عاصم العبوتي- ذكريات “التحْضيري”… اول يوم في مدرسة إمزورن 2

حسيمة سيتي25 سبتمبر 2015
عاصم العبوتي- ذكريات “التحْضيري”… اول يوم في مدرسة إمزورن 2
رابط مختصر
عاصم العبوتي- ذكريات “التحْضيري”… اول يوم في مدرسة إمزورن 2

ورقة مسطرة وقلم (بيكْ) أشتريه من “الشريفْ” دكانهُ غير بعيد بأمتار عن مدرسة إمزورن2، لا أدري لما زادو الرقم(2) مع إمزورن، أو لماذا سموها قديما “بالجديدة”، سألتُ يومها النجار جارنا فقال لي: ربما نسبة للدفاع الحسني الجديدي، ضحك (لمْسْتْعلْمين) ولم أضحك خشيتُ من أن يَهوي علي بلقاط أسود صدئ….
أستيقظ حين تريد أمي، تهزني في فراشي مرتين وفي الثالثة تزيل عن كل جسدي الغطاء الصوفي، تلفحني نسمة قر أتية من فناء المنزل، أنكمش لأصير بحجم وسادة، أدخل في نفسي لأنعم ببعض الدفئ، أتظاهر بعدم سماع نداء أمي، يزمجر أبي عند العتبة، نداء واحد منبعث من حنجرته الجهورية يوقظني من نومي اللذيذ، أقفُ كالقط الذي سقط من علو أمتار ليرتطم بالأرض وأرجله ثابتة على الأرض، أقصد الحمام لأرش وجهي بماء بارد، أتمضمض لأزيل اللعاب اليابس بين حافتي شفتي الجافة، أُقرءُ أمي تحية الصباح وأقبل رأسها ورأس أبي، تلقمني غصبا عن شهيتي ومعدتي فتات خبز منغمس في زيت “الوزانية” أرتشف رشفتين من كأس شاي ساخن، أحرقُ لثتي ولساني، تبكي عيني، ألعن الصباح وفأرا قطعَ نصف ورقة من معجم فرنسي قديم، أسأل أمي: ألم يصطد الفخ الفأرة اللعينة؟ ألم تعطي كِسرة الخبز أكلها؟ أم أن الفخ التي اشتاراها أبي لا تصلح إلا لصيد أناملنا؟

أشبكُ يدي في يد أبي، أخرجُ مودِعاً أمي عند أخر دُرج في منزلنا، أدُسُ في جيب وزرتي الورقة اليتيمة وأمسك بالقلم حتى لا ينفلت مني، من يمين أبي جارنا وعلى يمينه الأخر (أنا) نتعدى ثلاث إلى خمس شوارع قبل أن نصل إلى المدرسة، يومٌ أول يبدو أشبه بيوم الختان، نخشى من المعلم أكثر من أي شيء اخر، تاودعتُ مع أبي عند منزل “الحارس” أمشي وحيداَ، يناديني “أمين” الصحرواي، يتكلم معي “الدارجة” التي أفهمها وأتلعثم في التحدث بها، في باب المرحاض تقف أربعينية ماسكة بمسطرة خشبية، تضرب بها كل من بال خارج الغرف المخصصة للبول، في باب أخر تقف “فاطمة نلمطعمْ” تعد الخبزات، وتنقي العدس من الحجر، توجه الخادمات وتنهر تلميذين يتقاذفان بالحصى.

أدخلُ إلى القاعة المزينة بشرائط صفراء وحمراء، نوافذ بلاستيكية خضراء، وباب خشبي مرقع في أعلاه وأسفله، في أقصى زاوية في الحجرة خزانة حديدية من بابين، الباب الأول منقسم إلى رفين، في الرف الأول يضع المعلم علبة الطباشير وممحاة او ممحتين، وأقلام ملونة وخشبية ضاعت للتلاميذ في الفصل، وفي الرف الثاني يضع دفاتر التلاميذ من فئة الأربع وعشرين ورقة وخمسين ورقة وَوَرق وردي مقوى يسمى “بالتوزيع السنوي”، يدخل المعلم وتنزل السكينة على القاعة، هدوء وصمت رهيبين، يلقي علينا التحية والسلام ويتمنى لنا التوفيق: يمسك الطبشورة بين أنملين ليخط على السبورة، نمدد أوراقنا على الطاولات المهترئة، أنقل ما في السبورة إلى الورقة:
دفتر من فئة 24 ورقة ودفتر من فئة 50 ورقة وغلاف أحمر وأصفر وأخضر وأسود، و”كارْني” للمعلومات ودفتر 24 ورقة للتمارين والمنهل في النشاط العلمي والمفيد في اللغة العربية والشامل في التربية الاسلامية وأقلام ملونة وخشبية وقلم رصاص والورق الشفاف وأخير الوزرة البيضاء…
أطوي الورقة على أربع، أدسها في جيب الوزرة وأخرج باحثا عن أبي…

بوعاصم!

اترك رد

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق