ما الذي يميز ”تامغرا” او العرس الأمازيغي عن باقي الأعراس!

فاطمة وريط

يحتل الاحتفال بالزواج مكانة مهمة في المجتمع المغربي، مع ما يرافقه من طقوس وتحضيرات تختلف من منطقة لأخرى. ولأن حفلات الزفاف حفلات غير عادية بمناسبة عقد القران أو الزواج، فإن خصوصية كل منطقة مغربية في تخليدها والاحتفاء بها تجعل من الثقافة المغربية مجالا خصبا من التنوع الذي يدخل في إطار الوطن الواحد.

وبالنسبة للمناطق الأمازيغية، فإن لهذه المناسبة مكانة خاصة عند أهل وأقارب العروسين وكذا بالنسبة للقبيلة ككل، وهو ما يجعل الاحتفاء بها ذا طابع ونكهة خاصين، تؤثثه عادات وتقاليد المجتمع الأمازيغي الذي يطبع بلمسته الخاصة احتفالية كونية.

الفضاءات الاجتماعية والثقافية التي تؤسس للخطوبة

ترتبط عملية الزواج لدى القبائل الأمازيغية بنمط التنظيم الاجتماعي والثقافي العام للقبيلة.إذ لا يمكن استخلاص قيم الهوية الثقافية لقبيلة ما بعيدا عن رموز الإبداع وطقوس الاحتفال مع حضور يؤثث فضاء المجتمع القبلي بعناصر متنوعة ومختلفة من الإنتاج الثقافي والفني، مثل الزي والوشم ودلالة الشعر والتعبير الجسدي… وطقوس إقامة مراسيم الاحتفال بالزواج. إذ نجد فضاءات كثيرة تؤسس للعلاقة الرمزية والخطاب التجاوبي عن الرغبة في الزواج، وتكون المناسبات الاجتماعية والثقافية وحتى الدينية مكانا بامتياز لحصول التجاوب والإعجاب المتبادل. حيث نجد أغلبية القبائل الأمازيغية بمنطقة الأطلس المتوسط تقيم مواسمها الاجتماعية والدينية بعد انتهاء الموسم الفلاحي وبداية السنة الغذائية، ويكون الموسم مرتبطا بولي صالح ويقام بمكان خال ومحايد، لأجل التسويق الجيد للمنتوجات وضمان تلاقي أكبر عدد من القبائل المجاورة. وهي ميزة من مميزات الانفتاح على ثقافة المحيط المجاور. وخلال الموسم تقام الطقوس الثقافية والاحتفالات فيلتقي شباب وشابات القبائل في انسجام واحترام متبادل للمشاركة في الاحتفالات وتعتبر فرصة لدى الشباب للاستعداد والتأهل لبداية حياة جديدة والبحث لاختيار شريكة الحياة. ويكون الموسم فرصة لتعارف فتيان وفتيات القبائل فيما بينهما، وغالبا ما تكون هذه القبائل متجاورة وتشكل فيما بينها بناء فيدراليا قبائليا (قبائل زمور، زيان، اكروان…)، وحتى يبقى هذا الزواج ضمن مؤسسة الزواج العشائري. ففي الموسم يتم التعارف بين الجنسين وهو تعارف محكوم بالمقدس الثقافي للقبائل الأمازيغية بشكل عام وقبائل الأطلس المتوسط بشكل خاص، فيعبر الشاب لأهله خلال فترة الموسم عن رغبته في الزواج من شابة معينة وتكون هي قد بادلته نفس الشعور عبر رسائل رمزية وإشارات فنية خلال طقوس الاحتفال بالموسم، وغالبا ما تكون بالأغاني والأهازيج لرقصة أحيدوس. أو عبر مرسول يسمى بالأمازيغية «أمازان»، فيتفق الكبار على موعد الخطوبة.

الخطوبة «أسومغ ن ونزى»

«أسومغ ن ونزى» تعني تبليل مقدمة الشعر أي رشم الفتاة لمدة معنية تمتد من سنة إلى سنتين. وهي مرحلة الخطوبة. ويستدل بـ «ثاونزى» أي بقصة الشعر، لما لهذا الأخير أي شعر المرأة الأمازيغية من مدلول ثقافي ورمزي ذو قيمة رفيعة سواء في علاقته بمميزات المرأة وجمالها أو لما لكلمة «أدلال» أي «سالف» المرأة أي شعرها الطويل، من رمز التبرك والبركة، فصاحبة «أدلال» هي التي تدخل إلى بيت زوجها فتغير الوضع ويحل الغنى محل الفقر وتسود الخصوبة ويزول العقم فيعم الرخاء والفرح ويذهب الحزن.

ولإقامة ليلة الخطوبة يهيئ أهل العريس مجموعة من الأشياء التي تخص هذه المناسبة. ويذهب الشاب مع أهله حاملين معهم السكر والحناء والزعفران الحر والقرنفل وبعض الملابس مثل: «لزار» وهو وشاح من ثوب التليجة أو البرودي مع السبنية من الحرير والبلغة من الجلد والتحتية والتشامير ومجموعة من الملابس الخفيفة، مع الكبش الذي يكون من النوع الجيد الذي يتم اختياره خصيصا لهذه المناسبة. ويذهب العريس وأهله وأصدقائه وجيرانه حاملين هذه الهدايا فوق الفرس «أمكتار»، في الصباح فيستقبلهم أهل العروس وصديقاتها وجيرانهم بالزغاريد والأهازيج التي تعبر عن فرحتهم ورضاهم عن هذا الزواج، وهم يدقون الدفوف «ألون».

كما تعرف خيمة العروس داخل الدوار بأنها تعيش مناسبة زواج من خلال «لعلام» وهو عبارة عن قصب طويل يعلق فوق باب منزل العروس به ثوب أبيض وباقة من نبات النعناع ومرآة صغيرة. ثم تقام وليمة للضيوف من أهل العروس وأهل العريس، بعدها تقرأ الفاتحة على هذا الزواج المبارك بين أبوي المتزوجين وذلك بحضور فقيه من الدوار، وبعض وجهاء وأعيان القبيلة حتى يكونوا شهودا على هذا الزواج، فيتم الاتفاق على صداق العروس، الذي يتكون عند القبائل الأمازيغية من أشياء رمزية كالحلي من الفضة الخالصة ومبلغ مالي رمزي غير مبالغ فيه، يقتني به أهل العروس لابنتهم تجهيزا يسمى «أروكو» يتكون من أفرشة وأغطية منسوجة كالزرابي والحنبل والغطاية والحنديرة…

إقامة العرس «تمغرا»

قبل أسبوع من موعد الزفاف تبدأ الإعدادات لإقامة الزفاف، فيبدأ أهل العريس بتنظيف الزرع المخزون في «المتمورة»، وهي حفرة عميقة لتخزين المحصول الزراعي، ويستدعي ذلك مساعدة فتيات الدوار والجيران، فيطحن الزرع وينخل ويهيء لإعداد الخبز والكسكس لهذه المناسبة. ونفس الشيء يتم في منزل العروس فوالدها صاحب أنفة ولن يأبى إلا أن ينافس أهل العريس في الاحتفال بزفاف ابنته، فتدق الحناء في مهراز خشبي من طرف والدة العروس وخالاتها، كما يدق «الكحل» ويهيء «عود النوار» والزعفران الحرن وتنحر الأكباش ويجهز الكسكس… ويتم القيام بكل هذه الطقوس على نغمات غناء النساء فرحا بالمناسبة.

ليلة الحناء : – أس ن إيغمي

في صباح ذلك اليوم تلبس العروس ملابس بيضاء وتلتحف بـ «تاغناست» وهي ملحفة منسوجة من الصوف ومزركشة بالحرير والخيوط الملونة، فتطوف على خيام الدوار لدعوة الجيران والصديقات لحضور حفل الحناء في المساء. فتجري العادة أن كل خيمة تقف ببابها العروس تخرج شابة عازبة تحمل في يدها قدحا صغيرا به حناء مسقية وتسكبها فوق رأس العروس، فتطوف بجميع الخيام وتتكرر نفس العملية. بعد ذلك تعود إلى بيت أهلها مصحوبة بصديقاتها فتجد الماء الساخن محضرا ليتم غسلها من طرف أمها و أخواتها.

في المساء تجهز العروس فتلبس أبهى ثيابها وتتزين بالكحل والسواك و«العكر» البلدي ويتم تمشيط شعرها الطويل على شكل ظفيرتين وتغطي رأسها بـ «تاسبنيت» ثم تغطى كلها بإزار أبيض وتأتي امرأة معروفة في الدوار بدورها في وضع الحناء لجميع الفتيات في زفافهن، ثم تبدأ طقوس الحناء بوضع صحن به شموع وبيض كرمز للخصوبة والعطاء، وتبدأ عملية الحناء باليد اليمنى وسط الزغاريد والأغاني للفتيات وصديقات العروس:

أويد أفوس أمغمخ الحني – أويد أدار أمغمخ الحني أتيسليت أذام إيزيل مولانا – إيعدلام أّّذام إيك أموغانيم عروس

ليلة الدخلة

في صباح ليلة الدخلة يتهيأ أهل العريس بحمل الكبش ومجموعة من الهدايا والملابس تسمى «المشيخث» يحملونها على صهوة فرس ويذهبون بها مشيا على الأقدام من دوار العريس إلى دوار العروس يرددون أغاني وأشعار أمازيغية مثل:

إولخاسد إولخاسد إبابا أوخي إولخاسد ميحدجامن د بوبو إمزي

ويرافقهم في ذلك فتيات وشباب من أهل وأصدقاء العريس، وتجمع تلك الأشياء في إزار كبير أبيض ومعها بعض الحلي غالبا ما تكون أساور فضية وعقيق ومرجان أحمر وأسود وقلادات من الفضة وتحمل على فرس يقودها أخ العريس، وعندما يصلون إلى دوار العروس يستقبلهم أهلها بالأهازيج والأمداح والغناء، فيدخل الجميع إلى الخيمة حيث يقام حفل كبير خلال النهار يقدم فيه الشاي والحليب والتمر وأنواع العجائن، في وليمة الغذاء، وبعد العصر تجهز العروس للذهاب إلى بيت العريس.

وعند العشي تلبس العروس «تشامير» و«التحتية» البيضاء ويمشط شعرها على شكل ضفيرتين مسترسلتين على الجانبين، وتضع على رأسها حزاما أحمرا يسمى «تاكست» به زينة حريرية ومرآة صغيرة بالوسط كما يزين خصرها يحزام «تاحمالت»، وهو حزام غليظ به ضفائر من الحرير الأحمر، وتضع خلخالا فضيا في رجلها اليمنى وتزين معصميها بأساور وقلادات فضية وتغطى بإزار أبيض، ثم تلبسها أمها بلغتها الصفراء وتجهز لركوب أنثى الفرس، وتسمى «تاكمارت»، بينما يركب العريس يركب فرسا يسمى «أمكثار». وعندما يصلون إلى بيت العريس تقام فرجة كبيرة أمام الخيمة على شكل «أحيدوس» تقابلي تردد فيه أهازيج من طرف رفيقات العروس وهم «تمسناين» ورفقاء العريس وهم «امسناين» مثل :

أواوالله أورثرسي – أل ديدو أوحولي نيويتيذ إي أومانو – أداس إيك لعز إيظاذ

ثم يقام حفل كبير يلعب فيه الشباب والفتيات جميع أنواع أحيدوس، منه التقابلي ومنه أحيدوس الدائري الحلقي، حيث تتكون دائرة من رجلين وامرأة بالتوالي، وتكون النساء في أبهى زينتهن في الإزار الأبيض المشدود بـ «تسغناس» من الفضة و«سبنيات» من الحرير الأصفر والأحمر فوق الرؤوس، فيتجاوبن مع الرجال في حركات راقصة منظمة، وفي بعض الأحيان يتجاوبن في الغناء أيضا، وهي مناسبة لتبادل الإعجاب بين شبان وشابات القبيلة، فتكون بداية لزواج آخر ستفرح به القبيلة في موسم أخر.

وفي تلك الليلة يجلس العريس وبجانبه «أمسناي» والعروس بجانبها «تمسنايت»، ويسمون عند قبائل أخرى الوزير والوزيرة، كما تتم حراسة بلغة العروس من طرف وزيرتها وأخواتها خوفا عليها من السرقة. فإذا تمكن أحد من أهل العريس من أخذها فهذا يدل على تحكم وسلطة أهل العريس على العروس الجديدة.

وبعد وليمة العشاء مباشرة تجهز الفرس ثانية فيركبها العريس وتصاحبه فتيات عذراوات من قبيلته، يلوحن حوله وحول فرسه بـ «السبنيات» ويرددن أهازيج في انتظار خروج العروس، فيلبسها زوجها بلغتها. وهنا يقام طقس احتفالي، حيث تتم مبارات بين العريس والعروس، إذ يمسك هو بسيف خشبي يسمى «تمسلويت» وهي بملعقة خشبية كبيرة تسمى «أغنجا»، فتعبر هذه المبارزة عن خروج الزوج إلى المعارك والصيد، وبقاء الزوجة بالبيت للاعتناء بالأطفال وبمتطلبات الزوج.

بعد ذلك يمسكها العريس من يدها ويركبها معه فوق فرسه كناية على دخولها قفص الزوجية، فتزغرد النسوة وتصدحن بالأمداح، وتغني الفتيات الأهازيج والشباب من جهتهم يهللون ويرقصون، فيقع خليط من الموسيقى والأغاني يسمى بـ «تاروبالت»، وهو شكل غير منظم حتى تتمكن فيه العروس وعريسها من الإفلات لتوديعهما حياة العزوبية والتحاقهما بخيمة مخصصة لليلة الدخلة.

وفي اليوم الثالث للزفاف، وهو يوم الصبيحة حيث تأتي عائلة العروس؛ أمها، خالتها، عمتها وصديقاتها محملات بأنواع مختلفة من الأكل والهدايا، فيحضرون الحليب الساخن والبيض البلدي وأكلة «الرفيسة» بالدجاج والسمن البلدي مع خروف صغير يهديه الأب لابنته يوم صبيحتها الأولى مع زوجها، كما تأتي الصديقات بالهدايا المختلفة.

أما في اليوم السابع فهو يوم مخصص لزيارة العروس لخيمة أهلها، ولكن قبل ذلك تتم طقوس معينة حيث تعطي أم العريس حزاما حريريا إلى فتى يافع يقوم بشده على وسط العروس، وله دلالة ثقافية ترمز إلى خروج العروس الأول من بيت زوجها وهي مؤهلة لإنجاب أولادها ذكورا وإناثا.

2017-12-06 2017-12-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي