الريف الكبير … شساعة الجغرافيا ووحدة اللغة والتقاليد

I- الإطار الجغرافي

الريف جغرافيا يقصد به سلسلة الجبال الممتدة على شكل قوس كبير من مضيق جبل طارق غربا إلى ملوية شرقا، وتحد من الشمال بحافة صخرية كثيرا ما تكون صلبة ومنيعة على طول الساحل المتوسطي، وتنخفض جنوبا اتجاه التلال السفلى المعروفة بتلال مقدمة الريف([1]).

1-     مميزات جبال الريف

يبدو من الصعب اختراق سلسلة جبال الريف رغم أن الارتفاعات منخفضة نسبيا، إذ نادرا ما يتجاوز علو الجبال ألفي متر،. فقد نتج عن تراكم وتطابق مجموعة من الأجراف الصلصالية مظهر عام لسلسة مقوسة، لكن بالمقابل يغيب التجانس في طبيعة الصخور مع وجود تقطيع كبير في الوحدات التضاريسية([2]).

يرتكز في الغرب ظهر كلسي فوق السطوح القديمة، ويشكل حاجزا حقيقيا مع تميزه بمظهر ضخم، وبتوالي قممه التي تقارب ألفي متر. وفي الوسط تنتشر سلسلة الأعراف العالية من الحت والكوارتزيت اتجاها شرق-غرب. وهذه السلسة مترابطة ومتصلة بالجبال في اتجاه الجنوب ولتشكل في الأخير صفا جبليا تصل ذروته عند جبل “تد°غين” بعلو يصل إلى 2452 متر. أما في الشرق فتعرف التضاريس نوعا من الانخفاض، لكن مع ذلك فإنها تحدث ضغطا كبيرا، وتقل مع وجود سهول عليا منحصرة داخل سلاسل مرتفعة. وترتبط هذه التضاريس بخوانق عميقة بمئات الأمتار عند المناطق المنخفضة الساحلية([3]).

2-  أقسام الريف

أ‌- الريف الغربي

تتميز منطقة الريف الغربي (المعروفة ببلاد جبالة) بداية بسيادة تضاريس من التلال المرتفعة مكونة من الشيست، والتي يصل ارتفاعها غالبا إلى سبعمائة متر، وتنخفض هذه التلال بشكل سريع في اتجاه الغرب. وفي اتجاه الشمال الشرقي تعلو التلال أحيانا قمم جبلية محاطة بحت مقاوم، يصل ارتفاعها إلى 1700 متر عند جبلي “سوگنا” و”غيسانا”([1]). وتعتبر هذه الجهة واحدة من أكثر الجهات استقبالا للتساقطات بالمغرب، إذ تصل كمية الأمطار إلى متر واحد خلال السنة بالتلال الأكثر انخفاضا، وإلى متر ونصف في المناطق التي يصل ارتفاعها إلى 1500 متر. وتتعدد المنابع المائية وتوجد بصفة رئيسية عند أقدام الجبال. كما تكسو غابة البلوط الفليني والبلوط الأخضر مساحات شاسعة. ويجمع الاقتصاد القروي بطريقة متوازنة بين زراعة الحبوب واستغلال الغابة، ثم تربية الماشية([2]). الخريطة الطبيعية للريفMaurer GERARD et autres, Géographie du Maroc. Ed Hatier/Librairie National, Paris/Casablanca, p. 87

ب-  الريف الأوسط

تعتبر هذه الجهة من أكثر  الجهات ارتفاعا بالريف، إذ يتجاوز علو الظهر الكلسي ألفي متر. تنتشر بالشمال الغربي أعراف من الحت، خاصة في جبل “تيزيران” المشرف على البحر المتوسط . توجد في الوسط أعراف من الكوارتزيت يصل مداها عند جبل “تدغين” إلى 2452 متر. وفي الجنوب الشرقي لواد ورغة يصل ارتفاع الكتل الكلسية والشيستية في “تايناست” إلى 1800 متر([1]).

وتعتبر المناطق المرتفعة أكثر رطوبة، إذ تتجاوز التساقطات ألف ميليمتر في السنة. خلال فصل الشتاء تكسو الثلوج المرتفعات لعدة أسابيع. ويتسم النشاط الزراعي بتواضعه، ويتمركز خاصة على طول واد ورغة وواد النكور، كما نجد بعض المغروسات مثل التين والكروم في بعض التلال بجوار بورد([2]).

ج- الريف الشرقي

يتميز الريف الشرقي بانخفاض تضاريسه، مقارنة مع الريفين الأوسط والغربي. ومناخ المنطقة جاف، إذ لا تتجاوز التساقطات أربعمائة ملمتر في السنة. وتختفي الغابة تماما باستثناء بعض المرتفعات التي تكسوها أشجار صغيرة من البلوط الأخضر. وبسبب الجفاف فإن النشاط الزراعي للريف الشرقي غير قار، ونلاحظ انتشار زراعة الحبوب التي يتذبذب إنتاجها حسب السنوات. وبالنسبة للأشجار فتنتشر أشجار التين واللوز. وتعتبر هذه الأخيرة الشجرة المميزة للريف الشرقي([3]).

ينتج عن قلة التساقطات، خاصة بحوض كرت الأعلى، غطاء نباتي ضعيف يتكون من سهوب الحلفاء والعناب. منطقة صغيرة فقط من هذه السهوب السهلية تنتشر فيها زراعة مسقية، إما على طول الحافات في بعض المنابع المائية، وإما في الوسط على طول الواد

الرئيسي، مثل واحة ميضار على واد كرت. وفيما يخص الزراعات الجافة فهي محدودة رغم وجود بعض مغروسات الزيتون. ويبقى نشاط الرعي يغطي المنطقة غير المغروسة([1]).

كلمة الريف، سيبقى السؤال مطروحا حول أصولها، ما لم تظهر دراسات لسنية جديدة من شأنها أن تحسم في أصل هذه الكلمة. فالمعنى العربي حسب ابن منظور([2]):

“الريف، الخصب والسعة في المآكل، والجمع أرياف فقط. والريف: ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، والجمع أرياف وريوف. (…) والريف أرض فيها زرع وخصب. ورافت الماشية أي رعت الريف. وفي الحديث: تفتح الأرياف فيخرج إليها الناس؛ هي جمع ريف، وهو كل أرض فيها زرع ونخل.”

وكلمة الريف بالأمازيغية تعني الحافة والساحل([3])، ونجد نفس المعنى الأمازيغي للريف في اللاتينية إذ نجد كلمة Ripa  تعني الضفة والساحل([4]). وفي الحقيقة فإن الريف يصدق عليه هذان التعريفان معا:

–                     فالمعنى الأول الذي يفيد الخصب والسعة في المأكل، لا يتناقض مع ما تتوفر عليه هذه المنطقة من منخفضات وأودية ذات إنتاج فلاحي، فضلا عن منتجعات خصبة، خاصة في حوض النكور.

–                     أما التفسير الثاني لمفردة الريف، أي الضفة أو الساحل، فيبدو أكثر مطابقة للواقع الجغرافي لهذه المنطقة، إذ كما نعلم تقع على الواجهة المغربية المطلة على البحر المتوسط.

II-  الإطار التاريخي والبشري

سيتولد من المفهوم الجغرافي العام للريف، مفهوم تاريخي ضيق يقصد به تحديدا مجموعة من القبائل الواقعة ما بين وادي كرت شرقا ووادي “أورنيكا” غربا، ومن البحر المتوسط شمالا إلى كتلة صنهاجة السراير وگزناية جنوبا.

ومن بين الوثائق التي يمكن الاستدلال بها في هذا السياق، نموذج يبدو أكثر تعبيرا عن حدود بلاد الريف في ذهنية المخزن أواخر القرن التاسع عشر؛ ويتعلق الأمر بوثيقة مخطوطة تحمل عنوان: “تقييد قبائل الريف، وفرقهم، وأفخاذهم على مقتضى النظر الشريف. وقيد في أواسط شعبان الأبرك عام 1309″([1]) فهذا التقييد العام لقبائل إقليم الريف، والذي أجري في أواسط مارس 1890م، يعد حسب الباحث محمد أونيا([2]):

[quote]

بمثابة إحصاء عام للقبائل وفروعها الرئيسية (الأرباع والأخماس) باعبارها –في منظور المخزن- وحدات جبائية يقاس على أساسها مبلغ الجباية (الواجبات) التي يفرضها المخزن الشرعي على رعاياه في تلك القبائل، والتي بلغ مجهوعها حسب هذا التقييد واحدا وعشرين قبيلة. أولها من الجهة الغربية قبيلة متيوة (المعروفة أيضا بمتيوة الريف أو متيوة البحر)، وآخرها في الجناح الشرقي قبيلة كبدانة والأعراب أولاد ستوت. أما في الجنوب فقد تم إحصاء قبيلة كزناية وأهل تاركيست وبني مزدوي (جاء في التقييد بني مزدوك) وبني عمارت (كتبت بني عماط في التقييد نفسه).”[/quote]

قبل أن ننتقل إلى القرن العشرين لإلقاء نظرة عن مدلول الريف، هناك ظاهرة تسترعي الانتباه، وتتجسد في بروز تقسيم ثنائي لشمال المغرب بدأ يفرض نفسه منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهو تقسيم يقتصر في الغالب على ذكر الريف وجبالة، دون غمارة التي توارت وراء هذين الاصطلاحين الأولين. أضحى هذا التقسيم الثنائي لشمال المغرب عنوانا فرعيا لكتاب مولييراس (المغرب المجهول) والمشتمل على قسمين: الأول تحت عنوان «  Exploration du Rif » طبع بباريس سنة 1895، والثاني

« Exploration des Djebala » طبع بنفس المدينة سنة 1899، والذي يفهم منه أن غمارة أصبحت ضمن نطاق جبالة([1]). كما أصدر معهد الدراسات العليا المغربية سنة 1926 كتابا يضم بين دفتيه مجموعة من المحاضرات تحت عنوان “الريف وجبالة” « Rif et Jbala» وهو عنوان يزكي التقسيم الثنائي المذكور وذلك بالرغم من أن بعض المساهمات كالتي أنجزها روبير مونطاني (Robert Montagne) قد ميزت بشكل واضح بين منطقة الريف وبين غيرها من التكتلات الاثنية المجاورة([2]).

إن هذه الخريطة تظهر القبائل الريفية منحصرة بين كتلة غمارة غربا وقلعية شرقا والساحل المتوسطي شمالا وكتلة صنهاجة السراير وقبيلة كزناية جنوبا، ومجموعها خمسة عشر قبيلة، وهي من الغرب إلى الشرق: قبيلة متيوة، وبني جميل، ومسطاسة وبني بوفراح، وبني يطفت، وتركيست، وبني مزدوي، وبقيوة، وبني ورياغل، وبني عمارت، وبني توزين، وتمسمان، وبني أوليشك، وقبيلة بني سعيد. وكل هذه القبائل تشكل جزء من “إقليم الريف” التاريخي الذي يتكون جزؤه الثاني من ستة قبائل وهي: قلعية وكبدانة وأولاد ستوت، بني بويحيي وگزناية ومطالسة. وبذلك يكون المجموع العام هو واحدا وعشرين قبيلة. إلا أن هناك من يضيف إليه القبائل التسع المكونة لكتلة صنهاجة السراير(*) فيصبح المجموع العام هو ثلاثون قبيلة، كما نجد عند الباحث الفرنسي Biarnay في مقدمة  كتابه ([1])Etudes sur les dialectes Berbères du Rif.

محمد أونيا، "مفهوم الريف المغربي"، ص. 30
محمد أونيا، “مفهوم الريف المغربي”، ص. 30

ولعل هذا ما يقصده “ميشوبيلير”([1])( (Michaux-Bellaire عندما عرف إقليم الريف قائلا:

[quote]

إن الريف بالمعنى الحصري (Le Rif proproment dit) يمتد من غمارة إلى واد النكور. ويتضمن قبائل متيوة البحر، بني سدات، بني خنوس، تاغزوت، بني بونصار، بني بوفراح، بني جميل، زرقت، تاركيست، بني يطفت، بني مزدوي، بني عمارت، بقيوة، بني ورياغل. وأضيف بسرعة، بأنه يتم، اليوم، إدخال كرط ضمن الريف. وأنه ينبغي أن نضيف إلى هذه القائمة القبائل الواقعة ما بين النكور وواد كرط: تمسامان، بني سعيد، بني أوليشك، بني توزين، تافرسيت، كزناية. وحتى تلك المنحصرة بين واد كرط وملوية: قلعية، بني شيكار، بني بويفرور، أولاد ستوت، مطالسة، أولاد بوياحي وكبدانة.[/quote]

ما يلاحظ هنا هو أن الريف بمعناه الحصري يتكون من القبائل الواقعة ما بين غمارة غربا وواد النكور شرقا، ثم تنضاف إليه كتلة صنهاجة السراير وقبيلة بني عمارت وگزناية وقبائل كرت، وقلعية وكبدانة حتى حدود ملوية شرقا. وهذا المجال الواسع هو المعروف تاريخيا بإقليم الريف. وهذا ما سيتضح جليا من خلال الخريطة اللغوية الأمازيغية.

بالنسبة لحدود الريف اللغوية، لقد كان الباحثون الأوربيون خاصة الفرنسيون منهم السباقين إلى تناول “اللهجات” الأمازيغية بالدرس والتحليل. فلقد حدد “بيارني”([1]) الريف كما يلي:

[quote]

يتضمن الريف، اليوم(*)،حوالي ثلاثين قبيلة. قد تكون أكثر أو أقل أهمية، والتي لا تتوفر، بالنسبة للأغلب منها، سوى على معلومات مستقاة بواسطة أخبار غير مباشرة، وهي كلها من أصل بربري. إن البعض منها، والذي يقع على حدود الغرب أو الجنوب، أصبح معربا تقريبا. والمنتمية إلى الشرق، تتميز بكونها تنتسب إلى زناتة التي تتحدث بلغتها. أما المنتمية إلى الوسط أو الغرب، فتزعم أنها من أصل غماري. والبعض الآخر المتمركز في قلب جبال الريف في منحدرات جبالة، يدعي أنه صنهاجي.[/quote]

إن سكان القسم الشرقي من الريف، لهم كلام يشبه كثيرا كلام مجموعة زناتة الكائنة شرق ملوية. إن الريفيين –بالمعنى الحصري- يطلقون على لهجاتهم اسم “تمازيخت” أو”تاريفيت”، وهذه أكثر تطورا وربما أكثر استعمالا من تلك التي تتحدث بها قبائل الريف الشرقي”.

يتضح من هذا التحديد أن الريف لدى بيارني، يعني المنطقة الممتدة بين واد كرت شرقا وواد بني جميل غربا. أما الريف الشرقي فيدل لديه على المنطقة التي تقع بين واد ملوية شرقا وواد كرت غربا.

في سنة 1952، نشر أحد الضباط الإسبانيين، واسمه “ڤالنتين بينيتيث كانتيرو” (Valentin Beneitez Cantero) كتابه “السوسيولوجيا المغربية” (Sociologia Marroqui)، وقد أورد فيه خريطة لسنية لمنطقة الحماية الإسبانية في شمال المغرب. وتبين هذه الخريطة ما يلي: أن الجزء الغربي من شمال المغرب والممتد من واد مسطاسة شرقا حتى المحيط الأطلسي غربا ( أي غمارة وجبالة) تسوده الدارجة العربية ما عدا خليط من الدارجة العربية والأمازيغية في قبيلة بني بوزرة. أما القسم الشرقي (أي إقليم الريف) والممتد من واد مسطاسة غربا حتى حدود ملوية شرقا، فلغته هي الأمازيغية باستثناء بعض القبائل التي نجد فيها العربية الدارجة ممزوجة بالأمازيغية، كما هو الشأن في مسطاسة و بني بوفراح وبني يطفت. وكان على الكاتب أن يضيف قبائل صنهاجة السراير وتاركيست. كما أشار أيضا إلى وجود “لهجة” أمازيغية تسمى “شلحة تغزوتية” بقبيلة تاغزوت، و”شلحة كتامية” بقبيلة كتامة ([1]). هكذا يلاحظ أن حدود الريف اللسنية تكاد أن تتطابق مع حدوده التاريخية البشرية.

الخريطة اللسنية للريف Jbala-Histoire et société. (Ouvrage collectif), ed CNRS/Paris WALLADA/ Casablanca 1991, p. 458.
الخريطة اللسنية للريفJbala-Histoire et société. (Ouvrage collectif), ed CNRS/Paris WALLADA/ Casablanca 1991, p. 458.

وبعد تمكن إسبانيا من بسط نفوذها على الشمال المغربي، قامت إدارة الحماية بوضع خريطة سياسية-إدارية جديدة تتكون من خمس مقاطعات هي: مقاطعة اللوكوس ومقاطعة

جبالة ومقاطعة غمارة، ومقاطعة الريف الممتدة من واد مسطاسة غربا إلى واد النكور شرقا، ومن أهم مدنها Villa San Jurju أي الحسيمة حاليا. وأخيرا مقاطعة كرت التي تمتد من النكور غربا إلى ملوية شرقا، ومن أبرز حواضرها مدينة الناضور. وكلا هاتين المقاطعتين (الريف وكرت) يشكلان ما عرف بإقليم الريف التاريخي، وهما نفس الإقليمين اللذين يكونان حاليا إقليمي الحسيمة والناضور. وسيكون هذا هو مجال اشتغالي في هذا البحث، ما دام أن النصوص الشفوية التي بين يدي تنتمي لهاتين المنطقتين.

محمد أونيا، "مفهوم الريف المغربي"، ص. 34.
محمد أونيا، “مفهوم الريف المغربي”، ص. 34.

III-  البنيات السوسيو-ثقافية للريف

بعد الحديث عن الإطار الجغرافي، والتاريخي والبشري، سأحاول في هذا العنصر تناول البنيات السوسيو-ثقافية للريف. لقد استأثرت القبيلة الشمال إفريقية بصفة عامة والقبيلة المغربية بوجه خاص، كموضوع للبحث والدراسة، باهتمام قطاع عريض من الباحثين والدارسين، وفي مقدمة هؤلاء منظرو الاستعمار الفرنسي، من مؤرخين وعلماء اجتماع، والذين قاموا بالبحث في خبايا القبائل قصد فهمها لتسهيل إخضاعها من قبل الإدارة الاستعمارية. وقد انبثقت مجموعة من التحليلات الأنثربولوجية، وعلى رأسها “التحليل الانقسامي”([1]) (Analyse segmentaire) الذي اقترح صيغا جديدة لتفسير الميكانيزمات المتحكمة في المجتمعات المغاربية.

أما ظهور الخطاب الانقسامي حول المغرب فقد تم على يد مجموعة من الأنتربولوجيين الأنجلوساكسونيين ومن بينهم الانجليزي “إرنست گلنير” (Ernest Gellener)  الذي طبق النظرية الانقسامية عند دراسته لقبائل الأطلس الكبير الأوسط الموالية لزاوية أحنصال.([2])

وتندرج دراسة “العرض والبركة” ( Honneur et baraka) التي أنجزها “رايمون جاموس” (Raymond Jamous)   حول قبيلة قلعية، في إطار الدراسات الأنثروبولوجية الجديدة التي تستقي مناهجها التحليلة من المنظومة الانقسامية. وقد ركز “رايمون جاموس”

في دراسته على “أولوية التراب على العلاقات القرابية، واعتبر القرابة في المجتمع الريفي على العموم معطى تابعا وخاضعا لروابط المكان”([3]). فقد لاحظ الباحث أن سكان قلعية لا يدعون أنهم ينحدرون من جد مشترك يشتق منه اسم القبيلة. لكن، بالرغم من طغيان الروابط الترابية هذه، فإن النسق القبلي يظل نسقا تجزيئيا يتخذ صورة شجرة([4]).

من هنا، فإن التحليل الانقسامي يتأسس عند “جاموس” على مفهومي “العرض” (Honneur) و”البركة” (Baraka). فالعرض يرتكز على ما يسميه بالعنف المؤسساتي الذي يتمثل في عملية “التحدي والتحدي المضاد”([5])، والمتمحور حول مجال المحرم الذي

يتحدد عند قلعية في: الأرض (Territoire) والمرأة (La femme)، والدار(La maison ) والملك  (La terre)([1]).

فكل مجموعة قبلية تدافع عن مجالها، كما أن كل رجل ينبغي أن يحمي مجاله المحظور (الزوجة، الدار والأرض)، إذ لا يعتبر الرجل رجلا إلا إذا كان يملك الأرض ويدافع عنها، لأن الأرض تبقى رمزا رئيسيا للقوة ومرجعا أساسيا يحدد الهوية النسبية للفرد، حتى إن هذا الأخير إذا هاجر أرضه، فإنه يفقد انتماءه. ثم إن ملكية الأرض “شرط ضروري بالنسبة لمن يطمح إلى احتلال مراكز النفوذ. وتأسيسا على ما تقدم، لا يعتبر “جاموس” الدفاع  المشترك ضد الأخطار الخارجية كشرط وحيد لتوحد القبيلة، كما ذهب الانقساميون الكلاسيكيون، بل إن هذا التلاحم يرتبط أساسا بمجال العرض الذي يحول في نفس الوقت دون بروز الأشكال القاهرة للسلطة القبلية([2]).

أما “دافيد هارت” (David m. Hart)، صاحب الأطروحة الضخمة حول قبيلة أيت ورياغل، (The Aïth Waryaghar of the Moroccan Rif, An Ethnography and History)([3]) فيركز في تحليله للبنيات الاجتماعية والسياسية التقليدية في قبيلة أيت ورياغل على مفهومين أساسيين يشكلان عصب نظريته الانقسامية، وهما: مفهوم التعارض والتحالف من جهة، ثم الثأر (La vendetta) وغرامة “ار°حق” أي الإنصاف، من جهة ثانية. وتعد آليات التعارض والتحالف التي تتحدد من خلالها أنساق دقيقة كنسق “الأخماس” و”اللف”، من الميكانيزمات التي تنتظم وفقها المجموعات الورياغلية في بيئة ذات ظروف خصوصية([4]).

وعلى العكس مما لاحظه “رايمون جاموس” عند قلعية من وجود تبعية العلاقات القرابية للعلاقات الترابية، فإن الجنيالوجيا تلعب عند بني ورياغل وظيفة رئيسية في تمييز هوية وتصنيف انتماء الوحدات القبلية. أما العلاقات الترابية فإنها تبدو ثانوية في تحديد

علاقة المجموعات الورياغلية، ويكمن سبب ذلك في أن معظم تلك المجموعات تتوزع عبر مجال متقطع ومتداخل الحدود، ومن هنا تصبح رابطة “الأخوة” عند بني ورياغل أداة ضرورية تتم الاستعاضة بها عن هذا اللاتواصل الجغرافي من أجل الحفاظ على أواصر القرابة والانتماء بين العشائر الأصلية التي مكثت بالجبل، وأخواتها التي انحدرت نحو المنخفضات، إذ بدون هذه الروابط يستحيل على آلية الانقسام أن تحافظ على توازنها، وأن تحدد بدقة المجموعات التي يتعين عليها أن تدفع، أو أن تتسلم حصتها من الغرامات المفروضة أثناء تطبيق الأعرراف المحلية. كما يصعب –بدون ضبط حبل النسب- أن تقوم شبكة اللفوف بوظيفة التوازن أثناء نشوب النزاعات والصراعات بين الفرق القبلية([1]).

وبناء على ما سبق، فإن بنية المجتمع الورياغلي تظل بنية انقسامية بامتياز، تتخذ شكل شجرة، بدءا من أصغر وحدة اجتماعية، التي هي “النّوبث” أو الدار، وانتهاء بأعلى وحدة وهي “ثاقبيتش” أي القبيلة،  مرورا عبر الأسرة الكبيرة المسماة محليا بجاجگو، ثم ثار°فيقث، بمعنى سلالة و”دشار”، فالقسمة القبلية الكبرى التي تدعى “ثخماسث” أي “الخمس” أو أحيانا “أر°بع”، أي الربع الذي يطابق الفخذ fraction) أو clan  أو كذلك [2]) (section).

أما من جهة القيم الاجتماعية السائدة في الريف فهي العمل الذي يعتبر قيمة اجتماعية ترفع من مكانة الشخص. أما المتهاون، أو الذي يريد العيش عالة على غيره بدون عذر، فلا مكان له، ويمكن للمجتمع الريفي أن ينبذه.

والعمل في الريف متداخل حسب المواسم والحاجيات، ويتعاون كل أفراد الأسرة والعائلة، رجالا ونساء وأطفالا، كل حسب تخصصه وقدراته. وما يميز الحياة الاجتماعية لسكان الريف، إلى حدود ما بعد حرب المقاومة الريفية، هو نمط من الإنتاج الجماعي المعروف بثويزا، فالإنتاج الفلاحي يقوم على إمكانات العائلة والأسرة، ونادرا ماكانت التركة تقسم بين الورثة بعد وفاة الأب حفاظا على وحدة الأرض، لأن تقسيمها يؤثر على إنتاجيتها.

وتوفر ثويزا، التشارك في وسائل الانتاج، من دواب، وأدوات الحرث، والحصاد والدرس، وجمع التبن… وبعد جمع المحصول يتم تقسيمه بين الأسر، أو يستهلك بشكل مشترك. وغالبا ما يصاحب هذه الأعمال الفلاحية ترديد الأشعار المعروفة بإز°ران، للتخفيف من عناء العمل، أو للاحتفال بنهاية الموسم الفلاحي.

loading...
2016-12-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات31 تعليق

  • الصمت لغة الرقي

  • Abdallah Fekkour

    المملكة المغربية من طنجة إلى الكويرة تحت الراية الحمراء و النجمة الخضراء والشعار الله الوطن الملك.

  • DjellouLi Dahmano Jugurtha

    Les rifis les hommes khoutna w on a le même sang au passage je salut tt les béni zeroual

  • Cen Aou

    مع الاسف وحدة الريف لغويا تندثر

  • Rifiya Olabass

    Xofo al3arbiyiin baliya lssan dyalkom ghadi oqayatwal o9lb dyalkom ghadi ka yaqhalll Hhhhh. Alhaxarattt

  • سارة ميري

    كلنا مغاربة ماكان فرق لا مابين جبلي ولا ريفي ❤

  • Youssef Bekri

    وليمادا هدا ساب يااخي في الله

  • Youssef Bekri

    ناش امزيغ وديني بو فرق

  • Youssef Bekri

    هههههه

  • Marwan Mazagan

    تماما الريف كمنطقة جغرافية فهو كما في الصورة أما اللغة والانتماء فهناك تنوع

  • Omar Rihani

    هههههههه وهل الشاون او تطاون اسم عربي….ربما كان اجدادك هربوا من الاندلس عندما كان الفونسون ينكحهم فرموهم في البحر الينا

  • Mustapha Ayari

    هناك جهات خارجية تستغل جهل بعض المغاربة لتقسيم البلاد حذاري

  • Achraf Podolski

    الريف كجغرافية واحد وموحد من حيت التقاليد لكن جبالة هم جزء من الريف اما لو اعتبرنا الريفي هو فقط من يتحدث تاريفيت . فهذا يعني ان نصف سكان الاقاليم التي ذكرتها غير ريفيين فاقليم الناظور هناك مدن زايو والعروي وكبدانة غير ناطقة بالريفية . واقليم الدريوش مركزه اغلب سكانه لا يتحدثون الريفية . حتئ اقليم الحسيمة باستثناء ايمزورن وبني بوعياش اغلب مناطقها ناطقة بامازيغية صنهاجة سراير او اللهجة الجبلية .

  • Youssef Bourhars

    عطيني شي ثوية

  • Madridi Rifino

    شمال افرقيا بربرية ماشي عربية يا حمار

  • Madridi Rifino

    حنا اوباش اولد الشيخه ولكن حنا مشي قوادا و بياعا فحالكم الخريه

  • Redouane Ghazoufe

    انا جبلي من شفشاون اش قرب فاين قريتي واش ف المغرب ولا مزمبيق

  • Youssef Bekri

    الناطور فيه كلعا والحسيمة ريفا

  • Fatima El Harrak

    Tahiya lruafa khotna mgharba

  • Ibrahim El

    مشي تقواد نتى و الملك ديالكم

  • Fatima El Harrak

    Hada chi rifi kma zayid ala lozom

  • Mohamed Tetouani

    لن تتقدم اي دولة بقومياتها ولا بتياراتهاهذا ما جعل العرب في المراتب الدنيا يفكرون بمنطق قبلي اقصائي
    اانظرو الى الصين خير مثال والهند دولة تضم امم مع ذلك تقدمو لانهم لا يفكرون بمنطق قبلي او عرقي بل ككيان موحد اقتصادي قوي.
    كل من يفكر بمنطق اقصائي مصيره الاندثار

  • Karim Chihabi

    لماذا تركزون على هذا التقسيم اللغوي لكم في رسول الله اسوة حسنة

  • Mohamed Tetouani

    جبالة ديرولهوم دروس خصوصية في اللغة ولا؟
    ثلثين فيهم اندلسي والباقي عرب ومستعربين وعددهم بين تطوان طنجة. شفشاون وزان اثنين مليون نسمة يعني ماذا بقي للريف

  • Nooreddine Fahym Raghib

    خلقتم لأنفسكم وهما و تعيشون فيه . رباعة الأوباش.

  • Abdelmajid Khamilich

    لتدكير الريف يقتصر على الناضور و حسيمه واقاليم مجاورة .اما ما بقي فيتكلمون العربية .جبالة .

  • Marwan Mazagan

    الريف هو إقلاليم الحسيمة والناظور والدريوش والباقي جبالة

  • Ayoub Mks

    Ohna malna hhh kolna mgharba mn tanger l gwira ok

  • Youssef Bekri

    واش نسيتي بلي كان مغريب العرابي واحد

  • Hamido Akdi

    3acha magrab o3acha almaliak

  • Mounir Al Outmani

    بحث جيد للدراسة

حسيمة سيتي