“شهيدات الدقيق” وفشل النموذج التنموي

 علي أنوزلا

مرة أخرى يهتز المغرب تحت وقع نكبة جديدة، هذه المرة الضحايا كلهن نساء فقيرات وأرامل قضين بسبب التدافع تحت الأرجل بحثا عن لقمة عيش مرة. الأمر يتعلق بوفاة 15 امرأة أثناء تدافعهن للحصول على سلة معونات غذائية محتوياتها عبارة عن كيس من الطحين وقنينة زيت وعلبة شاي، لا يتعدى سعر هذه المعونة 150 درهما (أقل من 15 أوروا).

ومن باب المقارنة، ومن أجل تقريب الصورة أكثر، فإن أكثر من 5 ملايين مغربي يعيشون بأقل من 550 درهما (أقل من 55 أوروا) في الشهر، ومليوني مغربي يعيشون بأقل من 300 درهم (أقل من 30 أوروا) في الشهر، وذلك وفق أحدث تقرير صادر هذا العام عن “الأمم المتحدة”.

الحدث وقع يوم الأحد 19 (نوفمبر/تشرين الثاني) الجاري بمنطقة قريبة من مدينة الصويرة (جنوب مدينة الدار البيضاء) أثناء تجمع أكثر من 1500 امرأة ورجل كلهم فقراء في انتظار الحصول على كيس المعونة الذي تعودت أن توزعه كل سنة في نفس المكان جمعية أهلية يرأسها إمام مسجد بالدار البيضاء يتحدر من المنطقة. وبسبب العدد الكبير للفقراء الذين كانوا ينتظرون دورهم للحصول على المعونة وقع تدافع كبير أدى إلى سقوط ضحايا واختناقهن ووفاة 15 امرأة وإصابة خمس نساء أخريات. أغلب الضحايا أرامل ومطلقات وربّات بيوت فقيرة خلّفن ورائهن 44 يتيما، من بينهم مَن أصبح يتيم الأبوين.

الضحايا أطلق عليهن نشطاء الفيسبوك لقب “شهيدات الدقيق” (شهيدات الطحين)، و”شهيدات الفقر”، ليلحقن بقافلة “شهداء الحكرة” في المغرب وكان آخرهم سمّاك مدينة الحسيمة (شمال المغرب) الذي ألقى بنفسه، في شهر (أكتوبر/تشرين الأول) من العام الماضي، في شاحنة للقمامة لاسترجاع بضاعته من السمك التي صادرتها منه سلطات المدينة فلقي حتفه بعد أن أطبقت عليه كماشات حاوية القمامة.

الحادث أدّى إلى انفجار غضب شعبي في المدينة تحول إلى ما بات يُعرف إعلاميا بـ “حراك الريف” الذي استمر 9 أشهر متواصلة قبل أن تُقدم السلطات على قمعه بالقوة والزج بأكثر من 400 من شابات وشباب ذلك الحراك في السجون وتعرضهم للاعتقالات والمحاكمات التي ما زالت متواصلة، فخمد الحراك لكن مطالبه في تحقيق عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية ما زالت معلقة.

فاجعة الصويرة جاءت مرة أخرى لتُذكّر المغاربة بواقعهم المر، أو بالأحرى بواقع شريحة عريضة من المغاربة المهمشين في المغرب المنسي

وما بين حادثي الصويرة الأخير وحادث الحسيمة، تكررت حوادث الموت قهرا أكثر من مرة بسبب التدافع على أبواب معابر الدخول إلى الجيبين المغربيين (مدينتي سبتة ومليلية) المحتلين من طرف إسبانيا في أقصى شمال المغرب. ومع الأسف كل الضحايا في هذه الحالات التي تتكرر من النساء اللواتي يقمن بدور “الحمالات” لنقل بضائع مهرّبة فوق ظهورهن تفوق أحيانا وزنهن بأضعاف مضاعفة، وبسبب التدافع وخشونة تعامل الحرس الإسباني غالبا ما تسقط ضحايا تحت الأقدام أو بسبب الاختناق عند هذه البوابات التي يصفها رواد المواقع الاجتماعية في المغرب بـ “بوابات العار” أو “معابر الموت”.

المشكلة في المغرب أن ذاكرة الرأي العام قصيرة، وسرعان ما ينسى، أو ربما بسبب تعدد وتكرار المآسي تأتي فاجعة لتنسيه أخرى، حتى طبَّع مع الفواجع التي غالبا ما تنتهي بفتح تحقيق يكون مصيره هو الآخر النسيان. فاجعة الصويرة جاءت مرة أخرى لتُذكّر المغاربة بواقعهم المر، أو بالأحرى بواقع شريحة عريضة من المغاربة المهمشين في المغرب المنسي. مغاربة يتدافعون حتى الموت من أجل الحصول على كيس من الدقيق قد لا يكفي لعجين خبز أسبوع واحد لسد رمق أفواه جائعة تعودت أن تقتات على الشاي والخبر المغموس في الزيت إن وجد!

إن هذه المأساة جاءت لتؤكّد من الواقع الملموس ما جاء في آخر خطاب للملك محمد السادس عندما تحدّث عن فشل النموذج التنموي المغربي

هذا الحادث المأساوي كشف أيضا عن واقع الفقر المدقع الذي يعاني منه سكان “المغرب العميق”، وذلك بالرغم من أن أرقام هذا الفقر معروفة ومنشورة لكنها مع الأسف أصبحت تتداول مثل أرقام الكوارث في نشرات الأخبار. فحسب آخر تقرير صادر عن “مندوبية التخطيط” في المغرب، وهي مؤسسة حكومية، فإن أربعة ملايين مغربي يعانون من فقر مدقع متعدد الأبعاد. أما آخر تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر هذا العام فيشير إلى أن 60 في المئة من المغاربة يعيشون في فقر وعوز، ويتحدث عن 12.6 بالمئة من المغاربة قريبون من عتبة الفقر متعدد الجوانب، مقابل 4.9 بالمئة من المغاربة يعيشون في فقر حاد متعدد الأبعاد كغياب أدنى شروط العيش الكريم. (عدد سكان المغرب حسب آخر إحصاء رسمي بلغ 33 مليون نسمة).

جانب آخر دفعت به هذه المأساة إلى الأمام هو وضعية الهشاشة التي تعيش فيها النساء المغربيات المحرومات من حقوقهن في المساواة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، فالنسبة الكبيرة للفقر والأمية والبطالة والتهميش توجد في صفوف النساء اللواتي يُحَمَّلن أكثر من طاقاتهن، خاصة ربات البيوت الفقيرات منهن والمطلقات بلا نفقة على أبنائهن والأرامل اللواتي يَعُلن اليتامى.

وبعيدا عن لغة الأرقام والإحصاءات فإن مأساة “شهيدات الدقيق” تطرح أكثر من سؤال عن المسؤول عن مستوى الذل والإهانة الذي بلغته كرامة المواطنة والمواطن المغربي الذي أصبحت “ثقافة التسوّل” عنده “رياضة وطنية”، تكرسها المبادرات الإحسانية الرسمية التي ترعاها أعلى سلطة في البلاد منذ نحو 18 سنة، حتى أصبحت قاعدة بينما هي استثناء في دول أخرى يلجأ إليها ساستها عند وقوع النكبات أو في حالات الطوارئ.

فقد دأب الملك محمد السادس، الذي أطلقت عليه الصحافة الفرنسية “ملك الفقراء” منذ توليه المُلك قبل 18 سنة، على توزيع مساعدات عينية بسيطة على الفقراء، ومع توالي السنين تحولت هذه العادة إلى نشاط رسمي للملك تنقله نشرات الأخبار في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة من تلفزيون وإذاعة ووكالة وصحف ومواقع إلكترونية، لدرجة ابتعد هذا النشاط عن بُعده الإحساني وتحول إلى عمل دعائي يروّج لثقافة التسوّل ويطبع ضعفاء الحاجة مع الذل والإهانة.

وأخيرا فإن هذه المأساة جاءت لتؤكّد من الواقع الملموس ما جاء في آخر خطاب للملك محمد السادس عندما تحدّث عن فشل النموذج التنموي المغربي، وفي صلب هذا النموذج التنمية الاجتماعية التي سقطت آخر أوراق التوت التي كانت تغطي عوراتها.

2017-11-25 2017-11-25
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي