عمر سعلي – “القوة الثالثية” التي تتحكم في المشهد السياسي بالمغرب منذ نصف قرن

عمر سعلي – “القوة الثالثية” التي تتحكم في المشهد السياسي بالمغرب منذ نصف قرن
حسيمة سيتي – عمر سعلي

كما تعرفون ،أن فترة نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ، والسنة الأولى من بداية الستينيات كانت أخطر زمن السياسي مر به المغرب ، وحتى بعد “خطيئة” التفاهمات التي جرت في بلدة إكس ليبان الفرنسية والتورط الغامض لبعض أقطاب السلطة المغربية في اعتقال رموز الثورة الجزائرية صيف1956 ، بعد هذا كله إضافة إلى التنكيل الذي لحق بالمقاومين الميدانيين ، كان بالإمكان تشييد مصالحة حقيقية بين كل الأفهام والتصورات التي كانت موجودة إبان تلك الفترة ، و فعلا حسب كل المراجع التاريخية أن ما اصطلح عليه أنذاك بحكومة عبد الله إبراهيم كانت تسعى إلى بناء بعض من الثقة وتثبيت أسلوب جديد للعلاقة بين مختلف أقطاب السلطة بالمغرب ، هذا ولو بشكل محتشم ، لكن بالرغم من التناقضات التي فرضت من داخل هذه الحكومة أثناء تشكيلها ، من قبيل فرض بعض “المجرمين” والبيادق كالكولونيل محمد المذبوح ضمن وزرائها (سمي بالمذبوح لكون والده قتل ذبحا من قبل المقاومين الريفيين إثر مساعدته المالية والميدانية لقوات الإحتلال الإسباني في زحفها على الريف وقمع الثورة الريفية )،هكذا بالرغم من “التحكم ” الذي شاب عملية تأسيس حكومة عبد الله إبراهيم لم يتوانى السيد محمد رضى كديرة أحد المقربين جدا لولي العهد الحسن إلى إعلان تشكيل نخبة أو حكومة موازية مكونة من كل من شخصه وأحمد الغزاوي مدير الشرطة والحامل للجنسية الأمريكية وإدريس المحمدي وامحمد باحنيني وأحمد العلوي، والجنرال الكتاوي والكولونيل أوفقير ، التشكلية التي اتضح لاحقا تورطها في إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم ،ولم يكن حسب المراجع التاريخية إعفاء الكومندار بلير أحد عملاء المخابرات الإسرائلية والأمريكية قبل أسبوع من إسقاط الحكومة إلا نقطة في بحر التآمر على هذه الحكومة التي اقتربت لتكون حكومة تقدمية قادرة على تأميم بعض الإقتصاد وتحصين الإستقلال السياسي بالرغم من كل الأخطاء المأثرة التي ارتكبت.

دائما، كما رأينا أنه توجد يد خفية تعمل على تنظيم الحياة السياسية بالمغرب والتحكم فيها ، يد ليست هلامية كالتي تتحدث عليها النظرية اللبيرالية للإقتصاد السياسي ، وإنما يد مادية حقيقية انطلقت في تلك الظروف التي رأيناها ولا تزال قائمة إلى اليوم ، وربما من أحد مزاياها على لاعبوها هو تكريس الإزدواجية وتداخل المهام بحيث يكون من الصعب تحديد المسؤوليات وتصنيفها وبالتالي لا توجد أي محاسبة حقيقة إلا إذا كانت محاسبة كيدية أو مفتعلة ، أما مؤسسة النظام الرئيسية فربما لا ترى في الديمقراطية أي حصانة لها ولها تخوف من تحرير الإختلاف السياسي لإعتقادها أنه يرادف ضعفها أو عجزها أو عزلتها .

هذا الخوف الدائم من الضعف هو الذي ولد هذا الكم من الأحزاب السياسية ، وخاصة التي أسست بقرار إداري ، ومن طرف التيار السائد الذي استطاع أن يتطور مع الوقت ، وأن يخرج في كل مرة بظاهرة جديدة أو حزب جديد ، من حزب جبهة القوى الديموقراطية التي أسسه محمد رضة كديرة منتصف الستينيات إلى حزب التجمع الوطني الأحرى المؤسس أيضا بقرار إداري سنة 1978 من طرف صهر الملك أحمد عصمان قصد إحتواء البرجوازية التجارية والصناعية وأن يكون اليد الطولى للإدارة في تنظيم المشهد السياسي والتحكم فيه ، ثم حزب الإتحاد الدستوري الذي أسسه مرة أخرى رجل مقرب من الإدارة اسمه المعطي بوعبيد ، الرجل الذي اكتسب شعبية كبيرة لنشاطه النقابي والرياضي المكثف ، وأهمية هذا الحزب التي خرج سنة 1983 تكمن في تصريف الضغط الذي أحدثته سياسية التقويم الهيكلي التقشفية ، فلم يهدأ غبار تأسيس الإتحاد الدستوري حتى جاء الإنقلاب المعروف الذي حدث نتيجة تدخل الإدارة في مؤتمر حزب الحركة الشعبية ، والذي بسببه انشق هذا الحزب وخرجت منه الحركة الوطنية الشعبية كرد من المجحوبي أحرضان على فرض امحند العنصر على رئاسة الحزب سنة 1986 ، وكما تابعتم كان أخر عنقود “ملحمة” التوليد القيسري للأحزاب هو جزب الأصالة المعاصرة ، الجزب الذي كبرت أمال مؤسسيه بالرغم من عاهة ولادته ونشأته ، إلى سقط أخيرا قبل 5 سنوات و معه كل أمال مرشيده في المصالحة والعهد الجديد ومشاريع معالجة مواطن أخطاء الدولة في الريف والصحراء .

إن الأحزاب الإدارية بالمغرب وحتى الغير الإدارية التي أربطت خطها السياسي وأرهنتم بالغير ، تحن إلى نفس الأب وتشارك الهرمونات والخاصيات والظروف نفسها ، فهي لا تمتلك القرار ولا تناقش الأوامر ، لا تمتلك خطا سياسيا ولا تعقد مؤتمرات حقيقة وكما عرفناها منذ نصف قرن أن اختلافات قياداتها وبرامجها تناقش في فيلات الرباط والهرهورة ، من تلك الفضاأت تخرج قراراتها وأسماء زعماءها ويحدث أن اكتفى شباب عرس المؤتمرات بالتصفيق والتهليل لا غير .

لم يكن فشل حزب الإصالة المعاصرة في احتواء القضايا الكبرى استثناأ فالحسن الثاني نفسه كان يرفض زج هذه الأحزاب في الحسابات السياسية الكبرى لإعتقاده بضعفها وهوانها وتفشي الإستزاق والإنتهازية الخطيرة فيها .. لذلك قال يوما لأحد محاوريه ” (…) لولا الملكية التي تولت حماية الأحزاب لرجمها الشعب بالحجارة” ، ففي كل محطة دقيقة يتم الإستناد إلى أكثر المكونات شعبية وقدرة على الحشد الجماهيري والتأثير ،قبل أن يتم التخلص منها وتهميشها وفي أحسن الأحوال إضعافها وضرب مصداقيتها ، وفي هذا السياق أمثلة كثيرة من التاريخ السياسي المغربي لعلنا نقف عندما في مقال أخر .

في المغرب يوجد تيار ، نشأ وترعرع في ظل الحماية الفرنسية ،ومن ثم برز بعد الإستقلال الشكلي في أشكال أكثر قوة وقدرة ، تم تمثيله بأوجه متعددة وعرف بأسماء مختلفة تعددت حسب الظروف والمراحل التي برز فيها ، بروزا فقط لأنه موجود في جميع الأحوال ، لا يضمحل ، هي يد خفية تعمل مهما تقوت نصوص الدستور المؤطرة للمشهد السياسي المغربي ومهما تغير الخطاب الرسمي ، هو شكل من السلطة ظاهريا يبدوا هجين وفي أغلب وجهات النظر وقف المثقفون بالمغرب على أن هذا الجسم والتيار هو من يقف عائقا أمام أي انتقال ديموقراطي حقيقي بالمغرب .

loading...
2017-01-04 2017-01-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي