خالد الحسناوي – يوميات نونجا في مدرسة بشبذان!

2017-05-13T00:42:36+01:00
2017-05-13T00:51:09+01:00
أقلام وآراء
حسيمة سيتي13 مايو 2017
خالد الحسناوي – يوميات نونجا في مدرسة بشبذان!
رابط مختصر
خالد الحسناوي – يوميات نونجا في مدرسة بشبذان!

حسيمة سيتي – خالد الحسناوي من هولندا

كلما توجهت الى بلدي لقضاء فترة الاستجمام والاستراحة وصلة الرحم، الا وزرت المكان الذي ترعرعت فيه و قضيت امتع وحلاوة اوقات الطفولة. فاضافة الى حي “ازري” مسقط راسي ازور مرارا المدرسة الابتدائية بشبذان حيث بدات مشواري في التعلم الاولي وما دار حوله من لعب وعدة انشطة اخرى تثلج الصدور وتدخل السعادة والطمانينة الى النفوس. ليست زيارتي المتتالية هاته فقط لظروف املته مهنتي كرجل تعليم خارج البلد بل لاني معتز ومهتم، كاي مهتم اخر، بتاريخي و هويتي، افتخر بها لدى أبنائي من خلال النقل الغير المباشر للصورة و شرح وتبيان الظرفية الزمانية والمكانية لهذه المرحلة التاريخية.

مدرستي بشبذان تقع بقبيلة لحضارة التابعة لجماعة قرية اركمان اقليم الناظور لذالك تم تسميتها باسم القبيلة (مجموعة مدارس لحضارة) وتم تغيير اسمها لاحقا باسم: (مدرسة مولاي علي الشريف). بجانب هذه المدرسة يتواجد مسجدا محاطا من جهة الجنوب بمقبرة خاصة بالجماعة المنضوية تحت هذه القبيلة. كما ان هناك واد يفصل بين المدرسة و بعض الاحياء والمداشر الاخرى المتاخمة لها. انها مدرستي التي تعلمت فيها الكثير وتربيت في احضانها على يد ثلة من المدرسين الذين كانوا يجتهدون ويزاولون مهنتهم بكل اتقان واجتهاد رغم قساوة الظروف.

نعم كلما زرت هذه المدرسة الا و استذكرت الذكريات الخالدة ووقفت على اطلالها وقمت بمقارنة الحاضر بالماضي بسلبياتهما وايجابياتهما. الا ان هذه المرة صادفتني واوقفتني حكاية من بعض يوميات طفلة بهذه المدرسة بشبذان حيث تمت المقارنة الحقيقية بين جيلين بنفس المكان رغم اختلاف الزمان.

فبينما انا امشي عابرا للوادي عائدا الى بيتي بعد زيارتي لمدرستي، استوقفني صوت يختزل كل المعاني والاحاسيس والعواطف التي من اجلها زرت مدرستي، ويستحضر ذكريات عادت بمخيلاتي الى الوراء ايام الطفولة وكانها لقطة من فيلم وثائقي يصور تلك الحقبة، خاصة وان عيناي رات وشهدت حظور مدرستي الشامخ باركانها وابوابها ونوافذها وسبوراتها وساحتها وحتى الوانها وبكل هيكلها، ذالك فقط لمحاورتي و تاكيد التزامها و لتقول لي وللجميع على انها لم تتاثر بالمتغيرات العالمية وعلى انها باقية صامدة وفية لعهد فرض عليها، فالتزمت به لتبين انها تتحمل المسؤولية كما فرضت.

في نفس الوقت حينما كنت امشي كانت مخيلاتي تحاور مدرستي لحظة سماعي صوت طفلة جالسة على صخرة ضخمة بضفة الوادي. صوت لخص لي الحوار والحديث في بعض من كلماتها الغنية بالمعاني وبصوتها العذب فتكامل المضمون بالشكل حين ردد الوادي هذا الصوت وبنفس الالحان، بينما التزم الحجر الصبر والصمت وكانه يخفي سرا مهما يستحيل افشاؤه.

وانا امشي … وانا امشي … وانا امشي، واذا بصوت طفلة يقول:
… اه لمدرسة تقود صغارها و الدمع من اجفانهم هطال ==
بكاملين يتحدثون عنها ولا ارى منهم احدا فعال ==

كانت الطفلة تداعب شيء من تربة تراب القبيلة وتنشد الانشودة بصوت جذاب. تصنع موسيقى باوتار تربة ارض المنطقة الحمراء وباحجار زرقاء اللون تطبل لترسم لوحة فنية عظيمة عنوانها المدرسة.

وانا امشي … وانا امشي … وانا امشي، اقتربت من الطفلة فتعرفت عليها. اسمها ” نونجا” وشعرها اسود طويل يتخلله شيء من اللون الاحمر يشبه لون تلك التربة. كانت ترتدي قفطانا ابيضا ناصعا فيه بعض من البقع الحمراء نتيجة غبار تربة ارض المنطقة. تلك البقع الحمراء اعطت للطفلة جمالا وجمالية ورونقا ينضاف الى الصوت العذب لتتكامل الصورة وتختزل في لوحة فنية عظمى.

كانت نونجا تلعب بالتراب حيث تاخذه بيد وتفرغه في يد اخرى حينما انشدت الانشودة. الا انها التزمت الصوت حينما اقترابي منها. نونجا في عمرها العاشر امتنعت عن الذهاب الى المدرسة لعدة اسباب منها ما هو عائلي وثقافي ومنها ما هو اداري حكومي. نونجا كانت تخجل من سماع اسمها في القسم حين يناديها. فالتلاميذ يضحكون ويستهزؤون من اسمها ويضايقونها في الساحة واثناء عودتها الى بيتها. اما معلمها فكان يلعب دور المتفرج الصامت حين يرى انها مظلومة، ويشجع على هذه المضايقة فيضحك ويمرح مع المستهزئين حين يلعب دور الزعامة.

لم تكن المضايقة فقط حول الاسم الشخصي الذي اختاره لها ابويها بل كانت المضايقة كذالك لكون نطقها لبعض الكلمات والحروف في غير محلها و خارجة عن طاقتها وارادتها. كما انها كانت تعاني بالمضايقة والاستصغار والاستهزاء حينما كانت ترتكب اخطاء اثناء انجاز بعض التمارين. اما المدرس فلم يكن يحارب هذه المضايقة بل كان يشجعها ويختار الجانب المعتدي وكانه يتلذذ حين يضحك على حساب طفلة بريئة. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على افتقاده لمهارات لم يتم التدرب على اتقانها لحظة التكوين والتاطير.

… نونجا لم تستطع المقاومة فكان الحل ان امتنعت عن الذهاب الى المدرسة دون اخبار او اشهار ابويها. فتاتي وتجلس على صخرة متاخمة لمدرستها و مدرستي، فتشرع في اللعب بالاحجار و التراب وتنشد انشودتها المفظلة. تنتظر حتى ينهي الاطفال حصة الدراسة ليتوجهوا نحو بيوتهم، فتعود هي الاخرى الى البيت لتلهم ابويها على انها فعلا تتابع دراستها.

نونجا كانت تخاف من اللعب مع اطفال الحي خجلا وخوفا من الاستصغار والمضايقة. لم تستطع المقاومة ولا تتوفر على مهارات الدفاع والثقة في النفس. كانت تخاف من ان ينتشر الخبر فيغضب الاب ويضربها كضربه المبرح لامها متى تعصب او عاد الى البيت دون ان يجد شغل يرضيه ويلبي حاجياته وحاجيات اسرته.
رغم انها امتنعت عن متابعة الدراسة الابتداءية الا انها كانت مصممة على ان تصبح مهندسة في المستقبل من اجل التخطيط لبناء جسر يربط بين احياء المنطقة والمدرسة حتى يستطيع كل اطفال القبيلة الولوج الى سلك التعليم الابتدائي.

هذه الحكاية تشبه في المضمون حكاية من يوميات طفولتي في نفس المكان رغم اختلاف الزمان.

… كنت في سني الحادي عشر وانا جالس … وانا جالس …. في القسم حين قام معلمي بتوزيع الخبز على كل اطفال القسم كواجب المطعم المدرسي. اثناء عملية التوزيع هذه تم حرماني و بعض الاطفال من رغيف خبز كان يعجبني ان اشم رائحته كلما دخل المعلم القسم بسلة مليئة بالخبز، من اجل التذوق فقط كنت اطلب من طفل يجلس بجانبي جزء من رغيفه، فتارة يعطيني اياه وتارة اخرى يرفض حيث ينتج عنه المخاصمة والغضب والتعصب.

كل هذا السلوك يغرس في نفسية الطفل شعورا بعدم العدالة والمساوات من جهة، وينمي فيه الشعور بالانتقام من جهة اخرى. فقد حرمت برغيف خبز لا لشيء الا لان والدي هاجر الى بلاد المهجر لتحسين وضعيته ووضعية اسرته الاقتصادية. احمد الله اني انعمت بحنان امي الذي عوض فقداني لامن وامان ابي. فقد حرمت بالامن الذي يحفظه كل اب لابناءه كحرماني بقسط من الامن النفسي من خلال حرماني من حقي في رغيف من خبز مطعم مدرستي من طرف معلمي و من طرف السياسة المفروضة على مدرستي. “… انت لا تحتاج لرغيف خبز المطعم المدرسي لان والدك في الخارج…” هذا ما يقوله المعلم حين يقف امامي وفي يده سلة مليئة بالخبز الحافي. رغم ذالك الاستصغار والاحتقار والمضايقة الا انني قاومت رغم صعوبة الظرفية الاجتماعية والنفسية.

نونجا كانت تخاف كذالك من طريقة اللعب المعتاد لعب كان ممتعا لكنه يشجع على تبني ثقافة العنف وممارسته وثقافة الاقصاء والمضايقة. هنا وهناك وفي جميع القبائل ترى الاطفال يلعبون بطريقة عنيفة حيث يسمح فيها بالضرب والركل والرشق بالاحجار وتشجيع الاطفال على المشاجرة والملاكمة لمعرفة المنتصر منه من المنهزم لغاية المضايقة والاستصغار.

ترى هل هذه هي الطريقة المثلى لاعداد الطفل لمستقبل تسوده ثقافة المحبة والاخاء والاعتراف بالاخر؟
كلا ثم كلا … انها طريقة تشجع على ثقافة الاقصاء والعنف والعنف المضاد و تبني الثقافة اللآجتماعية.

من خلال جزء من حكاية يوميات نونجا بشبذان الواقعية اخلص الى عدة استنتاجات:
– اقصاء الاخر من خلال المضايقة والاستهزاء والاستصغار.
– انعدام الثقة في النفس، الشيء الذي يؤدي الى عدم الثقة في الغير.
– غياب تحمل المسؤولية من طرف المسؤولين.
– غياب الهدوء والامن داخل الاسرة.
– انتشآر ثقافة العنف والعنف المضاد.
– غياب برنامج واضح الاهداف والمعالم في محاربة هذه السلوكات لدى الاطفال.
– تصرف المسؤولين باللامبالات.

هذه الاستنتاجات والسلوكات نراها ونتصادم بها ومعها على مستوى الواقع العملي، وذالك في اغلب الاماكن من مجتمعنا: داخل الاسر و في المدارس والاسواق والاحياء ومع الجيران وفي المتاجر والشوارع والادارات واثناء مختلف برامج التلفزيون واثناء النقاشات الاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية والاقتصادية وحتى داخل المؤسسات التمثيلية والنيابية.

هذا ان دل على شيء فانما يدل على هشاشة واخفاق المنظومة التربوية والتعليمية في البلد التي من المفروض ان تنتج مجتمعا متسامحا وامنا من الناحية النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بدل مجتمع تنعدم ليه الثقة ويتم في الاقصاء وينتشر فيه العنف والعنف المضاد. الشيء الذي يستدعي الهيكلة واعادة بناء منظومة تربوية وتعليمية تتماشى ومتطلبات الفترة الزمنية الحالية والمستقبلية.

اعادة بناء المدرسة اعني بها اعادة النظر في عملية تكوين الاطر واختيار المناهج التعليمية الواقعية، من خلال ادماج البرامج التربوية والتعليمية التي تعطي الاهمية الكبرى للعامل النفسي والاجتماعي والبدني. فلا يعقل ان نرى مدارس ابتدائية في عصرنا هذا وهي تفتقر الى استراتيجيات واضحة في مجال سياسة التربية البدنية والنفسية والاجتماعية للطفل.

اعتقد ان هذه المسالة منوطة بالارادة السياسية.

فاذا لم يتم اعطاء الاولوية لمجال التربية والتعليم، من خلال اعادة بناء المدرسة الابتداءية والاعتناء بالطفل والاستثمار في هذا المجال من خلال اجبارية التعليم وتحسين وتطوير مناهج تكوين المدرسين والاستفادة من تطور المنظومة التعليمية في الخارج من خلال برمجة استمرار التكوين و الحصص التدريبية في الداخل والخارج للاستفادة والافادة وتاهيل الاطر في مختلف القطاعات، فان المدرسة ستبقى على حالها بجدراننا وطباشيرها وهيكلها ولن تستطع الصمود في وجه المتغيرات والمستجدات ولا في المقاومة. وستبقى نونجا تنشد نفس الاشودة.

اما اذا تم الاعتناء بالمدرسة فاننا سنكون قد وضعنا الحجر الاساسي لمستقبل زاهر لاستعادة قيمة الانسان.
ففي المدرسة يتم تعلم المهارات المناسبة للنمو والتطور والتفاهم والتواصل.

ان غياب تحمل المسؤولية من طرف المدرسة و المؤسسات الحزبية والنقابية والاجتماعية يؤدي الى ايجاد بديل اخر يتم فيه ومن خلاله محاولة استعادة الثقة الضائعة.

فالحراك الجماهيري في الريف مثال واضح على ذالك. حيث تم فقدان الثقة في اغلب المؤسسات التعليمية والحزبية والدينية والاعلامية والاجتماعية والادارية واصبح الشارع هو المؤسسة الوحيدة التي يمكن من خلالها تبيان وجهات النظر و النداء بتحقيق مختلف المطالب.

فهل ستفتخر نونجا يوما باسمها دون مضايقة ولا استصغار حتى تساهم في بناء جسر النمو والتقدم. وتنشد انشودة السعادة بعيدة عن انشودة الالم والحزن والاسى؟

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق