حراك الريف لن يتوقف ما دام عدد كبير من نشطائه داخل السجون

حراك الريف لن يتوقف ما دام عدد كبير من نشطائه داخل السجون
شفيق عنوري

لم تكن تدري الساكنة التي خرجت عقب مقتل “محسن فكري” طحناً في شاحنة أزبال، معبّرة عن غضبها وسخطها تجاه السياسات المعمول بها التي همَّشت مناطق متعددة -لم تكن تدري- أن عفوية خروجها ستكشف الوجه الآخر للدولة المغربية وستسقط عنها ورقة التوت؛ البوليسية التي لا تؤمن سوى بلغة العنف، وسيجعل العالم يرى سوأتها ويشاهد كيف أنها واجهت احتجاجات سلمية تطالب بحقوق بسيطة؛ جامعة ومستشفى ومدارس وفرص شغل… بالقمع وحملات الاعتقالات العشوائية.

منذ أواخر أكتوبر، من السنة الماضية، وسكان الريف يصدحون بحناجرهم في الساحات، والشوارع، والأزقة، وحتى في التلال والجبال العالية، مطالبين بحقوق تمثل أدنى متطلبات العيش الكريم.. ورغم أن الدولة اعترفت في أكثر من مرة وعبر عدد من مؤسساتها بأن الاحتجاجات مشروعة والمطالب معقولة، إلا أنها في الآن نفسه مضت في طريق تكميم الأفواه وتفننت في ذلك منذ أن ثار أيقونة الحراك “ناصر الزفزافي” في وجه خطيب الجمعة؛ قمع، تهديد، واعتقال، بعدها زادت الاحتجاجات وانتشرت في كامل الريف وكثير من مناطق المغرب، لكن “المخزن” وبعد شهر من بدء مقاربته، قدم تهنئة عيد الفطر على “طريقته الخاصة”؛ القمع.. إلا أن ذلك لم يثنِ المحتجين عن الخروج، فاستمروا في ذلك، وصولاً إلى الأوج خلال مسيرة 20 يوليو/تموز؛ حيث نهجت الدولة مرة أخرى سياستها المعهودة، متسببة في سقوط “عماد العتابي” كشهيد ثانٍ للحراك.. عقبها بدأ نجم الاحتجاجات يخفت نسبياً، وقلَّت مناسبات خروج الساكنة؛ ليلوح في الأفق السؤال “المكيدة”: هل انتهى حراك الريف؟

لا يمكن لأحد إنكار أن المقاربة الأمنية نجحت في “إرهاب” فئة من المحتجين، وتركت أثراً بالغاً في نفوس أبناء هذه المنطقة، غير أنها لم توقف “حراك الريف”؛ لعدة أسباب كنت قد ذكرت بعضها في مقال سابق، ويمكن أن أضيف لها الأسباب التالية:

الأول: أن بلدات من الريف لا تزال تخرج للاحتجاج كل حين؛ تماسينت، إمزورن، واحتجاجات تلاميذية في عدد من المناطق. الثاني، وهو بيت القصيد: يكمن في “المقاربة الأمنية” ذاتها، من ناحيتين: الأولى: أن حراك الريف لن يتوقف ما دام عدد كبير من نشطائه داخل السجون، وما دامت نضالاتهم ومطالبهم قد أيّدت من طرف كل الأحرار ولا أحد أنكر عدالتها وجعلتهم يدعمون القضية من داخل وخارج المغرب، ووسعت دائرة التضامن بشكل كبير.

والناحية الثانية: أن “المقاربة الأمنية” التي دخل على أثرها عدد كبير من الريفيين غياهب السجون، جعلت حراك الريف يدخل إلى هذه المؤسسات وأنتجت معركة أخرى داخلها؛ معركة “الأمعاء الخاوية”، التي دخلها المعتقلون منذ عشرين يوماً، ويمكن أن تسوء الأحوال في أي لحظة، نتيجة تدهور الحالة الصحية للمضربين، وإن حدث هذا -لا قدر الله- سيمثل منعرجاً خطيراً في مسار الصراع بين الدولة والريفيين من جهة، وبين الدولة وكل أحرار المغرب من جهة أخرى.

وحتى لو افترضنا جدلاً أن الدولة تداركت أخطاءها الفادحة في تعاملها “بوليسياً” مع حراك اجتماعي عادل، وأطلقت سراح كافة المعتقلين، فهذا لا يعني أن الأمور انتهت عند هذا الحد.. لا يمكن لجروح الماضي التي سكب عليها الملح منذ الـ26 من مايو/أيار المنصرم، أن تلتئم بين ليلة وضحاها.. وإن لم تكن هناك نية يتبعها عمل لإصلاح ما أفسدته سياسة المخزن طوال عقود، سيكبر الجيل الصغير الذي شهد اعتقال إخوانه وآبائه وسيكبر معه الحقد والسخط على دولة قمعت مَن ظنّوا لوهلة أنهم أبناؤها، وحتماً سيحاول تغيير الوضع لكن الطرق قد تتبدل!

كل ذلك يؤكد شيئاً واحداً هو أن “المقاربة الأمنية” وُلدت ميتة؛ لأن نتائجها عكسية كيفما كان الحال.

ما دامت المقاربة الأمنية؛ القمع والاعتقالات، وما أسفرت عنه؛ سجن النشطاء، مستمرة، فلم ينتهِ الحراك، وحتى ولو غيّرت الدولة تعاملها مع الريف، فإن الحراك لن ينتهي؛ لأن استمراريته مرهونة بمعالجة المشاكل والأزمات التي أدت إلى بروزه، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن المقاربة الأمنية ووجود النشطاء في السجون دليل على أن الحراك مستمر لا العكس، كما يعتقد البعض، مع توضيح أن “الحراك” لا يتلخص في التظاهر فقط، فأشكال الاحتجاج متعددة؛ تظاهر، قرع الأواني، إضراب عن الطعام..

loading...
2017-10-11
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي