من وجدة الى الحسيمة… رحلة الشتاء و الصيف – الحلقة 9

حسيمة سيتي16 أكتوبر 2015
من وجدة الى الحسيمة… رحلة الشتاء و الصيف – الحلقة 9
رابط مختصر

 عاصم العبوتي‎

 

كانتِ الحافلة مكتظة، واقفون وجالسون ومتأهبون للجلوس، جلس عزيز أولا وتبعته غزلان..أتسمحُ لي أنْ أجلس جهة النافذة الزجاجية؟
تفضلي، (المهم أناوذ غاريفْ واها)..
أسند عزيز ظهره على الكرسي، وضع سماعات في أذنيهْ وغط في نوم عميقْ، ترك غزلان شاردةً، تلهو تارة بهاتفها وأحيانا أخرى ترسل رسائل نصية، وبين ربع ساعة ونصف ساعة تمثل دور النائمة..


خلفهما يجلسُ طالب عشريني بجواره طالبة تصغره بسنتين على الأقل، كان يتحدثُ معها في مواضيع مختلفة، بدأت دردشتهما في الحافلة، بل أن سبب تعارفهما ستار الحافلة الأزرق، قالت له في أشبه بتوسل: أرجوك يا أخي..الشمس تزعجني، مررْ الستار على النافذة، نظر إلى كل الركاب وكأنه يخبرهم: لقد ربحتُ الرهان العظيم، نظر جهة الطالبة: “أرحمو أوتشما غام رحقْ”، هكذا أفضل أليس كذلكْ؟
نعم، شكرا لك أخي..


العفو، إنه واجب، لاشك أن الأخت تخصص القانون باللغة العربية؟
كيف عرفتَ هذا؟
ربما رأيتك يوما في مدرج العربي بالكلية..!
ربما، وأنت؟
سمير، تخصص الإقتصاد، السن عشرين سنة، الهواية التزحلق على الثليج..
(تضحكْ)، لم أسألك عن سيرتك يا أخي..
(ممتقعا) اعذريني، أحببتُ أنْ أمزح معكِ قليلاً، ما اسمكِ؟
“لينا”…
وسنكِ؟


أظن أن السن ليس ضروريا؟ قد أكون قرينتك أو أصغر منك بقليل، لا يهم (أيوما)..
دائما ما تتهرب المرأة من الإجابة عن سؤال : كم عمركِ.
كما يهربُ الرجل من سؤال: كمْ تتقاضى، أظن أن أهم سؤال يجبُ أن تطرحهُ علي ويكون مدخلا لنقاش سأسميه (حافِلاَتي) هو: ما ذنبُ هؤلاء التلميذات اللواتي يُحرمن من مواصلة دراستهن الجامعية؟
وقتها قد أجيبكَ وأسهم في النقاش يا سمير، لكنْ أنْ تسألني عن سني وبعدها عن رقم حذائي وقد تتمادى لتسألني عن لون رافعة الصدر فهذا رجسٌ من عمل التافهينْ..!
تبدوينَ كمنْ لمْ يرقْ “لهاَ” جلوسي معها، لو شئتِ غيرتُ المقعد، لا مشكلة في ذلك يا “لينا”؟


كما تريدُ يا أخي..
نهضَ سمير من مقعده بغضب، نكز عزيز في رقبته، استدار إليه عزيز بتثاقل وهو يزيل السماعة، ماذا هناك؟
اااااه، هذا أنت يا عزيز؟
سمير، أنت إذاً..
هل من الممكنْ أنْ نتبادل المقاعد لو شئت..
نظر عزيز لغزلان وكأنه يطلب منها الإذنْ..
هزتْ رأسها بإيماءة الموافقة..
تفضل يا سمير، سنتحدثُ في باحة الاستراحة بالناظور..
أكيد صديقي عزيز..


وجد عزيز نفسه في موقف محرج، ترْكهُ لغزلان وحيدة وجلوسه مع غريبة، كانت “لينا” تتمعنُ فيهِ كمن ترى فتىً التقتْ به بعد سنوات من الغيابْ، عم المقاعد الأربع صمتٌ غريبْ، غزلان ألصقتْ وجهها بالنافذة الزجاجية، سمير استسلم لنوم عميقْ، “لينا” كانت تعدل من خصلات شعرها المنسدلة على جبينها، استل عزيز من معطفه جريدة ورقية، تصفح عناوينها الكبيرة بحث في كل جيوب معطفه عنِ القلم، تأفأف، تسأله “لينا”: أتبحث عن قلم؟
(أييه أوتشما)..
تبحثُ الأخرى في محفظتها العصرية، تناوله قلما فرنسيا..


شكرا لك، أشميحفذْ، للاشارة: عطرك أيضا فرنسي وحتى حذائك ذو الكعب العالي فرنسي، لكن عيونكِ تخصص مرفوض في الجامعة..!
اكتفت “لينا” بالشكر، استدارت غزلانْ قطبت جبينها وهي توزع نظراتها بين عزيز و”لينا”، شعرت الأخيرة بالحرج، لم يبالي عزيز لتصرفاتها، انكب يخط أحرفا في مربعات فارغة، أداة تعريف و”نوتة” وعاصمة اثيوبيا وقاعدة نيجريا، كان يتمم بكلمات غير مفهومة،ارتابت لأمره “لينا” خشيت أنَ به مسْ، تهمس لغزلان وهي تنحي لها: واشْ أقاثْ مليحْ؟
غزلان: شام أوكيجانشي مليحْ، نتا أقاثْ مليحْ..

-لم أفهم قصدكِ، على أيٍ سنتحدثُ قليلاً في باحة الاستراحة، استدارتْ غزلانْ وعدلتْ “لينا” جلستها وغط الأربعة في نوم مُمَثل، بعد ساعة ونصف وصلت الحافلة إلى محطة الناظور، أخبرهم السائق بأنْ لا يتجاوزوا نصف ساعة لأجل الإنطلاق من جديد، عادةَ ما ينزل كل منْ في الحافلة ليشتروا ما يلهون بها معدتهم قبل الوصول إلى الحسيمة، نزلت غزلان غير مكترثة بعزيز الذي انحنى للأرض ليلتقط درهما سقط منه، تنحني “لينا” هي الأخرى لتلتقط مذكرات “تشي غيفارا”، في استقاماتهما كانت الحافلة شبه خاوية إلا من ست إلى سبع ركاب كانو منهمكين بالتهام ما جادت به الأكياس السوداء.
غاب الجميع في فضاءات المحطة القديمة، كل شيء معروض للبيع هنا، يمشي عزيز ببطئ وهو يتفقدُ جيوبه، قدْ يباغثكَ أحدهم من الخلف، فكر أنهُ لا يملك شيئا، يناديه بائع (الكلامارْ)، “أسادْ أوما، أقاش مينتازوذْ.”
لوحَ له وتشاكراَ، فلْتأكلوا أنتم يا منْ تملكونْ، هنيئا لكم بما وُهِبْتمْ، أنا وجهُ الجوع لنْ أدخل إلى الدكاكين الضيقة لأنتظر دوري في أكل ساندويش (كلامارْ)، ولن أقتني قنينة مشروبي الغازي المفضل البارد، سأبحثُ عن غزلانْ، ربما هي الأن غاضبة مني، هي ستنفي ذلك حتى لا أتهمها بالإهتمامْ، هي في مكانٍ ما، لنْ تطلبَ الساندويشْ، هي تأكلُ المملحاتْ عادة، وتشرب ماءاً معدنيا دافئا، في بحثه المتكرر التقى بسمير، أهلا وسهلا صديقي؟
تعانقا، أهلا بك “ثاوماتْ”، لقد مضى وقتٌ طويل لم نلتقي، أخر لقاء جمعنا كانت بمقهى (بانوسْ)، تتذكرُ ذلك؟
نعم في ذلك المساء العاصف، كنتُ أراجعُ قليلا استعداداً لتقديم عرض في الكلية، تذكرتُ ذلك صديقي سميرْ، كيف هي أحوالكَ؟

يتبع

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق