشر سنوات، وفق ما ترسخ في أذهان الأمريكيين ومنهم جوزيف بايدن الذي كان نائب الرئيس باراك أوباما، وأيضا أنتوني بلينكن الذي كان مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس بايدن آنذاك. فتتزايد نبرة التقييم والنقد الناعم إلى التذكير بمرتفعات المغرب الإصلاحية عام 2010 ومنخفضاته الحقوقية وتراجعه عن اتجاه الإصلاح عام 2021. ولا تتردد حكومة بايدن في التعبير الصريح عن تحفظها بشأن الفارق بين مغرب الينبغيات التي أعلنها من أجل الإبحار بسلام فوق الموج المتقلب بفعل المظاهرات الشعبية ومطالب الشارع آنذاك ومغرب الأمر الواقع بفعل تمدد النسق الأمني على حساب بنود الدستور وإرادة الملك.

ثالثا، يقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إنّ “القلق يساورنا أيضًا من التأثير السلبي للقضية على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات في المغرب. فحرية الصحافة هي الأساس لمجتمعات مزدهرة وآمنة، ويتعين على الحكومات ضمان أن يتمكن الصحفيون من أداء أدوارهم الأساسية بأمان ودون خوف من الاعتقال الجائر أو العنف أو التهديدات. ونحن نتابع هذه القضية عن كثب وكذلك قضايا الصحفيين المحتجزين الآخرين في المغرب بمن فيهم عمر الراضي. وقد أثرنا هذه المخاوف مع الحكومة المغربية، وسنواصل القيام بذلك.”

يعتمد الخطاب الجديد الذي تعتمده الدبلوماسية الأمريكية الصورة الإيحائية بأن “الشجرة تخفي خلفها الغابة”، ويطرح أمام الرباط مآخذ محددة على واقع حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تكوين الجمعيات لديها. كما أنه يرسم خطا فاصلا بين حق الصحفيين في العمل في أجواء آمنة وسياسة الترهيب أو المضايقات أو الاعتقال بمنطق أن تضييق الخناق على الصحفيين يعادي إيمان الأمريكيين بما ينص عليه التعديل الأول في الدستور الأمريكي ويتعارض مع تمسكهم بحرية التعبير كأحد المقدسات المدنية منذ قرابة مائتين وخمسين عاما. ويذكّر نيد برايس بأن المسؤولين في حكومة بايدن أبلغوا المسؤولين في الرباط بانزعاجهم من تلك الممارسات التي تستهدف الصحفيين من قبل، وأن هذه القضايا ستظل على طاولة التواصل بين واشنطن والرباط في الحاضر والمستقبل.

تتماهى تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مع فحوى ما أعلنته ماري لولور، المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان في الأمم المتحدة قبل عشرة أيام، بقولها “إنني أحث الحكومة المغربية على الكف عن استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين بسبب عملهم وإيجاد بيئة يمكنهم فيها القيام بمثل هذا العمل دون خوف من الانتقام”. ويجسد هذا التماهي بين موقف الولايات المتحدة والأمم المتحدة مثالا واحدا على توافقات مماثلة أخرى بين واشنطن ونيويورك وجنيف بشأن مقومات الحكامة والشرعية السياسية وحقوق الإنسان في أبعادها الكونية.

لا يمكن حصر تدهور حقوق الإنسان في المغرب في قراءة عاصمة دون أخرى بين أمريكا الشمالية وأوروبا وغيرهما من القارات، بل تحوّلت محاكمة سليمان الريسوني واعتقال عمر الراضي ووضع توفيق بوعشرين وقبلهم نشطاء الرّيف إلى قضية دولية تنال من الرأسمال السياسي لدى الرباط في الخارج والداخل. وتقول منظمـة “مراسـلون بـلا حـدود” إن السلطات المغربية حاكمت في السنوات الخمس الماضية خمسة صحفيين على الأقل… عُرف عنهـم انتقـاد الســلطات المغربيــة فــي كتاباتهـم وتصريحاتهـم، حيث أدينوا جميعهـم بتهـم أخلاقيـة.”

وكلّما فصّل نيد برايس في هذه القضايا الشائكة وانزعاج واشنطن منها، فإنه يكشف ضمنيا أن قضية حقوق الإنسان كان لها نصيب الأسد خلال لقاء روما بين بلينكن وبوريطة. وفي مقالة سابقة نشرتها في 27 فبراير الماضي، تناولت مكامن التغير في العلاقات المغربية الأمريكية بين حقبة دونالد ترمب وحقبة جوزيف بايدن، وقدمت استشرافا أقتبس منه هذه الفقرة: “قد يستمر منطق التعنث والمكابرة إزاء من صنفهم منطق التشنج السلطوي في قائمة سوداء وقرر الزج بهم في السجون. وسيحل يوم يصبح احترام حقوق الإنسان ضمن ضوابط الحوار والتعاون بين واشنطن والرباط. ستتحرك السياسة الخارجية لحكومة بادين على مسارين متوازيين: مسار الواقعية السياسية وخدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية ومسار تكريس الحريات العامة ضمن سياسة القيم التي لا يتبناها الرئيس بايدن باعتباره أحد الديمقراطيين المعتدلين فحسب، بل تصر عليها نائبته كمالا هاريس وعدد ليس بالقليل من أعضاء حكومته ممن يمثلون الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي والذي يقوده السناتور بيرني ساندرز وإليزابيث وورين. وشرط احترام حقوق الإنسان ليس ترفا سياسيا بالنسبة لفريق بادين، بل هو ضرورة استراتيجية لاستعادة المصداقية والاحترام للولايات المتحدة في أعين العالم.”

أستاذ تسوية الصراعات الدولية والعضو السابق في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة.

رابط مختصر

تعليقك يهمنا

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق