مقال للمعتقل السياسي محمد جلول حول النموذج التنموي

حسيمة سيتي18 يناير 2020
مقال للمعتقل السياسي محمد جلول  حول النموذج التنموي
رابط مختصر

_ الإجابة عن معضلة التنمية ببلادنا مدخلها هي القطع مع الفساد واحترام الانسان و الديمقراطية وتمكين الجهات من تقرير شؤونها وفق تقسيم يحترم وحدة الجهات التاريخية (الريف الكبير نموذجا) وحكومتنا جهوية حقيقية.

إنني من خلال متابعتي للنقاش المثار حول ما يسمى بالنموذج التنموي المراد صياغته من طرف المركز أستغرب كيف يتم إغفال أو القفر على مسألة أساسية و جوهرية من المفروض أن تكون البناء القاعدي الذي يقوم عليه المشروع برمته، ويتعلق الأمر بتحديد المفهوم والمقصود من التنمية أولا وقبل كل شيء، مما يجعل الانتقال إلى مناقشة النموذج من دون هذا التحديد مجرد عبث أو إرادة للتحكم بالموضوع وفق نقاش سفسطائي وشكلي يراد به حجب حقيقة الوصاية المركزية المفروضة على شعبنا وجهاته التاريخية و التي تكرس التحكم و الإحتكار وكل أشكال الإقصاء الإقتصادي و الإجتماعي والثقافي والسياسي وتحرم شعبنا من حقه في التنمية الحقيقية .

إستنادا إلى مبادئ الفلسفة الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان الكونية و أخر المعايير المنبثقة عن الأمم المتحدة فإن مفهوم التنمية المعاصر قد تجاوز المفهوم القديم الذي كان من جهة يختزل التنمية في الجانب الإقتصادي وزيادة الإنتاج و الأرباح ، وكان من جهة أخرى ينظر إلى الإنسان كمجرد أداة أو خادم للتنمية يجب في أحسن الأحوال تكوينه و تأهيله بغاية تنفيذ نماذج مفروضة عليه من طرف الطبقة الحاكمة التي كانت تنظر إلى المواطنين كرعايا قاصرين لا يعرفون مصلحتهم، وهي التي يجب أن تتولى أمرهم و ما يصلح لهم، فهذا المفهوم متجاوز لأنه فيه تشييء للإنسان و انتقاص من إنسانيته و هدر لكيانه، ويعني أيضا أننا نفرض على الإنسان فرضا تعسفيا واقعا لا يسمح فيه أن يحلم خارج نطاق ما تحدده السلطة المركزية،كما أن واقع الوصاية هذا هو الذي يعطل طاقات الإنطلاقة و النماء لدى الإنسان لتطوير قدراته، ويترك المواطن في حالة من الغربة و الإتكالية و التفرج السلبي، و في حالة القصور المستمر عاجزا عن التفكير و المبادرة و الفعل .

. كذلك فالتنمية لا يمكن أن تتحدد في نموذج أو قالب أو وصفة مركزية معينة، لأنه من جهة، فالمجتمع متنوع و متباين من ناحية الخصوصيات الثقافية و المجالية، ومن جهة أخرى فالتنمية تخضع لدينامية و سيرورة دائمة، حيث ان الانسان يكون في حالة دائمة من محاولة تجاوز واقعه الراهن كيفما كان وضعه، يأخذون دائما للإنتقال إلى وضعية أفضل و أحسن باستمرار، إلا فلا يمكن أن نتحدث عن وجود تنمية من دون وجود هذه الدينامية ومن دون وجود تطور، فضلا عن مسألة التنمية مرتبطة بالتجربة و المحاولة و التقويم و المراجعة المستمرة وفق النتائج المحققة والمستجدات الدائمة أو الطارئة المرتبطة بأرض الواقع على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني و كذلك وفق الحاجيات أو الطموحات الجديدة … إلخ

-لذلك فمفهوم التنمية إرتقى إلى معنى أسمى من مفهومها السابق، وأصبح يتمحور على الإنسان أساسا باعتباره يجب أن يكون هو حاجب التنمية كمنطلق و سائل وغايات، حيث أصبحت التنمية تعني بناء الإنسان لذاته بنفسه و إرادته، ووفق إختياراته و طموحاته مما يعني ضرورة تمكين الإنسان من أن يكون سيد نفسه، وسيد واقعه، و صانع مصيره، من خلال أفضل توظيف لإمكاناته، ضمن شروطه الخاصة المحلية و الجهوية المجالية و الثقافية و التاريخية، وفق ما يستجيب لطموحاته المستقبلية، و للإرتقاء إلى حياة تحقق له كامل إنسانيته، بشكل يحفزه على الإعتماد على نفسه و يساعده على التطوير المستمر لقدراته و كفاءاته لتجاوز نقصه و قصوره.

_ إنطلاقا من هذا و إنطلاقا أيضا من طبيعة التعدد الجهوي السوسيو ثقافي الذي يميز بلاد مراكش، فإن الإجابة الحقيقية عن معضلة التنمية ببلادنا يجب أن يكون مدخلها ديمقراطي من خلال القطع مع كل أشكال التحكم و الوصاية و الفساد و الريع السياسي وكل أشكال الإقصاء الإجتماعي و الثقافي، و بالمقابل تكريس الحرية والعدالة الاجتماعية و تمكين أهالي الجهات التاريخية من حقهم في تقرير شؤونهم وتنميتهم المحلية و الجهوية و ممارسة ثقافتهم، وخصوصياتهم، وذلك على اساس تقسيم جهوي حقيقي يحترم وحدة الكيانات الجهوية التاريخية “الريف الكبير نموذجا” وعبر مؤسسات منتخبة: مجالس و برلمانات و حكومات محلية وجهوية، وفق ما يحترم الأصول العريقة التي ميزت عبر التاريخ العلاقات الجهوية و التنظيم الإجتماعي الذي تقوم عليه الوحدة الوطنية الحقيقية لشعبنا، و على غرار البلدان الديمقراطية العريقة في مجال تدبير التعدد و التنوع الجهوي.

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق