محمد زاهد يكتب: عشرون سنة…

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 2 أغسطس 2018 - 3:25 مساءً
محمد زاهد يكتب: عشرون سنة…
محمد زاهد

حزينة مع مزيج من الأسف، قال: علي الانتظار أكثر مرة أخرى. أكثر من عشرون سنة. أكثر من الانتظار نفسه. كتب علي ذلك، كمن كتب عليه قدر أزلي.. أبدي.. سرمدي.. شقي.. عسير.. قاتل.. لكن رغم ذلك، فالطريق إلى هناك طويل. هو بمقياس عمر حياة شعبي الأبي.. البطل.. المنكسر.. المنتصر.. الصامد رغم الجروح. في خروجي الأخير أعلنت تمردي.. صيحتي.. صحوتي.. صرختي.. حريتي.. حياتي.. لم أكن غير صيحة تمزق خيوط الصمت والانهزام الذي لحق بنا. آه على خيبات وطني الصغير.. مرارا حاولت، فلم أتمكن. استطعت الوصول قريبا من منبع الشعب الذي يروي الجميع، فلم أشرب.

على متن الحافلة الزرقاء اللون، كان يطوي المسافات الشاحبة.. البعيدة.. المخيفة.. الشقية.. على طول الرحلة، كان “أنير” يستذكر وصايا أمه. تذكر دمعتها الأخيرة الحارقة. تذكر النظرة الأخيرة وهي واقفة على جنب الباب. تذكر التمني الأخير. في التمني الأخير كان يحس بانهزامه. برحيله الذي افتقد لرجوعه.. لعودته.. لبوحه النهائي.. لتفاصيل حياته المبهمة. وحده بكاء الطفل المجاور لمقعد جلوسه، كان يخرجه من تألمه.. تأمله.. مرارا تأمل وتألم لمصير صورة ظلت معلقة في صالون منزل أسرته. كانت صورة قديمة ل “الأمير”، كما كان يتناهى لمسمعه وهو صغير السن.

في غربته، أو اغترابه، ظل يتذكر صوت وصورة الأم، لكن بجانبها كانت صورة الأمير تلاصقه.. تلازمه.. تستفزه.. يسترشد بها.. يستقوي منها.. يحارب من أجلها. في إحدى رسائله التي بعث بها إلى والدته، كتب إليها جملا مهزومة: ” أمي العزيزة والحنونة. أمي الغالية. أمي التي لا تنهزم من أجل حياتي. أمي الصامدة والصابرة. لست الأول ولا الأخير الذي عبر مكرها. مطلقا لم أشأ غير البقاء قريبا منك.. قريبا من حنانك.. من طيفك.. من ظلك.. من وجودك، لكن الغلبة كانت للمراد. في ركوبي إلى الضفة الأخرى/ المجهولة/ الغامضة/ الأخيرة/ القاتلة انتهيت رمادا.

بقبعتها السوداء الموضوعة فوق رأسها، وبتسريحة شعرها الأشقر، كانت تبتسم مندهشة. في أناقتها كان يذوب صخب الكلمات والأصوات الملهتبة وسط الحانة البئيسة بروادها ومرتديها الذين يبدون في نفس الأعمار، وفي نفس الشقاء والبؤس. “لطيفة”، هكذا كان ينادي عنها بعض الزبناء. كانت تمشي بمهل، وكأنها بطة. بحذر مرفق بابتسامة بريئة كانت تسرق بعض النظرات. ومن حين لآخر، كانت تسأله إن كان في حاجة لخدمة ما. في لحظة معينة طلب منها أن تأتيه بجعة باردة وعلبة سجائر ثانية. بذكاء لمست بيديها قرب نهديها، كأنها تدعوه ليتذوق من إجاصتيها الناضجتين. كانت تدرك أنها الفاكهة المفضلة عنده. لم يشأ أن يتذوق من أي فاكهة كانت. ربما قد يكون خسر أي تذوق بعد الذي حدث. بعد طول الانتظار. بعد صدمة “العشرون سنة”. بعد اغتصاب الحياة الآمنة في عز معركة البقاء. بسرعة حاول مجددا أن ينسى الأشياء الغامضة ويتذكر الكلمات المبهمة.

ذات صباح باكر حار، قرر أن يركب أول وسيلة نقل توصل إلى المدينة المغدورة. كان يترجى أن يدخلها وهي لا تزال نائمة على جرحها، أو على الأقل أن تكون بين كابوس النوم وحلم اليقظة. كان يتودد أن يصلها خلسة. خفة. منسلا. وحده من كان يعرف السبب. وهي وحدها من كانت تدرك ذلك. بين العاشقين ألغاز وقصص لا يعرفها سواهما. أحبها لأول وهلة، واحتضنته مسرعا بقلبها المنكسر في أول لقاء. لم يتعانقا مطلقا، لكن كلاهما ذاب في الآخر. نام بين أحضانها ثمان ليالي، ولما توادعا بكى في صمت. كان اللقاء على شاطيء “مقجمان”. توالت اللقاءات والمواعيد، وكانت تزيد من حرارة العشق. “أنير” عشق القديسة “بييا”، والعاشقة الولهانة “بييا” أغرمت به، لكن ما عسى أن يقول هو وقد اغتصبت بعدما كاد جرحها أن يندمل؟ وما عساها أن تقول هي المفجوعة بهذه الجريمة؟ في شبح الليل المظلم كانت خطوات الوحش تتقدم. تتواطىء.تنذر بوقوع الكارثة. كانت أحرف المجرم- المغتصب تتكون من 3 حروف. حرف “الميم”، و”الخاء”، و” الزاي”، و”نون” الاغتصاب.

رويدا حاول أن يجاري الموقف في انتظار الانفراج. كان يعتقد أنه أكثر صبرا وأكثر حكمة. لا صبر ولا حكمة كانت تلوح في الأفق. كانت أقدام الديناصور فوق الجميع. كان يبتلع كل شيء. يأتي على الأخضر واليابس. في حوالي منتصف الليل هاتفته. أخبرته أنها ستصل المطار صباح يوم الغد. لم يستطع قول أي شيء. هو نفسه كان سيسافر ذات اليوم. خشي أن يخبرها أنه قرر أن ينتحر قريبا من أي نهر يصادفه. في داخله كان يترجى أن يفعل ذلك قريبا من نهر “السين”. ربما كان يتسلح في الأمر بروح “الطائر الأزرق”. كان الأخير من طيور جنة الأرض والسماء. ذات مرة عاندها في أمر ما، ووقع الخصام. طلبت منه بعد مرور أيام سوداء أن يصبر ويتفهم، لكنه تمرد. في تمرده كان يخاطب ذاته. جنونه. أحلامه. أسماءه المختلفة. كينونته. فرصه الأخيرة أو حتى انهزامه الأخير. أنغامه. بطولته المفتقدة. ليله المعدم. أمانيه المغتصبة. في ذهنه ظلت أحرف المغتصب تتكون من: “ميم”، و”خاء”، و “زاي”، و “نون”.

2018-08-02 2018-08-02
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي