“اريف نغ”…. مقارنة بين تعامل الدولة مع الريف والصحراء

wait... مشاهدةآخر تحديث : السبت 2 يونيو 2018 - 1:50 صباحًا
“اريف نغ”…. مقارنة بين تعامل الدولة مع الريف والصحراء
خالد البكاري

مرت سنة على حادثة مسجد حي “ديور الملك” بالحسيمة، التي فتحت أبواب جهنم الاعتقالات والمطاردات، وموجة جديدة من الهجرة القسرية للريفيين (خصوصا الشباب منهم نحو أوروبا)، سنة لم يتغير فيها شيء من واقع الريف رغم كل التصريحات والوعود، والإقالات (إقالات لم تحترم المقتضيات الدستورية، وأدخلت قطاعات وزارية في شبه عطالة) التي لم تكن سوى مناورة لتهدئة الأوضاع دون إطلاق سراح المعتقلين والاستجابة للملف المطلبي)،، حادثة المسجد كانت إشارة إلى مخاطر توظيف احتكار الدولة للشأن الديني في مواجهة الفاعل المعارض، توظيف يهدد بتقسيم المواطنين لفئة المؤمنين الصالحين المستسلمين للدولة، بما هي راعية للدين والدنيا، وفئة المارقين عن “الإجماع” الذين وجب “تأديبهم” للرجوع بهم لجادة الصواب، تخلت الدولة يومها عن كل الادعاءات الحداثية، وعادت بنا للأحكام “السلطانية” وفقه “حكم المتغلب بالسيف”، وأخرجت من قبعة سحرتها وكهنتها حقلا معجميا (الفتنة،الطاعة،الفئة الباغية، البيضة والشوكة،،)، ينفتح دلاليا على الإرث السلطاني، الذي يعتبر كل مطالبة بالحقوق فتنة ونقضا للبيعة وخروجا على الإجماع، وصاحبها مستحق لأشد العقاب الذي قد يصل لقطع الأعناق بعد الاستتابة… لا أعتقد أن الزفزافي ورفاقه وهم يمارسون أبسط حق كفلته لهم المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، كانوا يتخيلون في أسوأ كوابيسهم أن تلجأ الدولة – بجلالة قدرها – للمشترك الديني من أجل وأد نضالهم المشروع،، كان شباب الحراك يقظا لتحركات القوات العمومية مخافة جرهم لمستنقع العنف الآسن، وهم الذين جعلوا السلمية شعارا وخيارا ومنهجا وسلاحا، فجاءتهم “الضربة’ من حيث لا يحتسبون، من مسجد “ضرار”، عوض أن يذكر فيه اسم الله ، ذكر فيه ما يؤجج الأوضاع نحو الاصطدام، وما يشرعن للعاصفة التي ستأتي: اعتقالات وهجرات سرية وسجونا متفرقة وشهداء ومآسي عائلات،، والأدهى هو رد فعل جزء من النخبة المحسوبة على “المعسكر الحداثي” التي امتشقت سيوفها الصدئة التي تسكت عن “أصولية المخزن” ، وهاجمت رد فعل ناصر الذي انتصر للدين والحداثة معا حين صرخ: المساجد لله وليست للمخزن،، هاجمت رد فعل وسكتت عن الفعل الأولي، الذي اقترفته وزارة التوفيق بتلك الخطبة التي وظفت الدين ضد انتفاض منطقة من أجل حقها في العيش الكريم.

قصة الوجع الريفي، تحكي تناقضات الدولة في التعاطي مع الإشكالات المولدة للتوتر والاحتقان في المناطق المختلفة للوطن، ففي الوقت الذي يصر جزء لا يستهان به من الصحراويين على نفي أي هوية مغربية عنهم (إنهم لا يطالبون بالانفصال بل ب”الاستقلال”، وشتان بين المفهومين دلاليا وسياسيا)، يصر الخطاب الرسمي على اعتبارهم مغاربة متشبتين بالوطن والبيعة والوحدة الترابية،أو في أسوأ الأحوال مغررا بهم، في حين يخرج الريفيون في أكبر مسيرة في تاريخهم تحت شعار “لسنا انفصاليين”، فلا يكون جزاؤهم سوى اعتقال شبابهم وتلفيق تهمة المشاركة في مشروع جماعي يهدف للانفصال،

وفي الوقت الذي تتناقل وسائل الإعلام الدولية مشاهد لمسيرات ووقفات بالصحراء، ترفع فيها أعلام البوليساريو، وشعارات الحق في تقرير المصير، تصر الحكومة وإعلام “المخزن” في محاولة يائسة لنفي الواقع على الزعم أن الأمر لا يعدو احتجاجات ذات طابع اجتماعي محض، في حين أن الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي المحض التي كانت بالريف، أصرت هذه الحكومة وهذا الإعلام التبعي على وصفها باحتجاجات مدبرة من الخارح بهدف الانفصال،، واليوم حين تصل قوافل الرحل الصحراويين إلى حدود منطقة عبدة، وتهلك الحرث والزرع في الحقول والمراعي، ورد السلطات يبقى سلبيا أو متساهلا، وحين تنقل التلفزة الصحراوية التابعة للبوليساريو مشاهد احتفالات طلبتها بذكرى إعلان “الدولة’ من داخل جامعة أكادير، مشاهد الطلبة بأزياء عسكرية يعلنون النفير للحرب، ويرفعون علم “الجمهورية الصحراوية” ، ويصرحون بوجوهم المكشوفة عن ضرورة الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير وبناء الدولة على كل ربوع “الصحراء المحررة’ هكذا،، وحتى المراسل معد التقرير من عين المكان يكشف هويته واسمه كاملا،، حين يقع كل هذا وتتساهل الدولة، وتخبئ الحكومة رأسها في الأرض كالنعامة، ويسكت الإعلام الذي وصف الريفيين بأشد من شتيمة “الأوباش”،، حين يقع كل هذا ويعاينه الريفيون بحسرة وبإحساس بال”حكرة”، فإننا نفتح الوطن على المجهول الذي يهدد ممكنات العيش المشترك وأساسات الوحدة الوطنية.

ختاما: بعد مرور سنة على حادثة المسجد، يمثل خطيب الجمعة شاهدا أمام المحكمة ضد ناصر الزفزافي، فيما ناصر يخوض إضرابا لا محدودا عن الطعام بغية إنهاء حالة احتجازه منذ عام في زنزانة انفرادية وتمكينه من الالتحاق بزنزانة مع رفاقة بعكاشة فقط، وليس في رحابة: أريف نغ….

2018-06-02 2018-06-02
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي