خالد الحسناوي يكتب: يوميات نونجا بمدرسة بشبذان!

خالد الحسناوي يكتب: يوميات نونجا بمدرسة بشبذان!
خالد الحسناوي

… وانا امشي … وانا امشي في اتجاه مدرستي اين قضيت دراستي في المراحل الإبتدائية، سمعت نفس الاصوات ونفس الصراخ ونفس الدموع التي كنت قد سمعتها مرارا وتكرارا وانا اقطع الوادي. تغير شكل الوادي حيث تم جرف تربته واحجاره ورماله نحو البحر وكأن تساقط الامطار هو الذي ساهم في هذه التعرية رغم ان الوادي يعرف جفافا لعقود.

تلك الاصوات كانت غريبة لا تشبه صوت الانسان ولا صوت الحيوان، انها اصوات الاشجار والرمال والاحجار. اشجار الصبار والتين والزيتون هي التي تصيح وتصرخ وكأنها تغرق في قاع البحر حيث تصيح: ” النجدة… النجدة …الهجرة … الهجرة … الى ما وراء البحار …. لا استطاعة لنا للصمود ولا للمقاومة ….. نريد الهجرة …. لربما نجد الراحة والاستراحة…”

وانا امشي واقترب من مدرستي واذا بي ارى فتاة بوزرة بيضاء في حوار مع امام مسجد الحي. اعتقدت في الوهلة الاولى انه لقاء بين المعلم والامام. يتحدثون بكل هدوء واحترام.

اقتربت منهما فتاكدت انهم في نقاش حاد. اقتربت ثم تمعنت النظر فلم تصدق عيناي ما رايت ولم اصدق ما شاهدت. بدات اطرح تساؤلات على نفسي: ” اهي فعلا نونجا…؟ متى عادت؟ لماذا لم يسمع سكان شبذان بان نونجا عادت الينا لتحكي حكاياتها؟ أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي وانا استعد للاقتراب منهم ومشاركتهم الموضوع.

انها فعلا نونجا، عينان مليئتان بدموع حمراء وكانها تسيل دما، يشبه تراب شبذان الشامخ. اشواك تضر قدميها، تمسح الدموع  من عينيها والدم من رجليها وهي في نقاش حاد مع امام حيها.

رايتها تهرول، ثم تمشي في اتجاه الاسوار الخلفية والامامية للمدرسة ثم تعود الى الإمام. تبتسم ثم تضحك حينما رات ان اسوار المدرسة الامامية قد زينت باحلى الوان قوس قزح والوان الجد والفرح. ثم تراها فجأة تبكي وهي غاضبة على اهمال اسوار حجرتها الخلفية وهي تتقادم وتواجه مشكلة الانهيار والاندثار. اما عندما اطلت من نافذة حجرة من حجرات الاقسام الخلفية ازدادت نونجا غضبا وحزنا، خاصة عندما رأت طاولتها ومقعدها و سبورة ومتحف قسمها وهي صامدة في نفس الحجرة ونفس المكان.

عادت نونجا مهرولة الى امام مسجد الحي ثم بدات تطرح تساؤلاتها المثيرة: ” ألا ترى كيف اصبح الحجر يبكي ويستغيث؟ الم ترى ان التين والزيتون والرمان يبكي؟ الم تسمع اصوات الوادي والرمال والاحجار وهي تستغيث؟ الم تسمع يا إمام الحي رنات ودقات قلوب اشجار التين والبرتقال والزيتون والصبار وهي تدق بسرعة الخوف والاسى؟ فهي كلها اصوات تنادي بالنجدة، تطالب بالبناء وعدم جر التراب والرمال والاشجار والاحجار و … و …. الى البحار فيتم الاهمال ويتحقق الاندثار. اسوار المدرسة بالية رغم صباغتها باحسن وألمع انواع الصباغة فهي تشكو بوشك الانهيار و الاندثار بسبب التقادم والاهمال.

كنا ايام نونجا واهنيا ويوبا نتلقى دروس االغة العربية بواسطة اللغة الامازيغية. كانت لغة مقصية قانونا لكنها كانت تعمل وتواصل مهمتها في البناء وايصال الرسالة على احسن حال. كان الامام يساعدنا على الفهم كان يشرح ويبين لماذا هذا وذاك وكيف هذا وذاك. كان الامام يبدع في عملية التدريس والتعليم. فتسمعه يقول: ” الف ورناقذ …. الباء اشت سوادي …. التاء اثنين سانج ….”

هكذا كانت اللغة الامازيغية تساعد اللغة العربية على الانتشار رغم ان الاخيرة كانت تحاول اقصاءها من الساحة. كان الامام يهتم بالمضمون في كتاباته. اما الشكل فبقي في مكانه، حيث بقيت الاحجار و الاشجار في مكانها. اما اليوم فان نونجا ترى ان الاعتماد على تغيير الشكل ساهم في تعرية الوادي، فتم اخذ احجاره ورماله كما تؤخذ اسماك البحار وثمار الاشجار وتباع في اسواق بعيدة عن مدرسة نونحا باثمان تستثمر في اسوار العمارات والفيلات وتزيينها باشجار مثمرة ومسابح للتسلية والاستراحة وراء اسوارها. اما مدرسة نونجا فهي لا تستفيد من نصيبها سوى شيء من الصباغة والالوان التي تتلاشى كلما سقطت الامطار في فصل الشتاء. مدرسة نونجا لم تستفد بحصتها، لم تستفد بثمار اشجارها وبذور مزارعها واحجار وديانها، رغم ان الاحجار احجارها والاشجار اشجارها والرمال رمالها والبذور بذورها.

هرولت نونجا مرة بل مرات نحو امام مسجد الحي فتقول: ” الم ترى ان في الحي خرابا؟  و ان المدرسة واسوارها وساحاتها اصبحت اطلالا؟

لماذا لم تقل لهم كفى فلربما يتم ارجاع الرمل و الحجر لبناء مدرسة نونجا ويوبا واهنيا ويتم المقر المستقر؟ لماذا يتم انتظار الباخرة من وراء البحار لتقوم بتغطية اخطاء قام بها قطار من امام نفس البحار؟ اليست لك مهمة الارشاد يا إمام الحي؟ فارشد و حاول ارشادهم لعلهم يتقون.

ترقبوا التتمة في الايام المقبلة…

loading...
2017-09-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي