حافلات السدراوي أو ”ركار نفاميليا” …جزء من ذاكرة الريف

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 24 ديسمبر 2018 - 12:09 صباحًا

ادريس الغالب

إنها الحافلة التي كانت تربط بين عين زورة و الناضور (العمالة). كانت هناك واحدة تنطلق على الساعة السادسة صباحاً من عين زورة، الثانية على الساعة السابعة و الأخيرة على الساعة الواحدة بعد الزوال… من ناحية أخرى كانت هناك انطلاقة من الناضور في الاتجاه المعاكس واحدة على العاشرة صباحاً و الأخيرة على الساعة الثالثة (لا أتذكر توقيت الثالثة)… مدة السفر كانت تتراوح بين الثلاثة إلى الثلاثة و نصف ساعات في مسافة لا تتجاوز 100 كلم. لكنه كان ركار فاميليا (حافلة العائلة) لقباً و فعلاً. كانت حافلة خطوط محند أمظارس تأوي الجميع غارك نيغ وار غارك (عندك و لا ما عندكش). على ظهر هذه الحافلة يمكن لك أن تكتب رواية عالمية حول حالات اجتماعية انسانية تنبثق منها الشهامة و عقلية البدوي البسيط المحب لأرضه المتشبث بكبريائه. كان الشيء الجامع بين الكل في الحافلة هو أن الكل يعرف الكل رغم المسافات. مساعد سائق الحافلة (باروضي مثلاً لمن يتذكره) كان ينادي أغلب الناس بأسمائهم… و هنا أحكي لكم طريفة: كان لي ابن عم رحمه الله مختلاً شيئاً ما عقلياً لكنه كان خفيف الدم كانت من عاداتنا و اتباعاً لوصايا أبيه رحمه الله نحن أبناء عمه لا نتركه وحده أبداً. يحكي لي ابن عم آخر كان يدرس في ثانوية عبد الكريم بالناضور يتردد مراراً على منزلهم بعين زورة على مثن الحافلة السحرية. ذات مرة في أواخر نفس سنة الإنتفاضة (84). صاحبه ابن العم المختل المرح في الحافلة إلى عين زورة. و هم في طريقهم بين الدريوش و عين زورة كانا الإثنين جالسين في آخر الحافلة، وقف ابن العم المختل وصاح بصوت جد عال في الراكبين ثم قال متجهماً: قا يقاراون أيغيار أييهبوجن أ رمراحل! (يقول لكم أيها الحمير المغفلون الحيوانات)…

حينها وقف الجميع من أماكنهم و اتجه بعضهم غاضبين نافخين، هُز كبرياؤهم و دكت رجولتهم واعدين قائل هذا الكلام، فقالوا له. من قال هذا سنريه عاقبته ثم ترجلوا نحوه عبر الممر… يقول ابن عمي الضحية في الموقف الذي كان ما زال يعيش عواقب رعب ما وقع أثناء الإنتفاضة. يقول أن الأمر كان مخيفاً و هم يقتربون منا في آخر الحافلة التي كانت تشق طريقها غير مبالية بالخصامات… لكن المختل المرح – على فكرة لم يكن من الجبناء و لا أظنهم أخافوه – أنقذ الموقف و قال لهم بصوت عالي مرة أخرى: أتريدون أن تعرفوا من قال هذا الكلام. حسناً سأذكركم. قالها ملككم في الأشهر الماضية (و هنا يقصد عندما نعت الحسن الثاني الريفيين بالأوباش في خطابه المشهور). و أكمل متحدياً إياهم: يا الله كمراث خثاركازث نوون. روحث غارس! (يا الله كملوا على الرجولة ديالكم. سيرو عندو)… يقول ابن عمي ضحية الموقف أنه في تلك اللحظة توقف أولئك الشجعان عن الترجل. عم الهدوء و اندثر الصخب و عادوا إلى أماكنهم كأنه قصفهم بمبيد عجيب. فانفجر المرح ضحكاً عليهم و عاد إلى مكانه كي يولع سيجارة كازا من جديد…

2018-12-24
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي