التوفيق فتحي – الحراك …بين وضوح الرؤية وطول النفس

حسيمة سيتي5 يناير 2017
التوفيق فتحي – الحراك …بين وضوح الرؤية وطول النفس
رابط مختصر
التوفيق فتحي – الحراك …بين وضوح الرؤية وطول النفس
حسيمة سيتي – التوفيق فتحي

أسهل دور يمكن ان تلعبه في أيما حراك هو تبني موقف المحلل والمراقب عن بعد. أكثر ما يمكن ان تخسره ساعة او أقل من ذلك لنثر كلماتك على السطور والتأكد ان الفواصل والنقط قد وضعت حيث يجب ان توضع…الإيجابية الوحيدة لكذا تمرين هي أن بعدك عن الميدان يجردك من أي حمولة شعورية أو عاطفية مرتبطة بتوالي الاحداث وتداخل العلاقات الشخصية في الميدان ما يجعل كلامك أقرب إلى الموضوعية.

لا أحد يشكك في حضارية حراك “#طحن ـ مو” ولا في القدرة الهائلة لشبابه وشيوخه على تحريك عموم الشعب بكل طبقاته وفئاته وانتماء اته وولاء اته…ليس امرا هينا ان تحافظ على جذوة الحراك لمدة شهور دون ملل ولا تراخي ولا تنظيم متجانس التخطيط والقيادة. يقينا أن عدم “مأسسة” الحراك كان أحد عوامل استمراريته وعامل جذب لأطراف لم تكن لتنضم اليه لوكان اخذ شكلا مغايرا…لكن ما يمكن ان يشكل قوة ايجابية على المدى القصير قد يتحول الى نقطة ضعف على المدى المتوسط والبعيد. تحليل تجارب حراك حديثة يمكن ان تفيد في توضيح الرؤية. الاعتصامات الليلية لحراك “واقف الليلة” Nuit deboutمثال نموذجي لحراك فشل، بدأ شبه عفوي بهدف توحيد مختلف “المعارك النضالية” المتفرقة في مختلف القطاعات المهنية في “معركة” شاملة وموحدة. لم يكن للحراك قيادة رسمية ولا أجهزة تقريرية ولا تسييرية باستثناء الجمع العام كفضاء للمناقشة واتخاذ القرارات. منذ البدء كانت الجموع متنوعة سنا، مهنيا وسياسيا: طلاب، اساتذة، اعضاء حركات أقصى اليسار، نقابيون واعضاء احزاب سياسية ومنظماتها الشبابية…ما كان يجمعهم هو توحيد “صوت غضبهم” وتفخيمه ليصل أبعد مدى. لكن ثلاثة أخطاء قاتلة عجلت بتوقيع شهادة وفاة الحراك: الاول غياب قيادة تجسد الحراك وتعطي له وجها انسانيا يتماهى فيه عموم الناس، الثاني انحصار الحراك جغرافيا في ساحة الجمهورية بباريس فلم يستطع ان يمد رقعة تأثيره إلى ما وراءها خصوصا نحو الاحياء الشعبية ومنها نحو المدن الأخرى، الثالث هلامية المطالب وتنوعها بتنوع المشاركين واجنداتهم وانتظاراتهم…رغم ان معارضة قانون الخومري شكل في لحظة معينة نقطة استقطاب إلا انه سرعان ما استعاد المشاركون انانياتهم “النضالية” بعد تمرير القانون والمصادقة عليه فعادت المطالب لتتشتت بتشتت الانتماء ات لينتهي الحراك بالأفول تلقائيا.

على طرف نقيض تعتبر تجربة “قادرون”PODEMOS الاسبانية نموذجا لحراك ناجح بدأ اعتصاما لمجموعة “غاضبون”LES INDIGNES في مدريد صيف 2011 كرد غاضب على آثار الأزمة المالية والرشوة والمحسوبية، لينتهي به المطاف في تنظيم سياسي اكتسح الانتخابات المحلية في المدن الكبرى عام 2015 فوصل مرشحوه لعمودية أكبر مدينتين اسبانيتين مدريد وبرشلونة. نقاط قوة الحراك الداخلية يمكن إجمالها فيما يلي: نفس جد طويل، قيادة واضحة مجمع عليها ومكلفة رسميا للحديث باسم الحراك، امتداد جغرافي واسع للحراك وأشكاله في كل المدن الاسبانية مع تنسيق دائم، توظيف مكثف للإعلام البديل خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، تحسيس المجتمعات المدنية الأوروبية بتنظيم مسيرات وزيارات لعواصم ومدن الاتحاد الاوروبي من طرف قيادات الحراك، تنوع مكونات الحراك واشراك جد فعال لأساتذة الجامعات الذين شكلوا عمق التفكير الاستراتيجي للحراك وتحول بعضهم إلى قيادات ميدانية ومنهم الكاتب العام للحزب بابلو إغليسياس، أفق سياسي واضح للحراك بعد سنوات من الاحتجاج تم تسطيره في برنامج واقعي مع تحديد المدى الزمني ووسائل تحقيقه.

كل حراك اليوم بدون أفق سياسي واضح مترجم في نقاط برنامجية قابلة للتحقق ويمكن قياسها وتقديم جرد لحصيلتها لن يعرف سوى أحد مخرجين: اما الأفول التدريجي بانصراف الناس عنه أم الاصطدام بالقمع المادي والمعنوي (بما فيه شراء الذمم) لجهاز ألف قتل الميت والسير في مقدمة جنازته. أحد مخارج الحراك في الحسيمة والضواحي اليوم هو الانتظام في حركة سياسية الاهداف واعداد برنامج واضح لما يمكن أن تكون عليه ميزانيات البلديات والجماعات القروية والتعاقد مع المواطنين على تحقيق البرنامج إن وصلت الحركة إلى عمودية هذه البلديات والجماعات…لا شيء سيمنع الحراك من الاستمرار للسنوات التي تفصلنا عن الانتخابات المحلية وتحويله إلى صرخة غضب طويلة النفس وخصوصا إلى محطة لخلق موازين القوة على الأرض وإقناع من له المصلحة في تغيير…نحو الأفضل!

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق