تحرير قيمة الدرهم …المواطن البسيط هو من سيدفع الثمن

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 15 يناير 2018 - 5:19 صباحًا

مصطفى حيران

تخفيض قيمة الدرهم: “مِقْجَاجَةٌ ماليةٌ قاسية جديدة لشعيبة”

قرّر أولئك الذين يقودون مصير المغرب والمغاربة تخفيض قيمة الدرهم تدريجيا حتى يستوي مع قيمته الحقيقية في السوق الدولية وليس تلك المُفترضة المعمول بها لحد الآن. ومعنى ذلك ببساطة شديدة أن القيمة النقدية للدرهم ستساوي بالضبط ما يقابلها حين استعمالها في مشتريات البلاد لحاجياتها من السوق العالمية، وهنا لبُّ المشكلة.

لنشرح بنفس المستوى من التبسيط: يصدر المغرب ما قيمته 220 مليار دولار هو مجمل صادراته للسوق العالمية، أما قيمة وارداته فقيمتها 400 مليار دولار هي مجمل ما يستورده من السوق العالمية نؤديها بالعملة الصعبة. ويتبين من الرقمين أن عجز الميزان التجاري يقرب من النصف، وهو اختلالٌ كبير يفيد هذه الخلاصة: نحن نستهلك ضعفين من قيمة ما ننتج. فكيف نؤدي الفرق يا تُرى؟ نستدين من الصناديق الدولية وخزينات الدول الغنية، وبما أن عجز الميزان التجاري معطى مالي مستقر منذ أزيد من أربعة عقود، فإن عملية الاستدانة مستمرة وتتراكم لتصل إلى 80 مليار دولار. وبما أن الناتج الوطني الخام في المغرب يبلغ مائة وواحد وعشرون مليار دولار فإن نسبة الدين تبلغ 80 بالمائة من الناتج الوطني الخام، أي أننا لا ننتج سوى ما نؤدي به بالكاد الديون الخارجية التي نشتري بها الطائرات الأسلحة والسيارات والأدوية والقمح.. وسائر ما نستهلكه من الضروريات والكماليات (لدينا في المغرب أصحاب الشهيات المفتوحة “المربوطة” بآخر ما يُعرض في الأسواق العالمية من منتجات) لذلك فإننا ندور في حلقة الاستدانة المفرغة إلى ما لا نهاية.

بالمعنى المالي لهذا الوضع فإنه لا وجود ل”ما لا نهاية” ذلك أن الدائنين يُواجَهُون بحقيقة الفراغ المستمر لخزينة بنك المغرب من السيولة الأجنبية المعمول بها (اليورو والدولار) وعملية جدولة الديون (تأجيلها بشروط استفادة) ستؤدي إلى تراكم المزيد من الديون واستعصاء أدائها، بمعنى أن الطريق سالكة نحو الإفلاس المالي تام، والدائنون قلقون أمام انعدام ضمانات استخلاص مستحقاتهم في محيط سياسي واجتماعي واقتصادي غير مستقر. فما هو الحل الذي توصلوا إليه؟

التخفيض التدريجي لقيمة الدرهم، أي أن تصبح أكداسٌ منه تساوي وَحَدَةُ عملة أجنبية، لسد النقص الحاصل في كتلة العملة الصعبة (اليورو والدولار أساسا) وهو ما يجعل القيمة الشرائية للدرهم متدنية ويصبح لزاما على السلطة النقدية (بنك المغرب) طبع المزيد من الأوراق المالية دون وجود ما يعادلها من قيمة بضائعية (النقود ما هي إلاّ قيمة رمزية لما يقابلها من منتوجات استهلاكية) وهو ما يؤدي إلى ما يُطلق عليه التضخم المالي. والتضخم المالي معناه الزيادة في أسعار المنتوجات الاستهلاكية لأننا ندفع قيمتها بالعملة الصعبة التي لا نتوفر على ما يساويها من حيث القيمة (الدرهم)، وزيادة نسبة البطالة لأن اقتصاد الموووغريب قائم على ميزان تجاري عاجز (الصادرات والواردات).. إلى غيرها من المشاكل ذات الطابع الاجتماعي، أما على المستوى المالي فإن ذلك سيؤدي إلى هروب الرساميل إلى الجنات الضريبية (العملة المنخفضة القيمة مرفوضة من أصحاب المضاربات المالية) فما العمل؟

الوصفة المعقولة في مثل هكذا وضع هي: زيادة النمو الاقتصادي لسد العجز الفظيع في الميزان التجاري للبلاد. إنها وصفة تصلح لدولة ومجتمع قائمين على أسس سليمة وليس معتلة، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى استطراد طويل قد يبدو مملا من كثرة تكراراه واجتراره. الأفضل أن نبقى في لغة الاقتصاد والمال وأرقامهما.. وتقول هذه الأخيرة حسب معطيات رسمية (وزارة المالية) أن نسبة النمو لن تتجاوز 3 بالمائة في سنة 2018 مقابل 4 في المائة في السنة الماضية، وهذا معناه أن الناتج الوطني السنوي الخام لن يتجاوز متوسطه المعتاد أي 120 مليار دولار، مما يجعل العجز التجاري (الصادرات والواردات) مستقرا، وبالتالي فإن وصفة رفع النمو “ما صالحاش لينا ” فماذا هناك غيرها؟

أكدنا من قبل، بلغة المال، أن التخفيض التدريجي لقيمة الدرهم سيؤدي ثمن نسبة فراغه، أو فارق القيمة الضائعة منه، المستهلك العادي بما أنه سيتحمل ارتفاع الأسعار (منها رفع ثمن قنينة الغاز في مدى أقصاه عامين) واستفحال البطالة (تبلغ نسبة 10 في المائة حاليا حسب معطيات رسمية وهو معدل مرتفع جدا) والحد من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية (التعليم، الصحة…).

من المؤكد أن الذين يقررون في مصير المغرب والمغاربة يعرفون هذه المعطيات، ويتمثلون تحدياتها على ملايين الناس، وبالتالي هذا السؤال: إذا لم يكن ثمة بُدٌّ من موت تخفيض قيمة الدرهم فلماذا جعل المستهلك العادي وحده يسقاه؟ أليس ضروريا النظر جهة بعض الإنفاقات الضخمة للدولة من قبيل ميزانية القصر السنوية التي ورد بشأنها، خلال مناقشة الميزانية السنوية لهذا العام، طلب زيادة لاستيعاب مائتي منصب مالي جديد، وأمور أخرى لا تُمنح بشأنها حتى التفاصيل للحكومة و”نواب الأمة”.. هذا ناهيك عن أوجه الإنفاق الأخرى الكمالية التي لا تنتج مقص أظافر بل تشكل ثقوبا سوداء لشفط المال العام..؟

2018-01-15 2018-01-15
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي