أين إختفى أرشيف فترة الإستعمار الإسباني لمنطقة الريف !!

حسيمة سيتي1 مارس 2016
أين إختفى أرشيف فترة الإستعمار الإسباني لمنطقة الريف !!
رابط مختصر

عبد اللطيف مجدوب

ثقافة الأرشيف/المحفوظات ؛ في المغرب ؛ حديثة العهد ، سيما ما تعلق منها بعهد الحماية الإسبانية على مناطق بشمال المغرب ؛ وتحديدا الناظور وجوارها .

والأرشيف هنا بمدلوله الشامل الذي ينسحب على مجموعة من المستندات ، والسجلات ، والوثائق التي تلقي بأضوائها على معلومات حول مكان أو مؤسسة أو مجموعة من الناس أو منطقة بعينها رغم أنه أصبح علما قائم الذات Archival Science . ومعلوم أن الحماية الإسبانية في المغرب شملت مناطق الريف ، امتدت من سنة 1912 إلى 1956 ؛ ضمت كلا من لوكوس (العرائش) ؛ وجبالة (تطوان) ؛ والريف (الحسيمة وشفشاون) ؛ وكرت (الناظور) …

هدف البحث

وسنعرض ؛ في هذه الورقة ؛ للبحث عن بعض المستندات ومحاولة استقرائها في ضوء ما كان عليه التعليم في عهد الحماية الإسبانية ببعض مناطق الريف . وسنخص ؛ منها بالذكر ؛ الناظور ، والمناطق المتاخمة كازغنغان وسلوان والعروي وبني انصار والعروي وآفسو .

إتلاف وتخريب وإحراق !!

مشروع هذا البحث ، كان من المقرر أن يضطلع به فريق من الباحثين ؛ حرصت أن يضم ؛ في تركيبته ؛ تخصصات تجمع بين السوسيولوجي ، والبيداغوجي ، والتاريخي ، واللغوي . وقد رصدنا لبحثنا الميداني عينة من المدارس والمساجد العتيقة ، والثكنات العسكرية عند مدخل المدينة (تيرقاع) أو آفسو (مجاورة للعروي) ، وكانت استمارة البحث بسيطة في بنائها ، تتكون من سؤالين : هل هناك ثمة مستندات أو أوراق ، أو مآثر مرتبطة بعهد الحماية الإسبانية ، ونوع التعليم الذي كان سائدا آنذاك ؟ ولماذا ؟ في حالة انتفاء وجود مستند أو ما يشبهه ؛ في هذه المؤسسة أو تلك .

بيد أن مشروع بحثنا هذا أصيب بانهيار من شدة الصدمة الأولى التي تلقيناها عند العتبة الأولى للبحث ، ذلك أن كل النقط التي كانت مستهدفة من البحث ، والتي وقفنا عليها ، أكدت جميع تحرياتنا ومعايناتنا ومقابلاتنا ، وملاحظاتنا الأمبريقية ، وبحثنا في الأرشيف الخاص لبعض الأشخاص والأسر أن أرشيفاتها عبارة عن قاع صفصف لا أثر فيها لشيء يمت بصلة إلى عهد الاستعمار الإسباني ، كما أكدت لنا كل اللقاءات ، والمقابلات التي أجريناها مع أجيال تعاقبت على المنشأة ، أن بقايا المستندات ، والوثائق ، والأدوات أصابها أو “تعرضت” للإتلاف ، ومنها ما تعرض للإحراق عنوة بمجرد جلاء الاستعمار وممثليه من رجال السلطة ، ورؤساء المؤسسات التعليمية …عن الأماكن المحتلة . ولما استفسرنا عن الأيادي ” الأثيمة ” التي امتدت إلى تلك الوثائق ، والسجلات والأدوات وعبثت بها .. جاءتنا ردود من أكثر من مصدر ؛ ممن عايشوا الأحداث ؛ أن أوامر ، أو ما يمكن تسميته بفتاوى من فقهاء “المسلمين” أن كل شيء محسوس يحيل الذاكرة إلى عهد “النصراني الإسباني” هو محرم ، والتستر عليه يعتبر في نظر “الشرع” خيانة ، لذا وجب إحراقه !! بينما أفادتنا مصادر أخرى أن فترة قصيرة أعقبت رحيل المستعمر سادتها عمليات النهب والسرقة والمصادرة ما يشبه عهد “السيبة”
مثلا في جبل ويكسان ؛ حيث كانت منطقة صناعية منجمية ؛ اشتهرت بمرافقها والتي كانت ؛ على عهد السبليون ؛ تلمع بمصابيحها ليلا ، وبالقرب منها سيتولازار .. تحولت إلى يباب إلا من معدات معدنية ثقيلة ؛ مبعثرة هنا وهناك ، تدل على أن تمدنا حضاريا مر من أطلالها ، قبل أن يندرس تحت أقدام “الدخلاء” … أكد بعضهم أن معدات ضخمة لاستخراج معدن الحديد من المناجم ، وأخرى لنقله إلى بني انصار بيعت بأثمنة زهيدة ، وأخرى عبثت بها أيادي الزمان !

في سلوان حيث تحولت أطلاله إلى مبكى !

يحرص أكثر الإسبان ؛ في الحقبة الأخيرة وكل عطلة أسبوعية ؛ على قصد هذا المركز القروي (سلوان) ، والتي تذكرهم بعهد ولى ، زمان أن ترعرعوا وتفيأوا بظلال أشجاره الباسقة ، كأقلية إسبانية ممن آوت إلى هذا الثغر .. كانت هناك مكتبة شهيرة ومدرسة إسبانية ، لم نعثر لها إلا على بقايا أطلال مندرسة ، أصبحت مبكى لزوار إسبان ؛ وهم يستعيدون الذكريات ؛ كيف كانت دورهم ومدرستهم ، وكيف أصبحت مأوى لقطاع الطرق ونعيق البوم !

أنوال وآفسو

تعتبر معركة أنوال من ألمع البطولات التي خاضتها الحركة التحررية شمال المغرب بقيادة عبد الكريم الخطابي في وجه المحتل الإسباني ، ولها رمزيتها ؛ على الصعيد التاريخ العالمي ؛ كمدرسة في الاستراتيجية الحربية وحرب العصابات والتاكتيك … لكن ؛ وأنت تحل بالمكان ؛ الذي كان مسرحا لمصرع آلاف الجنود الإسبان ، وغنْم المئات والآلاف من المدافع ، والقذائف ، والعتاد الحربي والمعدات العسكرية ، والذخيرة … لا تعثر ولو على لوحة تشير إلى الرمزية التاريخية للمكان ، الذي ألفيناه مجرد عراء خال من أية ذاكرة رمزية … !! أين ذهبت تلك الغنائم ، وهل عادت إلى إسبانيا على طبق من ذهب لحفظ ماء وجه المغرب ، من كان وراء طمس معالمها ؟؟؟ ..

أما منطقة آفسو (قرب مركز العروي) ، فقد كانت تأوي ثكنة عسكرية إسبانية شهيرة أو معسكر(كابامينتو) إلى جوار مسجد بني على الطراز الإسباني .. الثكنة بمرافقها وحياضها تحولت إلى خرائب ، تعوي رياح الصبا بين ثناياها ، إنه لشيء يدعو إلى الرثاء !! إقامة عامة لحامية عسكرية ، وثكنة للجيش ، وجنائن … أين ذهب كل هذا التاريخ قرابة 44 سنة ؟ أين انتهى مصير هذه الكنوز ؟ فلربما وجدنا مواساتنا عند إبن خلدون ؛ وهو أشهر من عرف العرب عن قرب ؛ ونص على ذلك في مقدمته ” فصل في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ”

المفارقة الكبرى

فقط مسافة قصيرة ؛ من الناظور إلى مليلية المحتلة ؛ فتجد في متاحف هذه الأخيرة التاريخ المديد للمنطقة بكل تفاصيله ، منها الحوليات ، وأسماء الجنود الذين قضوا في معركة أنوال ، وكذا بعض السجلات ، والأدوات والمستندات الإدارية وغيرها مما يمكن اعتماده في التأريخ لعهد الحماية … في حين أن الناظور ، ولا المراكز المجاورة لها ، لا يمكن البتة العثور على متحف أو خزانة أو مكتبة تضم بعض الأرشيف الذي يمكن الباحث من الولوج إلى عهد الحماية الإسبانية بمنطقة الريف . إن وراء الأكمة ما وراءها !

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق