بَدَءَ حراك الريف حيث انتهت حركة 20 فبراير

سياسة
حسيمة سيتي20 فبراير 2020
بَدَءَ حراك الريف حيث انتهت حركة 20 فبراير
رابط مختصر

أحمد العكيدي

الحركات الاحتجاجية والاجتماعية في المغرب لم تكن فقط وليدة 20 فبراير 2011، بل عرفتها البلاد مند فجر الاستقلال سنة 1956 في محطات عديدة. وقد اختلفت مطالبها وإن توحدت حول مطلب رئيس، كل ما من شأنه أن يحقق كرامة المواطن المغربي من شغل وسكن وتعليم.. بيد أن حركة 20 فبراير لها ما يميزها عن سواها، في نشأتها أو سائل وطرق اشتغالها، حيث دشنت جيل جديد من الاحتجاجات الجماهيرية خارج كل الإيديولوجيات السابقة، وتبنت جيل جديد من المطالب أكثر تقدما من تلك التي نادت بها الحركات الاحتجاجية اليسارية أو الإسلامية في فترات متفرقة من تاريخ المغرب بعد الاستقلال. لم يعد لشعارات مثل: الإسلام هو الحل أو الاشتراكية هي الحل وجود، رغم وجود تيارات يسارية وإسلامية مهمة داخل الحركة.

لقد اعتمدت الحركة على ما أنتجه العالم من وسائل التواصل الحديثة على غرار ثورة الياسمين في تونس التي استطاعت يوم 14 يناير 2011 أن تزيح زين العبدين بن علي بعد عقود من الحكم. تمخضت إذن حركة اجتماعية ذات زخم كاف كما يفترض تشالز تيلي Charles Tilly ولها خصم طبقي واضح بتعبير آلان تورين ALAIN Toraine. إلا أن الالتفاف حول وحدة الأهداف والمصائر تحديد الخصم السياسي، لم تكن لتضمن استمرارها حتى زوال أسباب انبثاقها، خاصة بعد إقرار المغرب لدستور جديد في فاتح يوليوز 2011 وإجراء انتخابات مبكرة أتت بحزب إسلامي للسلطة، ليخفت نور الحركة تدريجيا.

تعددت أسباب هذا التلاشي، منها ما هو موضوعي مرتبط أساسا بأدوات التفكيك التي نهجتها الأجهزة الأمنية والمخابراتية، ومنها ما هو ذاتي -وهو الأهم -في نظرنا- نجمل منها ما يلي:

  • عجز الحركة عن تجاوز الاختلافات الإيديولوجية والفكرية لمختلف أعضائها مما زج بها في متاهات سياسية وتنظيمية شتت قوتها وساهمت في إضعافها وعصفت بلحمتها.
  • ضعف الرؤية الاستراتيجية وسوء فهم المشهد السياسي والمجتمعي المغربي بأدق تفاصيله.

  • عجز الحركة على بلورة نموذج سياسي وتنموي حقيقي، مكتفية بتصورات قديمة جديدة مثل الملكية البرلمانية وغيرها.

تضافرت هذه العوامل وغيرها لإضعاف الحركة والحد من زخمها تدريجيا إلى أن أصبحت مجرد تراكم ينضاف إلى سجل الحركات الاجتماعية في المغرب لكنه في المقابل قابل للاشتعال في أية لحظة كنار تحت رماد. وهذا ما سيحدث بعد ذلك فيما بات يعرف بحراك الريف الذي اندلعت شرارته بعد مقتل أحد بائعي الأسماك في 28 أكتوبر 2016، لتتبنى الحركات الاجتماعية المغربية سقفا أخرا من المطالب أعلى وباتت ترفض الجلوس للحوار مع الكثير من مؤسسات الدولة وحتى الحكومة لتدخل بذلك عهدا جديدا من المطالب الاجتماعية واقتصادية ذات بعد سياسي ضمني. لم يعد المواطن المغربي يثق في مؤسساته من برلمان وحكومة وأحزاب ونقابات وغيرها، وأصبح ينشد الإنصاف مباشرة من ملك البلاد. الأمر الذي وضع فاعلية وشروط وجود النموذج السياسي المغربي على المحك حيث تجاوز الحراك -رغم مساحته الجغرافية الضيقة- توقعات مختلف الفاعلين السياسيين.

لقد دشن حراك الريف لمرحلة مهمة من وعي المواطن المغربي وبعث رسائل واضحة لمن يهمه الأمر؛ أهمها أن المواطن المغربي أصبح يدرك جيدا كيف تدار اللعبة السياسية رغم ضعف انخراطه بشكل مباشر في العملية السياسية كما أنه ينشد الإصلاح قبل فوات الأوان ولا يبحث عن الفتنة بقدر ما يفضل الاستقرار.

بين الحركتين يظهر جليا تطور سقف المطالب ونفاد صبر الجماهير، في مقابل عجز الدولة عن فهم طبيعة هذه الحركات وتقادم وسائلها اشتغالها رغم خبرتها التي تمتد لعقود. مما ينذر بمستقبل أكثر ضبابية رغم إصرار المحتجين على سلمية تحركاتهم ووعود المسؤولين بالاستجابة للمطالب واعترافهم بمشروعيتها. بين المطالبة والاستجابة تجري المياه بسرعة وتتراكم خيبات كثيرة ومشاكل عديدة إن لم تعالج في وقتها وبطريقة فعالة تحفظ كرامة المواطن المغربي وحقوقه يمكن أن تتطور الأحداث إلى ما لا يحبه كلا الجانبين.

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق