افتتاح موقع جديد يهتم بالتاريخ العلمي والحضاري لبلاد الريف

حسيمة سيتي5 أكتوبر 2019
افتتاح موقع جديد يهتم بالتاريخ العلمي والحضاري لبلاد الريف
رابط مختصر
بقلم: هناء المنوزي

إن فخر الانتماء لا يكفي فيه أن يكون شعارًا يُرفع، أو أبياتًا تُنْظم لا سيما في صفوف طلاب العلم وخدامه، فلا يتجلى سنى هذا الفخر إلا إذا استضيء به لكشف أغوار تراث المنطقة والتعريف بروادها وعلمائها؛ إذ شرفُ الانتساب ليس ضربًا من التشدق بالكنى والألقاب بقدر ما هو إعلاء لقامات وهامات مَن برزوا في المنطقة آنفًا علمًا وتأليفًا وتدريسًا.

ولعل من المناطق التي بُخست حقَّها في التعريف بعلمائها، بل والاعتراف بهم أصلًا منطقة الريف التي ألفنا تورع بعضهم عن نسبة علمائها إليها، واستغراب البعض الآخر من أن أرض المنطقة خصبة علميًا وحضاريًا، مكتفيًا بوسمِها بأرض البارود…

ولكي نبرز التاريخ الحضاري والعلمي والثقافي للريف المغربي لابد من العمل الدؤوب، والجهد الحثيث في الاطلاع على التراث الريفي، ثم سبر أغواره لرصد أماكنه، ثم لمُّ شعثه وجمع شتاته قصد تحقيقه وترميمه وترجمته؛ ليستحيل ملموسًا ونتمكن من إخراجه إلى طلاب العلم ومريديه، ثم يكلَّل كل هذا وذاك بعقد الندوات للتقويم بعد التقييم.

وقد تنبه نقيب الأشراف عبد الرحمن بن زيدان إلى هذا الإهمال الذي لحق البوادي المغربية من قِبل المؤرخين؛ كتافيلالت ودرعة والريف وجبالة والأطلس الكبير وتادلة ودكالة وما إليها رغم أنها عُرفت بحركات علمية رائدة في مختلف ميادين المعارف العربية وزخرت بكثير من الأعلام الكبار، فكم من ورياغليّ وبوفراحي وبطوئي وتوزاني وماواسي يمر باسمه المطالع أثناء مطالعته، وكم مدارس وزوايا علمية في الريف لا تزال آثارها إلى الآن ماثلة للعيون.

كما أعلن خوفه من إمكانية ضياع كل ذلك إلى الأبد ما لم تتداركه أقلام الباحثين بجمع ما يمكن جمعه وتنسيق ما لا يزال مبعثرًا بين الآثار ومتداولًا في جلسات السَّمر، بل صرخ صرخة لا يزال صداها مدويًا في أذن كل قارئ لكتابه >تبيين وجوه الاختلاف في مستند إعلان العدلية بثبوت رؤية الهلال< (ص21) حيث قال في حق عالم من الريف حين صار تراثه طيَّ الأدراج: “أضاعه ومؤلَّفه قومُه وعشيرته من معاصريه فمن بعدهم”، إشارة منه إلى العالم المحدث الفقيه ابن الزهراء الورياغلي وكتابه: >الممهد الكبير الجامع< الذي يعتبر بحق ثروة وطنية يفخر بها المغاربة ويرفعون هاماتهم بانتماء مِثل هذا العالِم إليهم.

وتحقيقًا لهذا الانتماء تنظيرًا وتطبيقًا، وعرفانًا لأمثال هذا العلماء، انبرى ابن الريف د. يونس بقيان لدراسة وتحقيق غيض من فيض التراث الريفي وكان كلام المؤرخ ابن زيدان السالف الذكر ملهمَه في اختياره لكتاب >الممهَّد الكبير< موضوعًا لأطروحته الدكتوراه الذي حقق منه السِّفر السابع، وأنجز دراسة مستقلّة عنه هي في طور النشر بإذن الله، وزاده حرصًا على هذا الأمر غيرة عالم سوس على تدوين تاريخ باديته، ودعوته لمن يقتفي خطاه ويسير على نهجه بقوله: “هذه سوس وجدَت مِن هذا السوسي من يبذل جهوده حول إحياء تاريخ بعض رجالاتها، فليت شعري هل تجد تلك البوادي الأخرى من تثور فيه الحمية المحمودة فيفتح لنا الأبواب التي نراها لا تزال موصدة، إننا أيّها الفيلالي والدرعي والريفي والجبالي والأطلسي والتادلي والدكالي لمنتظرون، أم يذهب هذا النداء كصرخة الوادي بين ثنايا الصدى؟”؛ فكأني بلسان حال د. يونس بقيان يقول: أنا لها، وعملًا على الاستجابة لهذا النداء كان مشروع موقع “الريف العالمة” تحت إشرافه يدون فيه بعضَ ما اجتمع لديه طول فترة التنقيب في التاريخ العلمي والحضاري للريف شمال المغرب – بداية من ساحل بادس غربًا، إلى نهر ملوية شرقًا، مرورًا بنهر ورغة جنوبًا، وصولًا إلى المنطقة الشرقية.

وقد تضمن الموقع أقسامًا مهمة يأتي على رأسها “معلمة الريف” وقد جعله المشرف قسمًا خاصًّا بالتعريف بعلماء الريف والترجمة لهم ومنهم: إسحاق بن يحيى الورياغلي (ت683هـ)، وعبد الحق بن إسماعيل البادسي، وابن الزهراء الورياغلي…

وعلى غراره “بيبليوغرافيا مخطوطات الريف”، وهو جمع لأهمّ ما أنتجه العقل الريفي ولا يزال مخطوطًا إلى الآن. ومما نشر في قسمه “الوثائقي” رسالة ابن عبد الكريم الخطابي إلى العلامة المنتصر الكتاني والتي تنشر لأول مرة بين يدي الباحثين والمهتمين، كما نشر مقالين للتعريف بأكبر موسوعة في شرح الموطإ الذي ألّفه ابن الزهراء الورياغلي في واحد وخمسين مجلدًا مخطوطًا، كما نشر وثيقة من أرشيف البندقية فيها إبرام معاهدة للصلح بين المسلمين من أهل بادس تحت راية أميرها منصور بن يوسف، وبين النصارى من أهل البندقية تحت راية القبطان لوِز بزمان البندقيّ (Aluise PIZAMANO) بتاريخ يوم 19 رمضان 913هـ/ موافق 2 يناير 1508؛ وهذه الوثيقة لم يتناولها الباحثون بالدراسة، ولعل في نشره لمثيلات هذه الوثائق حثّ للمهتمين وتوصية لهم للرجوع إلى أرشيف البندقية فقد يكون مصدرًا جديدًا للتاريخ الريفي الغني الذي لم تُصرف أنظار الباحثين المغاربة بعدُ إليه. 

وبهذا يكون د. يونس بقيان قد وضع اللبنة الأولى في التعريف بتراث منطقته، على أمل أن تتلوها لبنات أخرى ليكون العرفان والاعتراف على التمام والكمال.

http://rif-alima.com/

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق