على هامش 11 يناير: الخديعة الكبرى.. نحو قراءة أخرى للتاريخ “الوطني”

wait... مشاهدةآخر تحديث : الجمعة 11 يناير 2019 - 10:32 مساءً

منير الحجوجي

أواخر القرن 19 بدأ التجار المغاربة ( و أغلبهم فاسة لأسباب تاريخية معقدة يشرحها مثلا عبد الواحد السبتي في كتاب مهم جدا هو “النفوذ وصراعاته في مجتمع فاس من القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين” – منشورات توبقال، 2007) قلت بدأ التجار المغاربة يعانون من ثلاثة عوائق بنيوية منعت من أن يطوروا أعمالهم و يتحولوا الى طبقة بورجوازية حقيقية فاعلة اقتصاديا و سياسيا.. هذه العوائق هي 1- انعدام بنية تحتية مساعدة على نقل البضائع بين الموانئ و الأسواق..2- ضعف السوق الداخلية و محدوديتها..3- و هذا هو الأهم، سيف التتريك الذي كان يهدد بمصادرة الممتلكات و الثروات في أية لحظة وحين..

لجأ التجار مثلما يقول الجميل أحمد بيضا إلى ثلاثة أساليب للحفاظ على ثرواتهم، على أنفسهم..1- الاكتناز عوض الاستثمار..2- النزوع نحو المحافظة عوض المغامرة و اقتحام مجالات جديدة..3- أما الأسلوب الأخير و الأخطر ربما فكان هو الاحتماء بالأجنبي القادر وحده على منع يد المخزن من الوصول إلى الثروات الغابرة.. سوف يحصي روني لوكليرLeclair في كتاب أصدره سنة 1905 ستين تاجرا فاسيا على رأس المفاصل الكبرى للحركة التجارية و “المالية” للبلاد في تلك الفترة.. و يشير السبتي الى أنه عندما دخل ليوطي الى فاس اجتمع بأغلب هؤلاء الستين ( في لقاء تاريخي بجامع القرويين..) و طلب رأيهم في البلاد و تصورهم للمستقبل.. طرح التجار سؤالا رهيبا في بساطته: “هل ستمس فرنسا تجارتنا؟”.. كان جواب الداهية ليوطي: “بالطبع لا”.. فكان الرد الفاسي: “الله يسخر”..

المشكل تفجر لاحقا مع دخول لاعب اقتصادي جديد بقدرات مالية و تقنية و لوجستية أكبر إلى الساحة هو المستثمر/المعمر الفرنسي.. أصبحت إدارة الحماية تمنح الامتيازات/العقود/الصفقات للمعمر على حساب التاجر الفاسي.. فهم التاجر الفاسي بحس البراغماتي أن الزمن ليس هو الزمن.. لقد انتهى زمن التعايش بين طموح السلطان و مركانتيليلة البورجوازية الفاسية و المصالح السياسية و الاقتصادية لفرنسا.. الحل؟ التكيف؟ المواجهة؟ انصب تفكير النخب التجارية و المالية الفاسية نحو الحل الجذري: السعي نحو الريادة السياسية عبر ألية الحركة الوطنية.. لاحظوا جيدا اللعبة، المناورة: إطلاق الحركة الوطنية كرد فعل على تفسخ نظام اقتصادي وبداية ظهور أخر في خدمة فاعلين أخرين..

نجحت الاستراتيجيا و فرضت النخب الفاسية ألية الحركة الوطنية فاعلا سياسيا وحيدا و لاحقا فاعلا “وطنيا/اجماعيا” لحظة “التفاوض” على “الاستقلال”.. وهو ما سوف نقف عنده عندما طرحت الحركة الوطنية ( هذا الغطاء للضواري المركانتيلية الفاسية) في مفاوضات اكس ليبان Aix-les Bains كامل رغبتها: اعطونا البلاد و مايكون غير خاطركم.. نحن نعلم أن فرنسا استدعت بعدما استنفذ نموذج الاحتلال/النهب المباشر كبار “الوطنيين” لمناقشة وضع ما بعد الانسحاب.. هاكم ما قالته فرنسا للجماعة الاستقلالية/الفاسية التي دعيت (اختيرت بدقة كما سيعترف المهدي بنبركة نفسه لاحقا) لتشارك في مفاوضات ايكس ليبان ( نحن هنا سنة 1955): “أنا مستعدة لأن أمنحكم المغرب وتديروه كما يحلو لكم مقابل شرطين: أولا أن تتم تصفية جيش التحرير الوطني، و ثانيا أن تضمن مصالح فرنسا داخل المملكة الشريفة”.. يحكي واحد ممن عايشوا الأحداث وهو ادغار فور (في نص ممتاز هو “خبايا اكس-ليبان”، منشورات دفاتر سياسية، 2007) أن حزب الاستقلال قبل الشرطين بصدر رحب، لم لا و المقابل رائع: وضع جزء استراتيجي من البلاد في الجيب… مباشرة بعد “الاستقلال” سوف ينفذ فاسة بحذافيرها الاتفاقيات الملغومة.. بالنسبة للشرط الأول تم تعيين محمد الغزاوي ( صاحب الحافلات في فاس وهي واحدة فقط من ثمار التحالف مع فرنسا) مديرا للأمن في الفترة بين 56/61 بمهمة حصرية و هي ملاحقة/قتل كل الثوريين الجذريين بجيش التحرير ( و هو ما تم بالفعل مما استحق معه المغرب لقب الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بتصفية جيش تحريرها)، أما فيما يتعلق بالشرط الثاني فلقد احترم فاسة بدقة متناهية مصالح فرنسا.. والأن فان القطاعات الاستراتيجية في البلاد، قطاعات البنك/التأمين/الطاقة/المناجم/التدبير المفوض..، هي بيد اللوبي الفرنسي.. فيما ترك الفتات – و هو استراتيجي أيضا- للرأسمال الفاسي في سياق اللعبة الشهيرة: لعبة هاك وارا.. دوز ليا نسماتشي ليك.. ميك عليا نغطي عليك (90 في المائة من أسماء مجالس إدارات الشركات المغربية الكبرى المدرجة في البورصة هي أسماء فاسية.. أنظر أعمال محمد بونيبال و علي بنحدو..).. و هي اللعبة التي لابد وأن ترمينا يوما ما الى الهاوية..

2019-01-11
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي