ماذا تَبقَّى من تقليد “ثعانصارث” الذي يخلده الأمازيغ مع حلول 7 من يوليوز من كل سنة!

حسيمة سيتي7 يوليو 2021
ماذا تَبقَّى من تقليد “ثعانصارث” الذي يخلده الأمازيغ مع حلول 7 من يوليوز من كل سنة!

منحت لطقوس العنصرة العديد من القراءات حول أبعادها و دلالاتها، هذه فقط بعضها. – أنه تقليد مرتبط بمعتقدات الإنسان الأمازيغي حول الأرض و الطبيعة و علاقته بهما ..

يقول “دوتي” في هذا الصدد: “هذه الحفلة […] مرتبطة بالتصورات القديمة للإنسانية حول سيرورة الأشياء الطبيعية” [1] . تصور مبني على احترام كبير للطبيعة و إبرام عقد غير معلن معها قائم على العطاء المتبادل. ينتج عن ذلك أن تعامل الناس مع الطبيعة لايتم دون طقوس. – احتفالات الأمازيغ قبل الدينية هي بشكل عام مرتبطة بفصول السنة. الانتقال من فصل لآخر لايتم في صمت بل يتم عبر طقوس معينة لاعتبار الاتتقال من فصل لآخر حدث هام لابد من الوقوف عنده و استجداء و سائل تحقيق مرور مرن و استرضاء مستقبل جيد. تأتي العنصرة في فترة الانقلاب الشمسي في الصيف و هذا الحدث يعتبر بمثابة بوابة تدخل الناس إلى فصل جديد هو فصل الصيف. كما يعتبر انقلاب الشمس في شهر دجنبر بمثالة بوابة تدخل الناس لفصل الشتاء. من هنا تسمية جان سيرفيى لاحتفالات يناير و العنصرة بمثابة بوابتي السنة في كتاب ” أبواب السنة، طقوس و رموز. موقع الجزائر في التقاليد المتوسطية” ..
هذه الطقوس تأتي أيضا للإعلان عن انتهاء موسم فلاحي أو بداية موسم آخر. فثعانصارث تعلن عن قرب انتهاء موسم الحصاد و جمع محصول الأرض و هي بذلك تنتمي للجدول الفلاحي المعتمد عليه لحد الآن في التقويم من طرف ساكنة البوادي بشمال أفريقيا. سيرفيي يشرح لنا في كتابه هذا كيف أن كل فصل له أشغاله و تخوفاته و أن الفلاحين يحيطون هذه الأشغال بحركات رمزية من شأنها تسهيل مرور تلك الأشغال في سلام. (سيرفيي، 1966) ..

نستنتج من هذا أننا بصدد تقليد سابق عن الديانات السماوية رغم أن هذه الأخيرة عملت على إدماج بعض هذه الطقوس في حفلات ذات طابع ديني كما هو الحال بالنسبة لعاشوراء و عيد الأضحى في شمال أفريقيا أو أضفت على الحفل بأكمله طابعا دينيا كما حدث للمسيحية مع حفل سان جان. ربما كان في الأصل طقسا شمسيا يحيل لعبادة الشمس، لكنه مع مرور الوقت اتخذ أبعادا أخرى مرتبطة أكثر بالأرض و فصول السنة. من المعروف أن طقوس الماء و النار تقام خلال فترات متعددة من السنة (يناير، عاشوراء، عيد الأضحى، …) و هذا حسب إميل لاووست ربما يدل على أن طقس النار لم يحافظ على دلالته البدائية ..

كيف يحتفل بثعانصارث؟

هناك ثلاث عناصر رئيسة تؤثث فضاء هذا التقليد الأمازيغي العريق: الماء و النار و الدخان وفق طقوس التطهير، الوقاية و الاسترضاء. – الماء: للماء في ثعانصارث قيمة كبرى لدى الناس فهو يمتلك قوة تطهيرية و استشفائية. لذلك يحرص الناس في هذا اليوم غلى الاغتسال بأي وسلة أتيحت لهم: في البحر، في الأنهار أو في السواقي و العيون. لكن يعطي للمياه الجوفية قيمة أكبر لأنها آتية من رحم الأرض.(دوتي، 1909).

ماء ثعانصارث ماء مطهرة من كل ما هو سيئ. المرض، سوء الحظ، الشر، الخ. تحكي محجوبة أنهن كن يفقن في الصباح الباكر، يصطحبن الأطفال و البهائم و يذهبن للاغتسال في البحر. و أوردت حبيبة أوطاح خاصية أخرى للماء و هي إزالة الخوف: “أمان ن ثعانصارث تكسن ثوذايث” . عادة الاغتسال هذه ذكرها القديس أغوستين عن أمازيغ زوارة بليبيا خلال احتفالهم بأووسو و هو احتفال شبيه في طقس الماء هذا بثعانصارث رغم الاختلاف في التوتيق الزمني للحفلتين. يتساءل لويس و سيرا في دراسة لهما لتقليد أووسو إذا لم يكن هذا الأخير هو نفسه تقليد العنصرة و قد انتقل زمنيا بفعل ارتفاع درجة الحرارة في فترة ما يعرف بالصمايم ..

النار:

من عادة الناس في هذا اليوم إشعال النيران في كل مكان سواء كان ذلك في البوادي أو في المدن. في كل زاوية و ساحة و حتى في البيادر. نار يقوم الناس بالقفز حولها طلبا للوقاية من كل عوادي الزمن. في بعض بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، يلقي الناس بهذه النيران بكل ما يرمز بالنسبة لهم لسوء و يعبرون في الوقت ذاته عن متمنياتهم و هم يشاهدون السوء يحترق.

أورد لاووست أن أهل ايدا أزدوت بدورهم يقومون بهذه هذه العملية برمي حجر في النار قائلين “غيفل كيم كولو ما ايترتن“. و يشرح لنا أيضا ما يقوم به سكان نتيفة في يوم ثعانصارث قائلا: “تشعل النيران على بعد خطوات من عتبة المنزل و لا تتجاوز طول رجل، يتم إطعامها بخشب العناب الجاف [..].

يقوم الرجال بالقفز فوق النار ثلاث مرات قائلين – أنا أقفز هذه النار كما سأقفز نار السنة القادمة- أما النساء و الرجال و الشيوخ فيعبرونها عندما ينخفض ارتفاعها. تعبر النساء النار و هن يحملن أطفالهن بين ذراعيهن“[4]. كتلة النار هذه تسمى بالريف “ثافكيرث”[5] وهي كلمة آتية من اللاتينة[6] ، تم تداولها أيضا عند أمازيغ زمور حسب لاووست (لاووست، 1921).

– الدخان:

يقوم الناس أيضا في هذا اليوم باستعمال الدخان للاستشفاء و استرضاء الخير. سواء كان دخان النيران التي أشعلوها باستعمال الخشب كحطب أو الدخان الناتج عن إشعال الأعشاب المتوفرة في تلك الفترة و تبخير الأشجار و البهائم بها.” يعرض الناس أنفسهم للدخان و بعرضون لها بشكل خاص الأطفال، يدفعون بها نحو البساتين و المحاصيل و يقفزون حولها“[7] . حتى رماد النيران يتم التبرك به في مثل هذا اليوم، يخبرنا إدموند دوتي أن أهل الريف كانوا يطلون به ناصية الشعر التي كانوا يتركونها خلف الرأس.[8].

السيدة حبيبة أوطاح و الأخت ياسمين سمية بن السي علي (نقلا عن جدها) أكدتا هذه الممارسة المتعلقة بدخان الأعشاب. تقول ياسمين. “حكى لي جدي أنهم كانوا يشعلون النار في أعشاب الموسم و يستنشقون رحيقها و دخانها ملأ صدورهم كي يشفوا من جميع الأمراض و بحثا عن البركة“. يحدثنا لاووست عن تقليد الدخان قائلا: ” أهل زمور بالخميسات يسمون نار انقلاب الشمس ب تاشعالت، يحضرونها في زريبة الخرفان. يشعلونها عند المغيب و يطعمونها بخشب العناب، قضبان البروق، الفحم و النباتات البلسمية وفق عملية سائدة في كل شمال أفريقيا. الرعاة يقومون بتمرير خرفانهم حول الدخان. فهناك بالفعل بركة في الدخان. الناس المصابون بمرض العيون يعرضون أعينهم لهذا الدخان على أمل شفاء مرضهم“[9].

الأكلة المستهلكة خلا ل هذا اليوم في بدورها أكلة لها دلالتها إذ أنها متكونة من محصول السنة من حبوب “الأكلة الأولى من هذا المحصول” و قطاني مطبوخة في الماء، تسمى في الريف امشياخ أو ايمشيخن. و هي عادة سائدة في جل مناطق شمال إفريقيا. ربما العديد منا قد لاحظ الطريقة الغريبة التي يتذوق بها آباؤنا و أمهاتنا في ما يشبه الطقوس الفواكه الموسمية لأول مرة بالبسملة ومتمنيات الصحة و العافية “بسمي الله آن قاس ثونضيث ن جذيذ” . هذا يدل على أن علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض علاقة مميزة، هو عارف بقيمة ما تعطيه و لايستهين به أبدا بل يخاف فقدانه. يقول سيرفيي في هذا الصدد ” أطعمة الحياة اليومية ليست عنصرا سلبيا في دورة الحياة، إنها بمثابة مدلولات” لذلك يضيف أن لكل طقس متعلق بالحياة الفلاحية أكلاته الخاصة[10] يلخص دوتي دلالات هذه الطقوس في قوله.

” تصبح النار وسيلة للتواصل بين الشمس النافعة، الإنسان و المنتوج الفلاحي. لضمان استمرار هذا التواصل، يتعمد الإنسان استهلاك قسط من المنتوج الجديد و يدخل بذلك في تواصل حميمي مع النبات“[11].

و بصدد الحديث عن النبات تعد ثعانصارث مناسبة جيدة لتلقيح الأشجار كشجر التين “أسيكر ن الدوكار” و يعزز التلقيح برشها بتراب الأرض . أورد السيد عمر أقندوش دعاءا كانوا يقولونه بالمناسبة “اللهم صلي على سيدنا المختار، تراب العنصرة خير من الذكر“. عدا عن هذه الأبعاد المرتبطة بمعتقدات شعبية فإن الناس يستغلون هذه المناسبة لإضفاء أجواء الفرح الجماعي على حياتهم. ليس عبثا تسمية إميل لاؤوست لنيران ثعانصارث بنيران الفرح حيث يقول: ” حافظ برابرة المغرب على العادة القديمة المتمثلة في إشعال نيران الفرح و التي هي مماثلة للنيران المسماة بنيران سان جان التي لازال فلاحوا فرنسا و أوروبا يشعلونها بمناسبة انقلاب شمس الصيف“[12].

ما يميزها أنها تتم بشكل جماعي يحوم حولها الساكنة قفزا و فرحا و رقصا، يرافق ذلك عادات أخرى كإحراق عظم المشماش في جمر النار و تحويلها لكحل تزين به البنات عيونهن طلبا للشفاء و لحسن الحظ. خدوج التي تنتمي لجماعة الرواضي أخبرتنى أن شابات القرية في المساء و بعد الانتهاء من قفز النيران يلجأن لمنزل أحد أرامل القرية و يحيين معها أمسية الحفل لإضفاء البهجة على قلبها ..

✓ مقتطف من مقال ل “أسماء أوطاح” حول عادة “ثعينصارث”

رابط مختصر

تعليقك يهمنا

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق
MobilePC