عددهم 46 … جرادة تزف قربانا جديدا من اجل كسرة خبز حافية

الشرق
حسيمة سيتي20 يوليو 2020
عددهم 46 … جرادة تزف قربانا جديدا من اجل كسرة خبز حافية

فاطمة الزهراء عامر

جرادة.. معراج السماء الذي يرتقي فيه شباب في عز عنفوانهم، بعد أن يقضوا أيامهم القصيرة في باطن الأرض باحثين عما يضمن استمرار حياتهم وذويهم، فيلجون قبورهم عشرات المرات يفاوضونها في رغيف أسود، قبل أن تردم عليهم نهائيا، وتطعمهم خبز الموت.

على مدار عشرين عاما هي عمر إغلاق منجم الفحم الذي كان قلب المدينة النابض وسبب وجودها، ومنذ أن انتقل رجالها وشبابها لحفر آبار وأنفاق تحت الأرض لاستخراج الفحم وبيعه كحل وحيد في ظل غياب أي نشاط اقتصادي آخر بالمدينة، ارتقى 46 شهيدا في جرادة فقط دون الجماعات التابعة لها، بسبب انهيار هذه الآبار على مرتاديها من عمال، أو بسبب حوادث عرضية أخرى متعلقة بها، هذه المحنة، كانت سببا مباشرا لانطلاق حراك اجتماعي في المدينة نهاية سنة 2017، استمر شهورا وسط وعد ووعيد، قبل أن تتدخل عصا السلطة الغليظة لإنهائه باعتقال قادته وحبسهم، وعسكرة المدينة وحصارها.

ولأن المقاربة الأمنية لا يمكنها أن تعالج مشاكل الساكنة الاجتماعية والاقتصادية، فقد استمرت هذه الحوادث طوال السنتين الأخيرتين، وتكرر معها نفس السيناريو اللعين، انتشار خبر بانهيار بئر فحم هنا أو هناك، أعمال بحث وتنقيب، هلع وانتظار، استخراج الجثة فمعاينة طبية فدفن، إلا أن التغيير الحاصل بعد محطة الحراك الأخير هو هذه السرعة الجنونية التي صارت السلطات تدبر بها مثل هذه الحوادث، والتي لا يمكن معها إلا أن تعتقد أنك بصدد مشاهدة مجرم يحاول التخلص من جثة ضحيته قبل أن تلحظه الأنظار.

آخر الحوادث من هذا النوع وقعت نهاية الأسبوع الماضي وراح ضحيتها أب شاب فيما نجا شقيقه بجروح متفاوتة، حادثة لا تنقص بشاعة ولا ألما عن سابقاتها، لكنها وبسبب لعنة التوقيت جلبت معها منطقا جديدا في تقدير وتقييم ما يحصل من حوادث، وشاع حديث عن استفادة الشهيد من تأمين في إطار التعاونية التي يشتغل بها سيجعل أرملته ويتيمته تستفيدان من تعويض ما، وحاول البعض إفهامنا أن في هذا التعويض عزاء عن الموت، وكأن حناجر الجراديين بحت وشبابهم اعتقل ونكل به لأجل تعويض سيبقى حقيرا قدر ما كان، أمام مصيبة الموت ردما.

العمل في إطار التعاونيات وهو واحد من الحلول الترقيعية التي فرضتها السلطة على المشتغلين في آبار الفحم إبان حراك 2017/2018 كمحاولة ساعتها للإفلات من مسؤولية الحوادث المتوقعة دائما بسبب ظروف الاشتغال السيئة، اليوم ما حدث اعتبره سكان المدينة نوعا من تقنين الموت، ومن إدارة الظهر للأزمة ودفع التعاونيات لتحمل تبعاتها، بدعوى عدم احترامها لشروط السلامة والأمان.

هكذا لن يضطر أحدهم للركض من مقامه المريح في وجدة، تاركا ’’البزنس‘‘ المزدهر خاصته، ليعتلي منبر الخطابة في جرادة مساوما أهل الضحية في ثمن القبول والسكوت، واعدا الساكنة وعد الكاذب بالاستقالة إذا لم يحرك كل دوائر الدولة لحل أزمتهم، لا شيء يدعوه اليوم لمواصلة دور المهرج لأن الموت استصدر أوراقه الرسمية، وصار مسموحا له بحصد الأعمار، مادام يبقي فتاتا من الادخار.

عندما انتفض الناس في حراك جرادة رجوا حقا أن يحمل إليهم المركز تغييرا ما، لقد راهنوا على مأساوية الوضع، وعلى الوقت الطويل الذي انتظروه دون طائل، وتوقعوا أن يجدوا في النهاية أكثر من انسحاب من المسؤولية وتحميلها لهم أنفسهم، في واقع يبعث عن الحسرة، وليس مفهوما بتاتا بعد سنتين على هذه الانتفاضة، المغزى من عودة الاعتقالات في صفوف شباب المدينة، وعسكرتها من جديد في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها البلد بسبب الوباء الجاثم على صدورنا منذ شهور، وعلى بعد أيام من عيد الأضحى.

رابط مختصر

تعليقك يهمنا

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق