غياب الاعلام المغربية عن حراك الريف…هل ينم عن نزعة انفصالية ام هو مجرد تكتيك احتجاجي!

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأربعاء 10 مايو 2017 - 7:05 مساءً

اذا كانت من سمة مميزة للحراك الشعبي بالريف بمختلف نقاطه  شرقا وغربا ، فهو غياب الاعلام المغربية الحمراء، وقد يسأل سائل عن السبب الحقيقي وراء غياب/ تغييب الراية الرسمية للدولة وهل لذلك علاقة بنزعات انفصالية لسكان الريف ام ان الامر يندرج ضمن تكتيك احتجاجي يروم من وراءه الريفيون بعث رسائل مشفرة لمن يهمهم الامر. منذ بدء الاحتجاجات كثيرا ما ترددت متلازمة شهيرة وخاصة من المعارضين للحراك: ”لماذا لا يرفع الريفيون رايات الدولة وصور الملك؟”، للاجابة على هذا التساؤل المشروع لابد من التذكير بالاساليب والطقوس الاحتجاجية بالمغرب.  فكثيرا ما يتكرر مشهد امرأة عجوز تتلحف علما احمرا وتحمل هي وزوجها وابناءها صورا للملك وينادون بحياته احتجاجا على قرار الافراغ الذي يسهر ”القايد” على تنفيذه رفقة جيش من ”المخازنية” الذين يتكلفون باخراج الاسرة من المنزل (البراكة) بالقوة، وكلما نادى هؤلاء المحتجون  بحياة الملك ورفعت صوره عاليا الا وتمادى القايد في اهانتهم وتعنيفهم ماديا ولفظيا. هذه الصورة طالما تكررت بشكل يومي حتى اصبحت ماركة مسجلة وعرفا احتجاجيا في بعض مناطق المغرب، بل اصبح يعتبرها البعض هي الاصل وان ما عداها من طرق احتجاجية هو دخيل على الثقافة المغربية. ولان العبرة تؤخذ بالنتائج،  فماذا غير حمل الاعلام المغربية وصور الملك من واقع هؤلاء البؤساء المحتجون هل تحققت مطالبهم؟ الجواب بالطبع لا، بل كل ما ناله هؤلاء هو الاهانة بحكم تفاوضهم من موقف ضعف وحتى في احسن الاحوال عندما تتم الاستجابة لمطالبهم فيكون ذلك من منطلق ”عطف صاحب الجلالة” و”هبة ملكية ” وليس كحق مشروع يضمنه الدستور . في علم النفس هناك علاج شهير يطلق عليه ”العلاج بالصدمة” وهو وضع المريض تحت توتر عالي وفي ظروف حادة لم يتعود عليها من قبل، ومن نتائج ذلك ان جسد المريض يعود الي حالته الطبيعية بفعل هذه المؤثرات. كذلك هو الشان في احتجاجات الريف فغياب العلم الوطني بمظاهرات الريف هو لتحسيس الدولة بمدى الجرم الذي ارتكبته بتبنيها لسياسة انفصالية تتجلى في تقسيم البلد الى مغرب نافع وآخر غير نافع، لبعث رسالة واضحة مفادها ان ابناء الريف بقدر حبهم لوطنهم فهم ناقمون على سياسة الدولة ورموزها، وان هذه الرموز حتى وان لم تكن جزء من المشكل فهي ليست جزء من الحل حتى يتم الاستعانة بها والتغني بها. ويبدو ان هذا التكتيك الوقائي( العلاج بالصدمة) قد حقق الكثير من النتائج المرجوة وفي ظرف وجيز وهو ما عجزت ان تحققه الاساليب الاحتجاجية الكلاسيكية برفع الاعلام المغربية وصور الملك في باقي المناطق خارج الريف. فبفعل هذه الصدمة تكون الدولة قد ادركت حجم الخطأ الذي اقترفته باسقاط الريف من اجندة التنمية وهو ما ساهم في انتاج شعب يعيش على حافة دولة المغرب.

لكن لا يجب ان نخلط بين مفهومي الوطن والدولة، فاذا كان من احد يفصل بين المفهومين فهم حقا الريفيون، فمن خلال احتجاجاتهم  فهم يريدون ان يحسسوا الدولة بسياستها الخاطئة اتجاه جزء من الوطن وغياب الاعلام هو كرد فعل عن غياب سياسات الدولة الانمائية بالمنطقة. بمقابل ذلك  فحضور اعلام جمهورية محمد بن  عبد الكريم الخطابي هو ليس للمزايدة او لبلورة نزعة انفصالية انما هو احتماء بذاكرة الماضي مادام الحاضر مؤلما ولايبعث على الفخر. علم الجمهورية الخطابية لا يجب حصره في زاوية على انه منافس للعلم الاحمر رمز الدولة المغربية بل يجب ان ينظر اليه على انه رمز  من رموز هذا الوطن الذي قدم المجاهدون ارواحهم الغالية لتحريره من المستعمر شرقا وغربا . اما عن حضور العلم الامازيغي ذو الالوان الثلاثة ( اصفر-اخضر-ازرق)  في الحراك الريفي فمفاد ذلك الى الصحوة التي عرفها الانسان الامازيغي في شمال افريقيا، هذا الكائن الذي كان الى عهد قريب متعبا بالعروبة ومجبرا على تبني اخفاقاتها، فجاء هذا العلم ليحرره من هذا العبء خصوصا بالوانه الزاهية التي تبشر بمستقبل مشرق بعيدا عن التبعية للشرق التي لم يجني من  وراءها  الا الويلات، العلم الامازيغي هو بمثابة محفز للقطيعة مع ماض لا يشبه اصحابه والبحث عن حاضر اكثر اشراق. بهذا المعني فحضور العلم الامازيغي بمظاهرات الحراك الشعبي بالريف له دلالة  ثقافية تنم عن رغبة دفينة في اعادة اكتشاف الذات ولا علاقة لها بما هو سياسي ايديولوجي . في المغرب اكثر من يتغنون بالعلم الوطني ويحرصون على بروزه في خلفياتهم مع كل ظهور اعلامي على شاشة التلفزة هم السياسيون والمسؤولون الفاسدون  الذين يسيرون هذا البلد على اختلاف رتبهم العسكرية والمدنية. هؤلاء ”الوطنيون جدا” هم انفسهم من يعطون الاوامر  لطحن المواطنين،  بالمعنى الحقيقي لكلمة ”الطحن”، كما حدث مع شهيد لقمة العيش محسن فكري، فهل هؤلاء ”المسؤولون الفاسدون” اكثر وطنية من من ابناء الريف  الذين يخرجون يوميا للمطالبة باسقاط الفساد وتوزيع عادل للثروة والسلطة ليعيشوا بكرامة في مغرب يتسع للجميع ويتساوى امامه المواطنون في الحقوق والواجبات!

2017-05-10 2017-05-10
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقاتتعليقان

  • E.Najjar

    الإنفصال عن مملكة الزنادقة هو الحل

  • بركة المصطفى

    مقال راءع شكرا لمم ومزيدا من التالق

حسيمة سيتي