كيف نظم الأمير مولاي موحند قطاعي التعليم والصحة بالريف ؟ (2)

حسيمة سيتي26 مارس 2017
كيف نظم الأمير مولاي موحند قطاعي التعليم والصحة بالريف ؟ (2)
رابط مختصر

حسيمة سيتي – جلال الغلبزوري

في المقال السابق ذكرنا كيف تمكن الأمير مولاي موحند من إحلال الأمن والسلام في الريف عن طريق تأسيس الجهاز القضائي الذي أوجد خلال مدة يسيرة مجتمعا عصريا مطبقا للقانون بكل عدالة، الشيء الذي شجعه على تحقيق إصلاحات مهمة لشعبه في كل فروع الحياة، فنظم مالية البلاد وأصلح الإدارة ونظم التجارة والزراعة…

في هذا الجزء سنرى كيف أسس الأمير مولاي موحند المدارس و أرسل البعثات العلمية إلى أوربا، وعني بإصلاح الحالة الصحية في الريف، وكيف حاول إنشاء المستشفيات والمستوصفات ؟

1-   قطاع التعليم

أخذت مسألة التعليم حيزا كبيرا من تفكير الأمير مولاي موحند الذي أدرك أهمية ذلك، فسعى إلى تنظيمه تنظيما عصريا لينشئ جيلا واعيا من الشباب قادرا على مواجهة الأعداء بأساليب حديثة عصرية. فكما هو معروف فإن التعليم الديني هو الذي كان سائدا في بلاد المغرب، وبقي كذلك حتى إعلان الحماية الأجنبية عليه سنة 1912، إذ قام الإسبان والفرنسيون بإخضاع التعليم لإدارتهم لتوجيهه بحسب وجهتهم الاستعمارية، فأصبح التعليم في المغرب محدودا بل مراقبا من قبل سلطاتها عدا المدارس العربية- الاسبانية، أو العربية-الفرنسية التي سمحت بها من أجل تخريج طبقة من الموظفين تستخدمهم سلطات الاستعمار كوسطاء لها في إدارتها، ولإضعاف اللغة العربية.

لذلك اهتم الأمير مولاي موحند بنشر التعليم في كل الأجزاء التي حررها من يد القوات الاسبانية، ولاسيما بعد تقسيم تلك المناطق إلى وحدات إدارية لتنشأ فيها المدارس.

نظم الأمير مولاي موحند التعليم في الريف تنظيما حديثا وعصريا، إذ لم يعد يقتصر على التعليم الديني فقط، ولاسيما بعد أن أنشأ وزارة المعارف “التربية” لتطوير المدارس التي أنشأها، وجلب لها المدرسين من خارج المغرب من الجزائر ومصر، ليساهموا في النهضة العلمية الحديثة التي رسمها وخطط لها ونفذها الأمير في الريف، إذ أسس ثلاث مدارس تعتمد في تدريسها على المناهج الحديثة والجديدة بل وأشرف على إدارتها ورعايتها وهذه المدارس هي:

أ‌-       مدرسة أجدير التي ضمت الشباب الذين يملكون شيئا من العلم، لتعليم الرياضيات والعلوم والمواد الخاصة بالقواعد العسكرية، وعين لإدارتها محمد بن الحاج حدو، أحد علماء بني ورياغل. وكان الأمير يشرف على هذه المدرسة بنفسه، وحدد لمديرها راتبا قدره 1000 بيزيتا، وهو راتب عال جدا في ذلك الوقت.

ب‌-  مدرسة زاوية أدوز بقبيلة بقيوة، وقد أشرف الأمير على وضع منهاجها أثناء توجهه إلى تلك الجهة، وعين الفقيه “محمد ميشال” أحد علماء قبائل غمارة مديرا عليها ويتسلم راتبا مشابها لمدير المدرسة الأولى.

ت‌-  ولم يغفل الأمير مولاي موحند عن الاهتمام بالتعليم الديني إذ أسس معهدا دينيا في مدينة شفشاون بمساعدة أخيه “أمحمد الخطابي” وعين له الفقيه العمري بمخصصات المدارس السابقة نفسها، كما اهتم بالتعليم العام الذي كان يدرس في المساجد مع إدخال مناهج تعليمية أخرى كالرياضيات والعلوم دون الإغفال عن تدريس القواعد العسكرية ضمن المناهج المقررة في المدارس العصرية من أجل خلق جيل من الشباب المثقف، ذي قدرات علمية وعسكرية يخدم بلده.

أدرك الأمير مولاي موحند أن لا شيء يمكن له من إخراج المنطقة من الجهل وإنقاذها من التخلف سوى تعليم حديث ومتطور، لذا حاول تنظيم هذا القطاع من خلال إنشاء المدارس العصرية وتعليم الذكور والإناث، كما حاول إرسال عدد من الطلبة إلى مصر وتركيا لإكمال دراساتهم، لكن ظروف الحرب حالت دون ذلك. فالأمير كان معجبا بالتعليم الحديث وعمل على نشره في كافة أنحاء الريف بمساعدة أخيه سي أمحمد الذي كان من أوائل المهندسين في مجال المناجم، وقد يكون أول مهندس في اختصاصه بالمغرب، وقدم مساعدة كبيرة لأخيه الأمير في إنشاء حكومة الريف نظرا للخبرة العالية التي اكتسبها أثناء إقامته في مدريد بإسبانيا.

2-   قطاع الصحة

عان المغرب بشكل خاص من أوضاع صحية متدهورة، فقد كان الاعتماد على الطب الشعبي في مداواة أغلب الأمراض منتشرا بشكل كبيرا، نتيجة ظروف اجتماعية كثيرة كالفقر والجوع والأوبئة التي كانت تودي بأرواح الكثير من الناس. وقد ظل الحال كذلك حتى بداية عهد حكومة الريف، لانعدام وجود الأطباء والمستوصفات والمتشفيات فيها، إلا أن الوضع تغير بعد انتصار الثورة الريفية في معركة أنوال سنة 1921 التي وفرت كميات كبيرة من الأدوية والمعالجات الطبية التي حصلوا عليها كغنائم استفادوا منها مدة طويلة، لكن الحاجة المستمرة إلى الأدوية في ظروف كالتي تعيشها حكومة الريف ألزمها بالبحث عن وسائل جديدة تعينهم على رفع المستوى الصحي، وقد قامت سنة 1923 بالاستعانة بطبيب وطبيبة فرنسيين.

تأثرت الأوضاع الصعبة في الريف سنة 1924 تأثرا كبيرا، لاسيما بعد استخدام القوات الاسبانية لأسلحة الغازات السامة، والحصار الذي فرضته على قوات الريف، الذي أثر في عدم وصول الأدوية والاسعافات الطبية من طنجة لغرض معالجة الجرحى من الريفيين والجرحى من الإسبان أيضا، لذلك استقدمت حكومة الريف أحد الأطباء المغاربة الذي كان في فاس ويدعى المحبوب الذي عانى كثيرا أثناء عمله، لعدم وجود المستشفيات والأدوية، وعلى الرغم من ذلك قام بمجهود كبير وإن كان محدودا.

ازدادت الحالة الصحية سوءا في الريف بعد سنة 1925 في ظل استمرار الحرب بين الريفيين من جهة والإسبان والفرنسيين من جهة أخرى، دون تلقي الريف لخدمات المنظمات الدولية “منظمة الصليب الأحمر”، وقد أشار الأمير مولاي موحند حول ذلك الأمر لأحد الصحفيين بقوله “وبعد سنة 1920 أخذنا نشعر بالحاجة إلى الأدوية، فإن طياراتهم كانت تجرح كثيرا منا، وعلى أثر ذلك اضطررنا لطلب المعونة من جمعيات الصليب الأجنبية للعناية بمرضانا وجرحانا” علما أن عملها لخدمة الإنسانية دون تمييز. يذكر الأمير بحقها قائلا: “يسوئنا أيم الحق أن نرى جمعية الصليب الأحمر من الأمم النصرانية من غير تمييز جنسية ولا قومية تهتم بجرحى الإسبانيين وأسراهم الذين بقوا في أيدينا ونبعث لهم الكميات الوافرة من الدراهم، وترسل لهم الأطباء ليقوموا بمداواة جرحى الإسبانيين، وليس لنا من جمعياتنا الخيرية من يصلنا”.

على الرغم من المعاناة التي كان يعيشها سكان إقليم الريف تحت إشراف طبيب فرنسي يدعى كود، الذي جاء مع البعثة الفرنسية لغرض معالجة الجرحى الفرنسيين، كما قدمت البعثة بعض المعالجات والخدمات الصحية للريفيين بحكم وجودها بينهم. ومع استمرار الثورة الريفية ضد الإسبان والفرنسيين تدهورت الحالة الصحية، فكان لا بد من إنشاء مستشفى لمعالجة المرضى والجرحى، لذلك فكرت حكومة الريف ببناء مستشفى في منطقة أجدير بمساعدة الطبيب كود، فطلبت منه أن يخطط لإقامة مستشفى في أعالي أجدير، إلا أن الهجوم الإسباني في أواخر سنة 1925 أفشل هذا المشروع. وبهذا لم تسمح الظروف للأمير مولاي موحند، أن يحقق ما كان يفكر فيه، إذ كان يريد إقامة جهاز علاجي كبير للسكان، لاسيما بعد أن تفشت الأمراض بفعل القنابل السامة التي كانت تسقطها الطائرات الاسبانية.

إن الجهود التي بذلها الأمير مولاي موحند من أجل إقامة نظام اجتماعي عصري في الريف، كانت كبيرة ومنظمة، وسعى إلى استمرارها على الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تواجه حكومة الريف. وعلى الرغم مما واجهه الأمير، يبقى التنظيم الاجتماعي في فكره تجربة حقيقية لنظام نهضوي شامل جديد واستثنائي في تاريخ المغرب.

ملاحظة: هذا المقال أنجز بالاعتماد على كتب ومصادر تاريخية معروفة، تمت مراجعتها قبل النشر.

اترك رد

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات تعليقان

  • جلال الغلبزوري

    سي بنتالف، أنا صاحب المقال، مدرسة أجدير و مدرسة زاوية أدوز المدرجتان في المقال تحدث عنهما كل من: – الأستاذ أحمد البوعياشي في كتابه حرب الريف التحريرية ومراحل النضال، الجزء 02، الصفحة 185.
    – الأستاذ اسماعيل في كتابه من القبيلة إلى الأمة: ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي ، الصفحة 42.
    – الأستاذ داهش في كتابه محمد بن عبد الكريم الخطابي : صفحات من الجهاد والكفاح المغربيضد الاستعمار، الصفحة 162.

  • بنتالف

    ما هو الكتاب المصدر الذي ادعى ما جاء في المقال ن زاوية ادوز والسؤال موجه لصاحب المقال

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق