العثماني يحتج على الملك!

حسيمة سيتي12 فبراير 2020
العثماني يحتج على الملك!
رابط مختصر
العثماني يحتج على الملك!

قد يتساءل القراء انطلاقا من عنوان هذه المقالة عن أي عثماني نتحدث؟ هل هو سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أم سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، أم سعد الدين العثماني، الطبيب النفساني. فالرجل له كل هذه الصفات، ويعتبرها من الحسنات، لكونها تُساعده على تبرير أو تمرير مواقف من هنا وهناك، والحال أنه واحد لا يمكن فصله، ميكانيكيا، ومواقفه الصادرة عنه، كيفما كانت المناسبة، تحسب عليه بصفته رئيسا للحكومة أولا وقبل كل شيء.

مناسبة هذا الحديث موقف العثماني وعبره حزب “المصباح”، مما سمي بـ”صفقة القرن”، المقترحة من طرف الإدارة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب، كحل لتسوية النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

فمعلوم لدى كل المغاربة أن حزب “البيجيدي”، هو الذي يقود الحكومة المغربية، وأمينه العام سعد الدين العثماني، هو الذي يترأسها، وكل الوزارات تابعة له، حسب الدستور المغربي، لكن في نفس الوقت يعلم العام والخاص أن هناك بعض المجالات محفوظة للملك محمد السادس، ومن بينها السياسة الخارجية للمملكة المغربية، وأن المواقف والقرارات التي يتخذها بخصوص السياسة الخارجية تلزم الحكومة ورئيسها، والمؤسسات الرسمية، فيما يبقى للمعارضة وبعض الهيئات الجمعوية والحزبية والنقابية.. حق الاعتراض أو رفض بعض هذه القرارات.

لكن الغريب وغير المفهوم عند العديد من المغاربة هو موقف حزب “العدالة والتنمية” اتجاه هذه القرارات والمواقف المتخذة في علاقات المغرب الخارجية، وخاصة ما ارتبط منها بالقضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي أصدر فيه المغرب موقفه من مقترح ترامب، حول ما سماه بـ”صفقة القرن”، عبر بلاغ لوزارة الخارجية، أكد فيه على تقدير المملكة لـ”جهود السلام التي تبذلها إدارة ترامب” وأنه “وبالنظر إلى أهمية هذه الرؤية ونطاقها، سوف يدرس المغرب تفاصيلها بعناية فائقة”، أشهر برلمانيو هذا الحزب الحاكم، بموجب الدستور، سيوفهم في وجه قرار الخارجية المغربية، وجاؤوا بالوزير ناصر بوريطة على وجه السرعة للبرلمان المغربي، وأقاموا له ما يشبه المحاكمة، وطالبوا بجعل القضية الفلسطينية قضية المغرب الأولى، وأن تكون لها الأولوية على بقية القضايا الوطنية، سواء ما ارتبط منها بالصحة أو التعليم أو التشغيل بل أولى حتى من قضية الصحراء المغربية التي طالما تغنوا بالدفاع عنها.

والأغرب أن البرلمانيون البيجيديون كانوا أكثر معارضة من زملائهم الموجودين في المعارضة دستوريا، وكأن بوريطة وزير لدى حكومة الليكود وليس وزيرا في حكومة يقودها أمينهم العام. أو كأنهم أقلية في البرلمان، ولا يمكنه تمرير قانون يحد ويجرم بصريح العبارة “التطبيع مع الكيان الصهيوني”، ويوقفون كل المعاملات الاقتصادية مع هذه “الدولة المحتلة”، وهي المعاملات التي تضاعفت، حسب إحصائيات لهيئات غير رسمية، خلال فترة قيادة البيجيدي للحكومة، وبلغت سنة 2018 ما يناهز 64 مليون دولار، حسب نفس المصادر.

الأمر لم يقف عند المداخلات العنترية لبرلمانيي الحزب الحاكم، الشبيهة بأدوار المرحوم الجندي المسرحية، بل هبت كل قطاعاته الحزبية إلى الدعوة والحشد لمسيرة شعبية دعت لها العشرات من الهيئات المدنية، أغلبها تصنف ضمن المعارضة غير الرسمية. بل الأدهى من ذلك، قيام رئيس الحكومة، شخصيا، بالتجييش لهذه المسيرة، وكأن الموقف الذي أصدره بوريطة، وهو وزير في حكومته، بخصوص موضوع يعتبر من المجالات المحفوظة للملك، لا يعنيه ولا يمثله، فارتمى في أحضان الشعبوية دون أي اعتبار لما يفرضه البروتوكول الرسمي عليه كرئيس حكومة.

أن تخرج مسيرة شعبية مليونية للتنديد بـ”صفقة القرن”، وشجب مواقف أنظمة الحكم العربية والإسلامية منها، ومن بينها النظام المغربي، أمر مفهوم ومطلوب في مثل هذه المحطات التاريخية، لكن أن يجيش رئيس الحكومة للمشاركة في هذه المسيرة أمر غير مفهوم. فعلى من يدعو العثماني أتباعه ومعهم المغاربة للتظاهر، ضد “صفقة القرن” أم ضد موقف الحكومات والأنظمة العربية منها؟ ألم تصدر وزارة تابعة لحكومته موقفا رسميا، لم يرفضها صراحة ولم يقبلها علانية؟

ألم يقتنع العثماني بهذا الموقف والذي، من المؤكد، أنه صدر بموافقة الملك محمد السادس، أي أنه يمثل الملك؟

ألا يمكن اعتبار ازدواجية موقف حزب العدالة والتنمية أكبر استغلال لمآسي الشعب الفلسطيني وتوظيف القضية في حملة انتخابية سابقة لأوانها؟

لماذا لم يعلن هذا الحزب صراحة معارضته للموقف المغربي بدل النزول للتباكي مع الشعب والظهور بمظهر المغلوب على أمره والذي لا حول له ولا قوة؟

السيد العثماني وإخوانه، المغاربة أذكى من أن يستغبيهم حزب يقود الحكومة ويحتج ضد مواقفها لاستمالة عاطفتهم. فالكم الهائل من التعاليق المنتشرة عبر صفحات التواصل الاجتماعي المنتقدة والساخرة والرافضة بل والمستنكرة لما تحاولون القيام به من مناورة سياسية لحفظ ماء وجهكم في علاقة بالقضية الفلسطينية كفيل بتبيان مدى الوعي السياسي الذي تبلور لدى المغاربة تجاه من يريد خذاعهم باسم الدين أو الوطن أو المشروعية التاريخية، وأن جيل التسعين والألفين تملك جيدا فكرة فلسطين قضية تحررية وليست حملة انتخابية.

الإخوان في العدالة والتنمة، إرحمونا من مواقفكم الإزدواجية، متاكلوش مع الذئب وتبكيو مع السارح.

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق