المعتقل بنشعيب يكتب: “الريف بين الماضي والحاضر والمستقبل”

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 25 يونيو 2018 - 1:11 مساءً
المعتقل بنشعيب يكتب: “الريف بين الماضي والحاضر والمستقبل”
البشير بنشعيب

مقال للناشط الفبرايري البشير بنشعيب المعتقل على خلفية أحداث بني بوعياش سنة 2012، المحكوم بـ 12 سنة نافذة، عنونه بـ”الريف بين الماضي والحاضر والمستقبل”، نعيد نشره كما توصلنا به  .

“الريف بين الماضي والحاضر والمستقبل” 

من منا لا يعرف تاريخ الريف الشامخ الحافل بالملحمات البطولية، ومن سينكر أن عبد الكريم الخطابي مدرسة للنضال ورمزا للتحرر. دعونا نلقي نظرة عن تاريخنا العريق ونستحضر المحطات النضالية بداية من مواجهة الاستعمار الغاشم والتصدي له بأبسط الإمكانيات وتكبيده خسائر جسيمة   دفاعا عن الوطن والأرض، فلم تكن حرب الريف مع الإسبان تقتصر على تحرير الريف الأبي فحسب، بل إنها كانت بمثابة رسالة قوية لكل الشعوب المستضعفة، لقن من خلالها عبد الكريم الإمبريالية درسا لن تنساه، سيظل راسخا في ذهنها، كما علم هذه الشعوب كيف تدافع عن كرامتها، لكن الإمبريالية تحالفت فيما بينها بعدما ارتأت أن عبد الكريم عائقا يعرقل مشروعها الاستعماري، حيث التجأت إلى أسلحة محظورة كالغازات السامة، وذلك لإبادة أبناء الريف الأشاوس، لكن عبد الكريم الخطابي تعامل مع هذه المؤامرة بذكاء وسلم نفسه لوقف هذه المؤامرة التي من شأنها إبادة الشعب الريفي ليتم بعدها نفيه إلى جزيرة لارينيون. إذن هذه نظرة عابرة دون ذكر التفاصيل وكل المحطات التي عرفتها حرب الريف مع الإسبان.

في سنة 1958، عاش الريف أحداثا خطيرة لكن هذه المرة مع المخزن، حيث عرفت هذه الأحداث مجازر وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبيل الاغتيال والاغتصاب والاعتقال، أما سبب اندلاع هذه الانتفاضة الشعبية فكانت نتيجة سياسات ممنهجة تستهدف الريف اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، إلا أن الدولة في شخص المخزن لم يراعي شرعية المطالب وكأنه كان حاقدا على المنطقة، وهذا ما أكده في تعامله الوحشي والهمجي مع أناس عزل ذنبهم أنهم طالبوا بحقهم في العيش الكريم.

مرورا من سنة 1958-1959 وصولا إلى سنة 1984 أو ما يعرف بالحركة التلاميذية بالريف، التي لم تنجوا بدورها من الاعتقالات والاغتيالات والقمع المفرط والأحكام الجائرة، ولم يقف الأمر عند هذه المحطة، لتحل سنة 2011 ويتكرر السيناريو مع حركة 20 فبراير التي بزغت فيما يسمى بالربيع الثوري، حيث قدم الريف الجريح ستة شهداء ومجموعة من المعتقلين الذين نددوا بالفساد المستشري الذي طال كل القطاعات، وطالبوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ليتبين من جديد أن أسلوب الدولة لم يتغير، فهل هذا الأسلوب الهمجي وهذه السياسات الممنهجة استطاعت أن تطفئ نور النضال؟ بالطبع لا، ففي سنة 2016 وبالضبط 28 أكتوبر، ارتكبت جريمة شنعاء راح ضحيتها الشهيد محسن فكري طحنا بطريقة بشعة في حاوية للنفايات، هذه الجريمة النكراء لم تمر مرور الكرام، بل تمخض عنها حراك شعبي لم يسبق له مثيل كمّا وكيفا، حيث ندد من خلال المتظاهرون بسياسة التقتيل التي طالت أبناء الريف بصفة خاصة وأبناء الشعب المغربي بصفة عامة، مستنكرين كل السياسات الممنهجة والتقشفية التي تستهدف المنطقة منذ عقود من الزمن، مطالبين برفع الحيف الجاثم عليهم وإنصاف المنطقة على جميع المستويات. ومن خلال زيارات ميدانية لكل المداشر والدواوير والمدن بالريف، تم صياغة ملف مطلبي حقوقي نابع من رحم المجتمع، ناضل عليه الحراك المبارك بطريقة حضارية ونموذجية بالطابع السلمي والإبداعي، وكان المطلب الأول كشف الحقيقة الكاملة وراء اغتيال الشهيد محسن فكري وبقية الشهداء ومحاكمة الجناة الحقيقيين، والمطلب الموالي هو إلغاء الظهير العسكري الذي صدر سنة 1958.

أما الدولة ففضلت نهج سياسة الاذان الصماء وكأنه لا حياة لمن تنادي، وبعد سبعة أشهر من الاحتجاج السلمي الذي فشلت الدولة في نسفه باستعمال شتى الطرق والمكائد، التجأت هذه الأخيرة إلى منطق القمع والإنزال المكثف للأجهزة القمعية وتطويق المنطقة عن آخرها، أو بالأحرى فرض حالة طوارئ غير معلن عنها، ليتم اعتقال ناصر الزفزافي أبرز ناشط في حراك الريف، الذي قاد هذا الأخير من بدايته، حيث استطاع أن يسد الطريق عن كل المندسين وأن يفضح كل المقنعين والانتهازيين، مما أحرج الدولة لتكشف عن أنيابها قبل اعتقاله، ولقد تم اعتقال الأستاذ محمد جلول الذي قضى 5 سنوات سجنا ولم يمضي على خروجه سوى شهر واحد.

وفي خضم هذا الصراع اندلعت مواجهات كانت الدولة سباقة، لا بل مسؤولة عنها، كوْن أن حراك الريف كان حريصا على السلمية وعلى عدم الاصطدام، وبالتالي فإن الدولة هي المسؤولة عن الاصطدام الذي وقع، ولقد تم اعتقال ما يقارب 2000 معتقل من أبناء المنطقة على هذه الخلفية، وصدرت في حقهم أحكام جائرة، كوْن أن الدولة نهجت منطق التحكم في المؤسسات وعلى رأسها مؤسسة القضاء الذي لم يلزم الحياد، ليكون بذلك أداة الجريمة التي ارتكبت في حق الحراك. أما الإعلام الرسمي فحدث ولا حرج، لأنه كان يستهدف الحراك بشكل مباشر، ناهيكم عن التعذيب النفسي والجسدي الذي طال المعتقلين في المخافر.

لقد أبان المسؤولون عن حقدهم الدفين اتجاه هذه المنطقة التي ضحى أبنائها بالغالي والنفيس في سبيل هذا الوطن واستقلاله، لكن ما لا يعرفه البعض أنهم لم ينعموا يوما بحنان الوطن. إن مشكل بعض السياسيين هو معرفة طبيعة الحراك، أهو اجتماعي يحمل في طياته مطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية أم هو ذات أهداف سياسية، ولا شك أن بعض الخطابات والشعارات التي تناولها نشطاء الحراك هي من أربكت هؤلاء، لكن بكل بساطة كل ما هو اجتماعي هو اقتصادي، وكل ما هو اقتصادي هو سياسي، فإذا كانت منطقة الريف تعاني من مشكل البطالة الذي يندرج في ما هو اجتماعي، فأكيد أنه ناتج عن مشكل اقتصادي، أي أن الريف تم إقصاءه اقتصاديا بسياسات ممنهجة، لذا فإن الأمر مرتبط بشكل أو بآخر، وإلا فأين نحن من العدالة المجالية والتقسيم العادل للثروات، ونفس الشيء في المجال الثقافي.

إذا كانت الدولة تعترف بالتعددية وبكل المشارب الثقافية، فلماذا تم طمس الهوية الريفية؟ فموروثنا التاريخي والثقافي شبه منعدم في السياسات القائمة، وكأن هناك توجس من شيء لا نعرفه نحن، فعبد الكريم الذي يعتز به المغاربة والعالم بأسره والذي انحنت له شخصيات بحجم تشي غيفارا وماوتسي تونغ، لم تمنح لمساره الأهمية المطلوبة والمستحقة في معقله الذي هو وطنه، وبالتالي فمن الصالح ومن الطالح؟ هذا ما عبر عنه أبناء الريف في الحراك المبارك بطريقتهم الخاصة.

إن مقتل محسن فكري بتلك الطريقة البشعة أعادت إلى أذهان الريفيين جروح الماضي بعدما اقشعرت الأبدان لهذه الجريمة النكراء، لتكون هذه الفاجعة القطرة التي أفاضت الكأس، لأن حراك الريف هو نتيجة تراكم سياسات معادية لمنطقة الريف، ولكن اتهام حراك اجتماعي حقوقي بالانفصال لا يمنع أن نقول أن بعض السياسيين يعرفون حق المعرفة أن الحراك ذا طابع اجتماعي وحقوقي، إلا أنهم اختلقوا هذه التهمة الخطيرة للتملص من المسؤولية والانتقام من المناضلين، ومن أجل تكريس سياسة فرق تسد، كذلك في الوقت الذي تقول فيه أن الدولة أنها قوة إقليمية لها دور ريادي في إفريقيا وبما أن الحراك يعري الهشاشة ويفصح عن الواقع المرير للوضع الداخلي فلا خيار لدى هؤلاء إلا اتهام الحراك بالانفصال، فكل منا يعرف من فصل الريف عن باقي المناطق بسياسة الاستئصال، حيث تم استئصاله من كل مجال، وبالتالي لم تكن هناك نية الانفصال لأن الحراك لم يخرج عن نطاقه وعن مساره الصحيح، وإني أقول لهؤلاء ” إذا كنتم أنتم لم تعترفوا بنا فكيف لنا أن نعترف بكم، وبالتالي عرِّفونا كما شئتم وكيفما شئتم”، لأننا وطنيون أكثر من أي كان، إلا أننا نسعى لوطن يتسع للجميع، وطن تسوده الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأنتم تقتصرون على نهب المال العام واغتصاب الثروات، هذا هو رد أبناء الريف عن من اتهمهم بالانفصال.

أبنا الريف في المهجر ساهموا في بناء هذا الوطن وازدهاره اقتصاديا بجلب العملة الصعبة لكن في المقابل الاحتقار والإقصاء والاتهام إن الحراك ذنبه الوحيد أنه أجهر بالحق، وطالب برفع الحيف الجاثم على الريف، وإنصافه ماديا ولا ماديا، وهذا الحق مكفول دوليا، لقد تبين بالملموس عدم وجود إرادة حقيقية من أجل إنصاف هذه المنطقة التي عانت بما فيه الكفاية، وبالتالي وجب علينا أن نتسائل عن مآل ومستقبل الريف، فإلى أي حد و إلى متى سيظل هذا الوضع قائما، ألم يأتي الوقت كي نتعامل مع القضية بحزم وبنوع من المسؤولية حتى لا نكون من الذين يعيشون اللحظة أو الحدث، وبعد كل شيء سيمر مرور الكرام ونظل نتخبط في شيء اسمه التكرار.

إن مستقبل الريف رهين بوعينا النضالي وبمدى إيماننا بقضيتنا ورغبتنا في تحقيق المبتقى والوصول إلى  الهدف المنشود الذي يتجلى في جعل المنطقة قطبا تنمويا، والنهوض بها حقوقيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، ولتحقيق هذا يتطلب منا أن نكون عمليين أكثر من أي وقت مضى، والمدخل الأساسي في نظري أن نحث المسؤولين وكل القائمين على تدبير الشأن العام لتفعيل الجهوية الموسعة بمفهومها الحقيقي عكس ما هو قائم، أي منح هذه الجهات الصلاحية الكاملة في تدبير شؤونها دون اللجوء للمركزية، واستفادة المنطقة من التقسيم العادل للثروات وإنصافها على جميع المستويات وتعويضها عن سنوات الإقصاء حتى يكون هناك نوع من التوازن الاقتصادي بين الجهات، كما يجب تفعيل العدالة المجالية على مستوى الأقاليم والمدن، لا بل يجب أن نرغم الدولة للاعتراف بخصوصياتنا، ومنحنا الامتيازات التي نحن أهل لها، لأننا لن نسمح لأحد أن يبخس من تاريخنا العريق أو أن يقزم من وعينا النضالي كما لن نتساهل مع كل من شكك في وطنيتنا، وإن تعامل الدولة مع حراكنا المبارك إن ذل على شيء فإنما يدل عن فشلها الذريع في القطع مع أساليب الماضي، وبالتالي هذا انتصار في حد ذاته للشعب المغربي قاطبة، كون أن الدولة أجهزت على كل الشعارات الرنانة من قبيل دولة الحق والقانون، المصالحة والإنصاف، حقوق الإنسان، وغيرها من العناوين التي تم تمريرها وكان الريف هو من عرى هذه الحقيقة، أما مفهموم الهيبة في الدول الديمقراطية فتكمن في إنصاف الشعب واحترام رأيه وليس الزج به في السجون.

وفي الأخير، أختم هذا المقال بقصيدتين :

القصيدة الأولى : “الريف المنسي”

سألت نفسي

عن نفسي

ولم أجد نفسي

في نفسي

سألت من أنا

سألت عن غدي وأمسي

وعن مسقط رأسي

ووجدت أني أنا الريف المنسي

وجاءت القطرة التي بها امتلأ كأسي

تحديت الصعاب وتحديت يأسي

وفضلت أن أعيش مرفوع الرأسي

لأن كرامتي هي قوتي وبأسي

وأدركت أن يوم جنازتي هو يوم عرسي

وأن همي ليس بمنصب ولا كرسي

بل همي وغايتي أن ألقنهم درسي

فمبادئي سيفي والنضال فرسي

القصيدة الثانية :

“حراكنا مبارك ميمون

قسمنا فيه أن لا نخون

شعارنا فيه إما أن نكون أو لا نكون

سلاحنا فيه سلمية وإبداع وفنون

مطالبنا في الشرعية حق مضمون

تعامل الدولة معنا لا يمكننا أن نصفه إلا بحقد مدفون

قمع واعتقالات وخرق للقانون

تصريحات وتطفل واتهام وجنون

ردنا على تهمة الانفصال ليس جواب بل سؤال

عن من فصل الريف بسياسة الاستئصال

حيث تم استئصاله من كل مجال

وبالتالي فإن السؤال موجه لكل من تجرأ وقال

عن حراك اجتماعي أنه انفصال

ما مصير وما مآل الإقصاء والتهميش الذي طال

أبناء الريف الذين ضحوا بالنفيس والغال

دفاعا عن الوطن والاستقلال

أَهَلْ هو جزاء عن الدم الذي سال إبان فترة الاحتلال

أم جزاء لجاليتنا على ما جلبوه من مال

الذي أصرف جله في الصحاري والرمال

دعونا نقارن الأقوال بالأفعال

وسنعرف من هم الوطنيون الأبطال ومن هم الأنذال

أكيد أن الوطنيون وراء القضبان

في القيود والأغلال

وأن الأوغاد هم أنتم لا محال”.

البشير بنشعيب

السجن المحلي بالحسيمة.

2018-06-25 2018-06-25
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي