الدراما الريفية خلال رمضان…بين الهواية والاحتراف

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 10 يونيو 2019 - 5:07 مساءً

محمد بوتخريط

لماذا نلوم الممثل ونحصر المسؤولية فيه وحده ؟ او ..هذا السلوك الذي اعتاد الممثلون ان يتوقعوه منا. انتهى الماراثون الرمضاني لمشاهدة البرامج و المسلسلات الرمضانية .. وانتهى معه ماراثون القيل والقال. اعمال هى على كل حال ، تبقى أعمال من صنع الخيال المتكئ على شيء من الواقع..بدل ان تكون الواقع المتكئ على شيء من الخيال. اختلفت الاراء حولها. من قال عنها سوق ربح فيه الجميع ،السيناريست والمنتج والمخرج وحتى الممثل نسبيا، إلا المشاهد نفسه صاحب الامر كله. ومن قال انها خطوط درامية تم اقتباسها من أعمال أخرى ، ومن قال عنها ، شخصيات تحاكي أبطالا آخرين غير الواقع…ومن ختم بالقول ، خوفي من ان تتحول بعد سنوات الى فن الزمن الجميل!

واما الرمضانيون الذين لم يستطيعوا أن يجاهدوا أنفسهم ضد متابعتها.. فقد نسوا المسلسلات الحقيقية الواقعية التي ابتلوا بها و ابتلى بها هذا الشعب كله . الآن وقد انتهى كل شيء ، ثمّة سؤال يتبادر الى الذهن أمام هذه الاعمال التلفزية التي قُدمت في شهر رمضان وما أفرزته من انتقادات و تعاليق وردود أفعال. هل نحن فعلا موضوعيين في احكامنا ؟

لماذا يسهل علينا أن نقول على عمل ما أنه رديء ويصعب علينا ان نقول على عمل آخر جميل ؟ لماذا لا نشجع بعضنا البعض ونصلي لأجل بعضنا البعض.؟ مشكلتنا أننا تحكمنا علاقاتنا في تقييمنا للأمور..ونادرا ما نكون موضوعيين.ننحاز مهما حاولنا أن نكون موضوعيين لمن نميل له اكثر.. والاشكال احيانا اننا فى انحيازنا وأحكامنا نعلم بداخلنا جيدا أننا غير منصفين..

فمتى نكون موضوعيّين في آرائنا كَي لا نكون جائرين في أحكامنا.؟ لماذا يصعب علينا قراءة ما نراه ونشاهده بطريقة موضوعية تسمح لنا أن نقفَ إلى جانب الحقيقة..نقول على العمل الرديء رديء ونقول على العمل الناجح ناجح.؟ لماذا يصعب علينا أن نكون موضوعيين في أحكامنا و نبتعد عن الشخصنة ؟. لماذا لا نتعاملُ مع هذه الاعمال بموضوعية الإنسان الذي لا تحرّكه صداقات أو عوامل شخصية أو دوافع أوميولاتٌ ما..؟ لماذا لا نستطيع تغييب كلّ هذه العوامل وأخرى ، وعدم تفعيلها حين نتحدث عن هذه الاعمال أو نكتب عنها ، أو حين نتعامل معها أو نصدر أحكاما عليها ؟ أعمال ريفية تم عرضها ، تنوّعت ما بين مسلسلات تليفزيونية حاولت ان تحاكي الواقع وبرامج كوميدية ساخرة حاولت هي الاخرى ان تسلّط الضوء على مجموعة من القضايا التي تلامس المجتمع بنكهة كوميدية ساخرة لافتة للنظر . وبالرغم من أن معظم هذه الاعمال تعرّضت للانتقاد فمن السابق لأوانه بالطبع ان نحكم فعلاً على هذه الاعمال ب” الهزيلة” ..أو نطرح السؤال هل نجحت هذه الاعمال فعلا في إصابة الهدف ام أخفقت في ذلك ؟

وفي جميع الاحوال فهذا هو نوع السلوك الذي اعتاد الممثلون ان يتوقعوه منا. أعمال اختلف المشاهد الريفي حولها، منها من نالت إعجابًا ومنها من نالت انتقادًا ومنها من نالت إعجابًا وانتقادًا في آن معًا، واختلفنا، بين من أعجب بالصورة الفنية ومن عاتب على الانتاج ومن انتقد السيناريوهات التي وجدها البعض منا تقليدًا لأعمال درامية أو فكاهية سابقة. وعلى مستوى التمثيل فكان له النصيب الاكبر،واجهت هذه الاعمال كمًا هائلا من الانتقادات عن الأداء التمثيلي فيها، البعض وصف الاداء بالضعيف والبعض وصف الممثلين بأنهم ذوي “أداء متكلف”. والبعض رأى أن الممثل الريفي يؤدي أداء مسرحيا مبالغا فيه، كونه تَعود عن المسرح في الغالب. وطبعا هناك من اشاد بطاقات تمثييلة جيدة…وقال على البقية ان عليها العمل على أنفسهم وتطوير قابلياتهم…

نعم قد نعترف أن بعض الممثلين لم يكونوا في المستوى ، ولم يطوروا انفسهم حتى في لغة الجسد واللفظ وضبط مخارج الحروف ، وكلنا يعلم أن هؤلاء لم يعززوا مواهبهم بالدراسة الفنية المتخصصة أو من خلال ممارسة التمثيل في أكثر من عمل درامي .

ولنعترف ايضا أن البعض من هذه الأعمال هي فعلا تقليد لأعمال درامية سابقة وبعضها لم يأت بجديد… لكن ومن أجل أن نضع الأمور في سياقها وفي نصابها الصحيح علينا كذلك أن نعترف و نستحضر الواقع الصعب والشائك الذي تظهر فيه هذه الانتاجات والذي يعقد ظروف العمل اكثر وهذه المسالة معقدة جدا ربما اكثر مما نتصور،

وعلينا كذلك أن نذكر أن الدراما التلفزيونية ومعها حتى السينما لا تزال حديثة العهد في الريف ، و رغم ذلك ، علينا ان نعترف ايضا أنها استطاعت الى حد ما أن تحقق قفزات نوعية، ليس فقط في عدد الاعمال ، إنما في فتح أبواب المهرجانات أمام بعض الاعمال، التي جاءت بعضها على مستوى عال من الجودة، والحبكة والمعالجة…ونالت تنويه بل وجوائز قيمة جدا.. يتوجب علينا أن ندرك أن الوقت ليس وقت الحساب فالحساب وقته لم يحن بعد أما النقد والتوجيه من أجل التبصير والذي لابد منه فليكن موضوعيا وفنياً مفيداً بعيداً عن الحسابات الخاصة.. كما يجب علينا ألا ننسى أنه وبلا شك أن الممثل هو الآخر وعلاوة على حرصه على تحقيق نجاحه حتى النهاية ليضيف إنجازاً إلى سجله الفني،هو كذلك حريص على تحقيق نجاحه في الحياة …أن يشتغل…أن يعيش. وبالتالي ،فلا نستطيع أن نلوم الممثل ونحصر المسؤولية فيه وحده. أنا هنا لا أنزه الممثل ، ففيه هو الاخر أخطاء ..ولكنه يبقى هو اكبر الضحايا بعد المشاهد. وإن كان هناك من عتاب ، فليكن على كل مسؤول أخل بمسؤوليته ، وعلينا جميعا …

المسؤولية هي مسؤولية الجميع من دون استثناء، لا بد أن ندرك أن جميعنا لدينا أدوار ومسؤوليات تجاه الوضع الذي آلت اليه الامور، ومتى ما شعرنا بالمسؤولية الجمعية استطعنا تجاوز العديد من التحديات .

اللوم على من لم يبني معهدا،على من لم يرمم دار الشباب، على من لم يدشن مسرحا..وعلينا نحن كذلك ، نحن الساكتون على الوضع السائد و هذه الحالة المزرية. فهناك نقطة جوهرية يجب أن نثيرها، هناك مسؤولون يعتقدون أن صمتنا على الوضع، قبول بالامر، وهذا بالضبط ما يحدث.

صحيح أن الانتاجات الامازيغية / الريفية تعاني كذلك من نقص التمويل كما يؤكد بعض المهتمين بالمجال.. لكنها أيضا تعاني من أزمة السيناريو ، حتى صار سؤال السيناريو يتصدر الواجهة، فمهما قيل عن الممثل مثلا، فإن الفيلم يُستقبل من طرف المتفرج كحكاية للاستهلاك، ومن هنا أهمية الكتابة.وبالتالي فالدراما في الريف لا تعاني من ” أزمة الممثل ” بقدر ما تعاني من مشكلة السيناريو والنصوص والمعالجات الفنية، وهو ما يجعل شعبيتها متواضعة حتى داخل الريف الذي يقبل جمهوره على متابعة الأعمال المغربية الاخرى والعربية والتركية بشكل أكثر ومكثف.

وطبعا هذا لا ينفي وجود كتابات في المستوى لطاقات شابة أكدت تميزها ونجاحها، وهي تسير بخطى واثقة، تمضي نحو الأمام، حاملة حكايات عديدة عن الريف وتاريخه، ترويها عبر مشاهد فلمية، تحمل بصمات صناع سينما”ريفية” طالما اختبروا الواقع المجتمعي، ونجحوا في استخراج مكنوناته، وترجمتها على الشاشة .

وعلينا كذلك ان لا نغفل عن أعمال لقيت استحسان المشاهدين بسبب اتقان الممثل لدوره فيها وليس لجمالية السيناريو..وعلينا ان لا نحاول إخفاء هذا الضوء بالغربال. ممثلون شاركوا في اعمال طالما نالت إعجاب المشاهد وأقبل على مشاهدتها بفعل اتقانهم لأدوارهم وليس بفعل السيناريو.. فكان العديد من مشاهدي القناة الثامنة مثلا يضبطون يوميا وعلى مدار أيام شهر رمضان عقارب ساعتهم على توقيت عرضها… ممثلين ريفيين كثيرين نجحوا فعلا في أدوارهم ، بغض النظر عن السيناريوهات التي جسدوها، اجتهدوا الى حد كبير في تطوير أدوات تعبيرهم كممثلين في سبيل وضعنا في الشخصيات التي تقمصوها. شخصيات كثيرة حاول متقمصوها من ممثلينا في الريف أن ينجحوا في ذلك ، وهناك من نجح وهناك ايضا من أخفق، لكن يتعين علينا كمشاهدين استحضار حقيقة ثابتة ووضعها نصب أعيننا ان هذه الكفاءات من ممتهني التمثيل في الريف صنعوا أنفسهم بأنفسهم ، معتمدين في ذلك على إمكانيات ذاتية…بحتة .. دون مراكز تكوين ولا معاهد للدراسة واحيانا دون حتى إدارة الممثل أثناء التصوير وهذا في حد ذاته كفيل لتشجيعهم ومساندتهم والوقوف بجانبهم. بل وتشجيع الاعمال التي نراها ناقصة ، نشجع بعضنا البعض ونصلي لأجل بعضنا البعض. فما دمنا لا نحتضن بعضنا البعض ، ولا نساند أو نؤازر بعضنا البعض ، فلن نرتقي أبداً . وإن كنا لا نقيم لهؤلاء وزناً، لن يبرحوا مكانهم إلا إلى الخلف، ولن نرتقي نحن بعقول الأجيال القادمة.

وان أصررنا على مقارنة إنتاجاتنا بإنتاجات مغربية اخرى فنحن دون شك في ذلك،الأدنى. أمّا إذا كانت المقارنة بين ماضينا نحن وحاضرنا نحن، فحينها ـ نحن كمثل غيرنا تماماً.

2019-06-10 2019-06-10

اترك رد

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي