صحافة عالمية تكتب: الحسيمة.. حياة بين الحزن والسخط

ترجمة توفيق سليماني عن الغارديان وإلباييس

في الجانب الآخر من ساحة محمد السادس بالحسيمة، التي كانت مسرحا منذ سنة لأحداث احتجاجية في شمال المملكة، يغطي قوس قزح سماء البحر الأبيض المتوسط، في المقابل، على الأرض تقل الألوان في الحياة اليومية لهذه الساكنة الأمازيغية التي تعيش في جهة الريف المفقرة. يظهر لك مجموعة من رجال الأمن يملؤون الساحة، ويتوجسون من أي تجمع بشري عشية 28 أكتوبر، الذكرى السنوية لمصرع بائع السمك محسن فكري في حاوية شاحنة النفايات.

توفي محسن فكري يوم 28 أكتوبر 2016 في حاوية شاحنة جمع النفايات، عندما كان يحاول استرجاع سمك أبو سيف الذي صادره منه الأمن بسبب صيده في خارج الفترة المرخص بها. آلة الطحن الموجودة في الشاحنة وضعت حدا لحياة محسن في الشارع القريب من الساحة، الشيء الذي أشعل فتيل احتجاجات شعبية عمت كل المغرب.

الأحداث التي شهدتها المنطقة أدت إلى بروز ما يسمى “حراك الريف”، الذي وصل صداه إلى الملك، في أكبر تحد من هذا النوع تواجهه منذ احتجاجات حركة 20 فبراير مع اندلاع الربيع العربي سنة 2011، عندما قدم الملك تنازلات على أمل إنهاء الشقاق. غير أن الرد الرسمي في الريف تجسد في اعتقال زعماء الحراك، وسجن الصحافيين، والقمع الفظيع للمحتجين.

ولا يقتصر الأمر على ما سبق، بل أكثر من ذلك أدى إلى نزوح كبير للريفيين المتابعين والشباب العاطل إلى أوروبا. إذ خلال هذا الصيف ارتفع عدد اللاجئين والمهاجرين الذين خاطروا بحياتهم، بحرا، بين المغرب وإسبانيا. في غشت، تم إنقاذ حوالي 600 شخص في سواحل طريفة لوحدها في يوم واحد.

تراقب الدول الأوروبية باهتمام تطور الأحداث في الريف. بعد أن استطاعت نوعا ما احتواء الهجرة السرية في وسط البحر الأبيض المتوسط عبر ليبيا وإيطاليا واليونان، لا تريد بروكسيل أن يفتح المهاجرون جبهة جديدة في غرب المتوسط (المغرب). لقد كان المغرب منذ فترة طويلة أحد مراكز الهجرة في الجناح الجنوبي لأوروبا: الجيوب المحصنة بشدة، سبتة ومليلية، أصبح استعمالها أكثر صعوبة للعبور إلى أوروبا. لهذا، في الوقت الراهن هناك خطر إمكانية أن يؤدي الوضع في الريف إلى مواجهة جديدة من الهجرة السرية للشباب المغاربة والمهمشين إلى أوروبا.

المرتضى إمعراشا، أحد النشطاء البارزين في الحراك، وإمام سابق في أحد مساجد الحسيمة، يبلغ من العمر 30 سنة، كان قد تعرض للاعتقال على خلفية دعمه للحراك. أكد هذا الشاب أن والده توفي بعد سجنه في الرباط.

“مدينة الحسيمة تعيش على حالة من الحزن والسخط، البطالة وانعدام الموارد الاقتصادية والمخدرات والهجرة السرية والاعتقالات، كلها عوامل أدت إلى هذا الوضع الكارثي”، ندد إمعراشا في مقابلة معه في مدينة الحسيمة. “أسرنا تعاني، عندما نخرج من البيت لا يعرفون هل سنعود، أم سيلقى بنا في السجون؟”.

أجبر الموت المفاجئ لوالده السلطات المغربية على الإفراج عنه بسرعة، لكن الكثير من الشباب الذين تركوا المقاعد الدراسية ويعانون من البطالة، يتواجدون الآن في السجون، ومن بينهم الزعيم ناصر الزفزافي. ويعتقد أن هناك حوالي 400 سجين لديهم ارتباط بالحراك، أغلبهم في سجن عكاشة بالدار البيضاء، البعض منهم دخلوا في إضراب عن الطعام.

أنور المتواكل، الذي يقبع شقيقه في السجن منذ يونيو الماضي، يشتكي من كون ما حدث في الحسيمة يدفع الكثير من الأشخاص إلى الهروب. “الهجرة هي الخيار الوحيد المتبقي، إن الخطر جد مرتفع، ويمكن أن يكون له عواقب مجهولة ولا يمكن تداركها”، يضيف أنور، الذي يعود ليؤكد قائلا: “عبور مضيق جبل طارق ليس لعبا، بل هو مغامرة مكلفة قد تودي بحياتك. أوروبا لازالت تعتبر أملا كبيرا. لهذا يخاطر الكثيرون بحيواتهم من أجل بلوغها”.

ووفقا للمتوكل، “البعض يصل إلى إسبانيا، وآخرون يلقون حتفهم في الطريق ويتحولون إلى وجبة لأسماك القرش في البحر الأبيض المتوسط، يغادرون موطنهم الأصلي لأنه ليس هناك مستقبل في المغرب”.

التقيت “الغارديان” مع لاجئين مغاربة في مدينتي الجزيرة الخضراء وطريفة في الجنوب الإسباني، هربوا من المطاردات والملاحقات بالحسيمة في بداية الصيف المنصرم. من بين الهاربين يوجد شقيقان يبلغان من العمر 28 و19 على التوالي، وقريبان لهما، كلهم ثم إنقاذهم في غشت الماضي في البحر. وصلوا على متن دراجة مائية انطلاقا من شاطئ سواني بالحسيمة، إذ كان عليهم قطع مسافة 180 كلم.

“كنا نحن الأربعة على متن الدراجة المائية. كلفت الرحلة 6 ساعات من الحسيمة إلى السواحل الإسبانية”، يحكي أحد الريفيين الهاربين الذين يطلبون اللجوء في إسبانيا، “تعرضنا للضرب من قبل عناصر مكافحة الشغب المغربية خلال المظاهرات؛ أحمل في يدي تلك الآثار، هاجرنا من أجل البحث عن عمل. في الريف ليس هناك فرص للشغل”، يضيف المتحدث ذاته.

محمد شطاطو، أستاذ جامعي مغربي، أكد أن الحراك “شرعي ويطالب برد الاعتبار إلى منطقة على هامش المغرب تعرضت للنسيان منذ سنوات”. وأضاف أن هناك الآن نوعا من الهدنة، لكن لا يمكن القول إن الحراك انتهى أو فقد قيادته. الطبقة الحاكمة خائفة جدا، لهذا “تستخدم العصا والجزرة على أمل أن تهدأ الأمور”، كما يقول.

السلطات تحاول أن تقدم نشطاء مثل أمعرشا، كان سلفيا والآن هو شخص معتدل يدافع عن حقوق المثليين، على أنهم متشددون. وتعليقا على هذا الاتهامات، يرد أمعراشا قائلا: “يريدون تشويه سمعتهم عن طريق اختلاق اتهامات بالإرهاب”.

الجو متوتر في الحسيمة؛ إلى درجة أن كاتب هذه السطور تم إيقافه من قبل عناصر الشرطة بزي مدني في الحسيمة، في الوقت الذي كنت أجري فيه المقابلة مع أمعراشا، قبل أن يأخذوني إلى مخفر الشرطة، بعد ذلك مباشرة نقلت في المقاعد الخلفية لسيارة لمدة تسع ساعات، وأنا محاط بثلاثة رجال أمن، لأجد نفسي في طائرة، ويتم ترحيلي إلى لندن.

في الطريق من الحسيمة إلى الدار البيضاء كانت “الغارديان” شاهدا غير مرغوب فيه على الإفقار الذي يعاني منه الريف، تفتقر الطرق إلى البنى التحتية والمتطلبات الأمنية الأساسية، كما يعيش الناس في حالة عوز. شريف منصور المسؤول في لجنة حماية الصحفيين، أعلن أن هناك ثلاثة صحافيين مهنيين مسجونين على خلفية أداء مهامهم الصحافية، كما أنه تم ترحيل ثلاثة صحافيين أجانب على الأقل. “المغرب يعاني من نكسة مأساوية في حرية الصحافة”، يندد شريف منصور.

انتقدت هيومن رايتس ووتش في شتنبر الماضي، المقاربة الأمنية التي تتبعها السلطات في الريف، كما طالبت بالإفراج عن المعتقلين على خلفية احتجاجات الريف، غير أنه تم فقط في 29 يوليوز الماضي بمناسبة عيد العرش الإفراج عن 42 ناشطا، لكن الكثير من القادة المتهمين لازالوا خلف القضبان.

loading...
2017-11-12 2017-11-12
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي