يوسف البرودي- تقاسيم الطفولة …وشم على الذاكرة

يوسف البرودي- تقاسيم الطفولة …وشم على الذاكرة

يوسف البرودي

الساعة تشير إلى الثالثة و النصف هذا ما سمعت أمي تقوله لأختي التي تكبرني عاما ، علينا أن نقف لنرتاح قليلا قرب أكوام التبن المذهبة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود و نتمم سيرنا للوصول إلى الطريق الرئيسية حيث سنجد عربة أو تاكسي ستنقلنا صوب المدينة ، بل أكثر من ذلك كان علينا أن نختفي هنا قرب أكوام التبن حتى لايعثر علينا و يتم إرجاعنا قسرا إلى الجحيم الذي فررنا منه .

كان الفصل خريفا ، من هذه الفصول البهلوانية هنا بنواحي الحسيمة ، بمنطقة أيث عبد الله التي تبعد بنحو خمسة و ثلاثين كيلومترا عن مركز المدينة ، حيث المحامون والقضاة و العمال و الولات ، وقصور العدل والمستشفيات إذ كانت كل مؤسسات الدولة متمركزة في المدينة أما الهوامش فسبح بحمد ربك . و كان أصحاب” هيبي” وربطات عنق زمنهم ، وأنا لم أكن أعلم بشيء عن هذا وذاك إلى بعد أن نجحت عملية الفرار التي نفذتها أمي بنجاح بمعيتنا أنا و إخوتي ، الأولى التي تكبرني عاما و الثانية الصغيرة فينا تصغرني عامين إذ كان عمرها أنذاك لم تتجاوز العامين بعد .

لم نكن نحمل معنا شيئا ، لكن أمي كان تحمل على ظهرها أختي الصغيرة ، وكيسا أسود اللون ممتلئ عن أخره ببعض الصور و الوثائق التي ستكون لي بعد كبري بمثابة مراة أرى فيها طفولتي كلما إشتقت العودة لزمن لم يرحمني أنا و لا إخوتي و لاأمي ، وشيئا من لباس أختي الصغيرة ، وثقل كبير من المسؤولية التي لا أستطيع ولو عملت طوال حياتي أن أرجع لها ولو ربع صغير من ماقدمت لي و لأخواتي وتحملت مسؤولية تربيتنا و تدريسنا وكل معاني المسؤولية التي ستجعل منها رجلا في إمرأة و ستجعل من قلبها بحر عواطف وحنان وخوف علينا نحن صغارها إلى حد كتابة السطور الأخيرة فهي مازالت تصرح لي أنها تخشى أن أضيع عنها أو يقع لي مكروه يبعدني عنها .

بعد أن إفترشنا التبن وجعلنا من أحذيتنا وسادات، ظلت أمي تراقب القمر وهو يبتعد شيء فشيئا ، وفي الوقت نفسه تراقب الزمن و الحرب الذي يدنو هو الاخر شيئا فشيئا فهل تظنون كيف أن أمي إستطاعت أن تحارب من أجلنا مايزيد عن عشرين سنة ونور القمر يملأ قلبها أملا وحبا في الحياة .

أمي لم تنام ، ونحن الصغار أيضا لم يستطع النوم أن يداعبنا أو يحرك عيوننا ، كيف ستنام وهي أسوأ فترة يحياها المرأ الهارب من جحيم تلك الدار ، وتهديدات البشر وتحذيرات ماوراء الطبيعة . كنا نملك من الصبر مايكفي كي نظل متيقظين تحسبا لأي طارئ قد يحدث وتفشل من جديد عملية الهروب من جحيم تلك الدار اللعينة ، ولم تمر بعد سوى ساعتين أي الساعة على مقربة من النصف ساعة لتكون تمام السادسة صباحا هذا ما سمعته من أمي التي أجابت أختي عن سؤالها البريئ : أختي : “مارمي إتادهاد طو أيما حنو ” . متى سيطلع الصبح ياأمي ؟، أمي: “عاد يالله دخمسة ونص أساينو” . الساعة تشير إلى الخامسة و النصف صغيرتي .أشارت بعدها أمي إلينا كي نصمت لأن صاحب أكوام التبن والمنزل المحاذي للبيدر أشعل الضوء في بيته ، بعد لحظات سمعناه يحدث إمرأته عند الباب موص إياها أن تعتني بصغيرهم و أنه لن يعود إلا بعد العصر من السوق الأسبوعي ،حيث كان ذاك اليوم يصادف يوم السوق الأسبوعي بتلك الجماعة القروية المهمشة، بقينا صامتين إلى أن رحل الرجل ممتطيا بغله ، الوسيلة الوحيدة للتنقل في مثل هذه المناطق النائية ذات التضاريس الجبلية هي الحصن أو البغل، وحتى إن كنت تملك سيارة لن تنفعك في مثل هذه المسالك المشوكة .

إختفى الرجل عن أعيننا التي ظلت تراقبه ،بحياة المرء الهارب وحياءه قالت أمي : ربما سأذهب إلى إمرأته لأخبرها بما حدث لنا ربما ستحن لنا و تعطيني قليلا من الحليب كي أطعم به أختكم الصغيرة حتى لا تجوع من جديد وتبدأ في الصراخ ، وأوصت أختي الكبيرة حتى تعود هي .

إتجهنا صوب باب المنزل الكبير ، كنا قريبين من الدار سمعنا المرأة تقول لأمي بصوت منخفض شيئا ما ” مايستكيد أردجا كي ثساعاتا أثامغاثا ” ؟ من أين جئت إلى هنا في هذه الساعة سيدتي .لتجيبها أمي ” السلام عليك سيدتي ، رياح الزمن الذي غدر بي رمتني لأفترش أكوام تبنكم منذ مايزيد عن الساعتين ، ولم أتجرأ من الإقتراب من داركم خوفا من إزعاجكم و خوفا من أن تفشوا بخبري ” . لكني الأن جئتك طالبة إياك أن تمنحني ما أطعم به صغيرتي الجائعة ، بعدها سأحكي لك ماجاء بي إلى هنا قالت لها هذا بعد علمت من صاحبة البيت أنها تعرفها ، لتعرض علينا صاحبة البيت بعدها أن ندخل إلى البيت عوض البقاء خارجا وأعدت لنا فطور من قهوة وزبد وعسل وحليب لأختي الصغيرة ،وراحت أمي تحكي لها قصة هروبنا من بيتنا اللعين من جحيم أبي الذي صار يعنف أمي كل ما عاد إلى المنزل بعدما أن طردته السلطات الهولندية من بلدها و جردته من أوراق الإقامة ، ولم يجد له عملا في القرية النائية التي نحن فيها .

إن أبي تنقصه إمرأة واحدة حتى يكمل دينه كما يقال ، بمعنى أنه تزوج ثلاث نساء وكانت أمي الثالثة ، وهو الذي لم يجد حتى ثمن علبة السجائر التي يدخنها بشراسة بعد طرده من هولاندا . تساءلت يوما ، إن كان الفقر هو الذي كان يدفعه لضرب وتعنيف أمي حد الموت أم أن هاجس السلطوية في الأسرة البطريكية هو الذي يدفعه للقيام بفعل ذلك أم أنه شيئا أخر في هذا وذاك ؟ وجدت شيئا من الجواب حين كبرت وعلمت أن أبي قد سبق وطلق زوجتاه الأولى و الثانية بعدما تعرضتا لنفس ما تعرضت له أمي ، وعلمت أيضا أن القرية التي هي مسقط رأسي معظم الرجال هناك يعنفون نسائهم حتى يتفاخرون بذلك في المقاهي وإلا سيقال له أنت “شمات” تحكمك إمرأة ولا تستطيع حتى رفع صوتك أمامها ، وأيضا علمت أن أعمامي الذين لا أعرف عددهم و لاأعرف وجوههم إلى حد الان معظمهم سبق له أن تزوج وطلقها وتزوج ثانية أو ثالثة .

إلتهمنا ما أعدت لنا صاحبة البيت الكريمة التي تقاسمت مع أمي لحظات بكاء وأبدت تضامنها الكلي معنا ، و أخبرتنا عن كيفية الوصول إلى منطقة طرقية تسمى “مسبعا نثورا” على الطريق المؤدية إلى الحسيمة من أيث عبدالله، عن طريق أكثر إختصارا ، ودخلت غرفة نومها مشيرة إلى أمي بإنتظارها ، وعادت حاملة في يدها وريقات نقدية أعطتها لأمي حتى تساعدنا على تسديد ثمن الطاكسي التي ستقلنا فيما بعد ، وظلت تدعو والدموع تنهمر على خديها كما أمي باللإفلات من جحيم أبي.

بعد خروجنا من المنزل وفي طريقنا ظلت أمي تدعو الله ألا يرانا أحد ، وخيوط الشمس بدأت تنير طريقنا إلى المنطقة حيث سنجد طاكسي للهروب من هذه المأساة و المعاناة ..كنت أنا ذو الأربع سنوات أنذاك أفكر في كيف لهذا الأب إن حدث و رأنا ماذا سيحل بنا ؟وتساؤلات كثيرة تملأ مفكرتي الصغيرة . إستمررنا في المشي ، وفرحنا حين قالت أمي ربما هاته هي الطاكسي ألاترونها ؟لقد إقتربنا من الوصول ، سوى بضع أمتار و نغدو أمنين أكثر .

2015-08-23
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي