مبارك بلقاسم – خرافة الاستقرار المغربي وكذبة الاستثناء المغربي

مبارك بلقاسم – خرافة الاستقرار المغربي وكذبة الاستثناء المغربي

حسيمة سيتي – مبارك بلقاسم

Yessew it yun uɣenja
“سُقِيَ (الكونُ) بمغرف واحد.” – مثل أمازيغي.
لا يمكنك أن تقرأ مقالا في جريدة أو موقع مغربي دون أن تجد أمامك عبارات “الاستقرار المغربي” و”الاستثناء المغربي” مبثوثة بشكل متكرر في كل مكان. ونجد على منوالها عبارات أخرى شقيقة مثل “الأمن الروحي” (السياسة الدينية البوليسية) و”التجربة المغربية” و”الانتقال الديمقراطي”. ويردد هذه العبارات الدعائية شريط عريض من الكتاب والمثقفين والباحثين والسياسيين ورجال السلطة الذين يشتركون أحيانا في هدف واحد ألا وهو: تبرير حالة المغرب وإقناع الشعب بأن العام زين زاز لوز، سانك سانك، Top notch.
إذا كان المغرب مستقرا هادئا الآن، فالجزائر أيضا مستقرة وهادئة الآن أليس كذلك؟ وتونس الآن أيضا مستقرة وهادئة. وزيمبابوي أيضا مستقرة جدا. والأردن أيضا مستقرة وهادئة. وكوريا الشمالية مستقرة وهادئة تماما. وكذلك إيران في قمة الهدوء والاستقرار – سانك سانك – رغم أن جيرانها يشتعلون اشتعالا. وماذا عن موريتانيا والسودان والسعودية؟ أليست مستقرة أيضا؟! فلماذا لا يقول أحد: “الاستثناء الإيراني” و”الاستقرار الجزائري” و”الاستثناء السوداني” و”الاستقرار الأردني” و”الاستثناء الموريتاني”؟!
هذا استقرار زائف سطحي. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فهذا مجرد “استقرار أمني” (وليس استقرارا مجتمعيا). وإذا تعمقنا أكثر في الدقة فإن الدول مثل إيران والأردن والمغرب والجزائر لديها فقط “استقرار عسكري” (ليست في حالة حرب شاملة) بينما يكثر الإجرام في مدنها والتسيب في مؤسساتها وتتواجد مئات الخلايا والجماعات الإرهابية فيها. أما الحقيقة الواضحة فهي أن هذه المجتمعات المفجوعة ومنها المجتمع المغربي والجزائري هي مجتمعات تغلي باستمرار وتبحث عن أبسط الأسباب لتنفجر. والسبب هو كثرة الفساد والفقر ووطأة الاستبداد والحقرة وكبت الحريات السياسية والتعبيرية والصحافية والفكرية والعقائدية.
ولا يجب أن ننسى أن التهافت المغربي على الهجرة إلى الخارج هو من أقوى مظاهر انعدام الاستقرار المجتمعي بالمغرب. فالمغاربة أصبحوا بالآلاف ينتحلون هويات اللاجئين السوريين والعراقيين والليبيين من أجل التسلل عبر تركيا إلى ألمانيا، فضلا عن “الحريق” المعروف نحو إسبانيا وإيطاليا، وفضلا عن الهجرة القانونية. لماذا يهرب المغاربة من المغرب بكل هذه الهستيريا إذا كان المغرب فعلا مستقرا واستثنائيا؟ أليست هذه الهجرة “تصويتا بالأقدام” على كذبة الاستقرار والاستثناء؟
لاحظوا معي أن كلمة “الهجرة” (بالأمازيغية: azwag) هي أيضا الضد اللغوي لكلمة “الاستقرار” (بالأمازيغية: addki).
هل ما حدث في الحسيمة هو الاستقرار المغربي الذي يتحدثون عنه؟! ما رأيكم في المظاهرات الشعبية الغاضبة العارمة في الحسيمة وبقية المدن التي كان يمكن أن تتحول إلى ثورة مغربية عارمة في أية لحظة؟ هل هذا هو الاستقرار؟!
لو كان المغرب مستقرا لما حدث ذلك ولما رأينا كل هذا الاحتقان الشعبي المستمر لحد اللحظة، فضلا عن تفشي الإجرام والفساد الاقتصادي والإداري والقضائي والنهب الإقطاعي الشنيع بينما الفقراء يتجمدون في جبال الأطلس والريف. الاستقرار المجتمعي غائب في المغرب لأن الفقر واسع والاستبداد شامل والفساد منتشر والشعب غاضب بل كاعي.

1) وقال “كهنة الاستقرار الزائف”: إن المغرب هو نموذج الاستقرار!

المقصودون بـ”كهنة الاستقرار الزائف” هم من يروجون باستمرار لكذبة أن المغرب “مستقر واستثنائي” سانك سانك وأن العام زين، متجاهلين المظاهرات العارمة سواء الحقوقية والحرياتية منها أو الخبزية، ومتجاهلين الإجرام المتفشي، والشوارع المفروشة عن آخرها بالفرّاشة والكارّويات والكرّوسات والمدن المملوءة بالأزبال والقاذورات، والتسيب الإداري والفساد الاقتصادي والعقاري والقضائي، واقتصاد التهريب والرشوة.
هناك ثلة غير صغيرة من المثقفين والكتاب والسياسيين المغاربة يستمرون في ترديد المصطلحات المخزنية الدعائية من قبيل “المغرب مستقر”، “الاستثناء المغربي”، “الأمن الروحي”، “النموذج المغربي” و”التجربة المغربية” و”الانتقال الديمقراطي”، وهي مصطلحات ذات وظيفية تخديرية وكأنهم يحاولون بها تخدير وتهدئة الشعب، وهي أيضا مصطلحات ذات وظيفة تسبيحية تصلح لكسب الحسنات (لدى المخزن) ولأغراض التعزيم والرقية وطرد الجن والأرواح الشريرة. الدولة المغربية تردد هذه المصطلحات الرنانة بكثرة تثير الغثيان ad nauseam لتحسين صورتها داخليا وخارجيا ولتبرير سياساتها. أما الكتاب والمثقفون والسياسيون، فلماذا يرددون هذه المصطلحات بهذه الكثرة المثيرة للغثيان؟! هل لكسب الحسنات وبحثا عن مناصب ومكافآت لدى المخزن؟ أم لأنهم فقط لا يعرفون ما يقولون فيرددون فقط ما يسمعون؟
ربما لا يعي “كهنة الاستقرار الزائف” أن الحرية والعدل والمساواة والعيش الكريم هي أسس الاستقرار الحقيقي والسلم الاجتماعي الحقيقي. وإذا انعدمت الحرية والمساواة والعدالة في بلد فلن يكون فيه استقرار، وسوف يقذف به أي حادث بسيط (مقتل مواطن على يد شرطي مثلا) إلى مقاذف الفوضى والحرب الأهلية أو الثورة العارمة. ولا يبدو أن “كهنة الاستقرار الزائف” ينتبهون إلى الكم الهائل من المظاهرات الشعبية والانفلاتات الأمنية بالمغرب، والكم المهول من جرائم السرقة والنهب والسطو والاستيلاء على الأراضي بالمغرب والتلاعبات القضائية والإدارية العقارية وفضائح “عقارات خدام الدولة” ومظاهر السيبة الأخرى التي تحدث بالمغرب يوميا. هل هذا هو الاستقرار؟!
لو كان المغرب يعيش في أمان واستقرار فلماذا يهيج الشعب المغربي كل هذا الهيجان لمجرد مقتل رجل واحد على يد رجال السلطة أو لمجرد تعرض مسنة للضرب على يد رجال السلطة؟! لابد أن هناك سببا عميقا ما يجعل الشعب يبحث عن “سبة” أو مبرر لينفجر. فالظلم عميق، والفساد رهيب، والنهب عظيم، والفقر متجذر، والاستبداد شديد الوطأة على الشعب، والشعب لم يعد يتحمل.

2) ندرة التفجيرات الإرهابية في المغرب ليست دليلا على الاستقرار:

يظن “كهنة الاستقرار الزائف” أن الاستقرار هو فقط انعدام التفجيرات وانعدام الجماعات المسلحة وتوافد بضع شركات دولية هنا أو بضعة آلاف من السياح البريطانيين هناك. هذه مجرد مظاهر سطحية زائفة. ففي الدول التي تمضغها الحروب والتفجيرات مثل العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان واليمن والصومال ما زال معظم الناس يعيشون حياتهم اليومية (حسب الظروف) فينظمون حفلات الزفاف ويذهبون إلى المقاهي والمطاعم ولديهم مزارع ومصانع ومخابز وخمارات ومساجد وكنائس، وحتى المدارس والجامعات مفتوحة ولو جزئيا، ولديهم كهرباء وماء وتلفزات وبارابولات، والناس يتفرجون هناك أيضا على مباريات Champions League مثل المغاربة والأوروبيين، والاتصالات التلفونية وخدمة الإنترنت الموبايل متوفرة هناك رغم القصف والتفجيرات والمعارك المتواصلة أو المتقطعة. والمطارات الدولية في بغداد ودمشق وبيروت وإربيل (كردستان العراق) وكابول (أفغانستان) وموقديشو (الصومال) ما زالت مفتوحة وتشتغل لحد هذه اللحظة رغم الحروب والتفجيرات. اختلاف المغرب عن تلك الدول الممضوغة بالحرب والإرهاب هو اختلاف في درجة الاستقرار الأمني وليس في طبيعة الاستقرار الأمني. أما الاستقرار المجتمعي فهو قصة أخرى وموضوع أكبر من الاستقرار الأمني.
وماذا عن تونس التي انهار فيها النظام فجأة في 2011؟ فتونس كانت تتساوى مع المغرب في الاستقرار الأمني وندرة الإرهاب والتفجيرات والجماعات المقاتلة. وكانت تونس تجذب بعض الاستثمارات الأجنبية مثل المغرب وتجذب سياحا أوروبيين وأمريكيين أكثر من المغرب بكثير. ومعدل دخل الفرد كان في تونس (وما زال لحد الآن) أعلى من المغرب. وكانت تونس تنافس المغرب حتى في جذب شركات هوليوود السينمائية لتصوير الأفلام في تونس. ولكن النظام في تونس انهار بالثورة الشعبية لأن الاستبداد والفساد الممأسس والفقر قد تفشوا واستشروا في تونس رغم الماكياج الإعلامي والقبضة الأمنية التونسية المعروفة فحدث الانفجار والانهيار بشكل مفاجئ. أي: رغم الاستقرار السطحي الزائف.
والحقيقة أن لا شيء يمنع المغرب من التحول إلى بلد ممزق مثل سوريا أو اليمن أو ليبيا أو الصومال أو العراق. فلا يوجد شيء خارق للعادة لدى المغرب يميزه عن بقية البلدان والشعوب في العالم. ونحن نعلم أن الحروب الأهلية والتفجيرات الإرهابية التي خربت تلك الدول هي مزيج من الثورات الداخلية (الناتجة عن استفحال ظلم الدولة وفسادها وعنفها) والتدخلات الخارجية تمويلا وتسليحا من السعودية وقطر مثلا (اللتين تمولان وتسلحان الجماعات الإرهابية السنية الإسلامية والجيش الحر) وروسيا وإيران مثلا (اللتين تمولان وتسلحان النظام والميليشيات الشيعية).
لو تربصت تلك الدول (المتخمة بالمال والسلاح) بالمغرب وأغرقت جهادييه بالمال والسلاح فسيتحول إلى شيء شبيه بسوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن أو الصومال. فالمغرب من أكبر منتجي ومصدّري الإرهابيين الإسلاميين في العالم. ويشكل الإرهابيون المغاربة جزءا أساسيا من جنود “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق ووقودا لا ينفذ في عملياتها الانغماسية التفجيرية. وتقريبا لا توجد عملية إرهابية دولية كبرى إلا ونجد فيها مغربيا ضليعا إما بالتنفيذ وإما بالتسهيل. أين الاستثناء المغربي هنا؟!
لا يوجد استثناء مغربي. الاستثناء المغربي مجرد كذبة، سواء تعلق بالأفراد أو بالدولة أو بالمجتمع.
ولكن بما أننا نعرف أن المغرب ينتج أئمة الإرهاب الإسلامي وينتج المقاتلين الإرهابين بكثرة فلماذا يغادر هؤلاء الجهاديون الإرهابيون المغرب نحو الشرق للجهاد في سبيل الله أو في سبيل الحور العين؟ السبب هو انعدام ظروف الأكشن Action في المغرب حاليا، أي انعدام المناخ الأمني المناسب وانعدام تدفق السلاح والمال بما يكفي لخلق ميدان للجهاد الإسلامي في المغرب. لذلك يرحل الجهاديون المغاربة إلى الشرق حيث يوجد التمويل الكافي والتسليح الوفير والانفلات الأمني المناسب. ولكن إذا تدفق المال والسلاح إلى المغرب (وهو شيء شديد السهولة على الأفراد فما بالك بأجهزة المخابرات الدولية) فإن آلاف الإرهابيين الجهاديين المغاربة سيفضلون حتما ممارسة جهادهم الإسلامي الإرهابي بالمغرب وإقامة الدولة الإسلامية بالمغرب بدل السفر لآلاف الكيلومترات لإقامتها في سوريا والعراق ولبنان.
الحاصول من هذا كله هو أن الاستقرار المجتمعي الحقيقي لا يكون بالماكياج الإعلامي والقبضة البوليسية والدولة الاستبدادية وبضعة مشاريع تنموية هنا وهناك مع استمرار الفساد البنيوي. فتونس كانت تتساوى مع المغرب في هذا المجالات كلها ومع ذلك لم تنج من سقوط النظام والفوضى والانفلات والعمليات الإرهابية لعدة سنوات قبل أن تستقر حاليا من الناحية الأمنية. ومصر وسوريا كانتا تتساويان تقريبا مع المغرب في مستوى المعيشة وسياسة الدولة و”الاستقرار السطحي الزائف” ورغم ذلك لم يفلت هذان البلدان من الخراب والمذابح والدمار الناتج عن الثورات الكاسحة والانقلاب العسكري والانشقاقات والإرهاب الإسلامي والتدخلات الخارجية.

3) ما هو الاستقرار المجتمعي الحقيقي؟

الاستقرار المجتمعي الحقيقي لا يكون إلا حينما تستقر الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان في الدولة والمجتمع. وحينئذ سيستطيع الصحفي مطاردة كبار اللصوص والإقطاعيين عبر فضحهم في الإعلام دون مضايقات مخزنية واستدعاءات من الكوميسارية ومحاكمات سوريالية. وحينئذ سيستطيع القاضي “يدير خدمتو” باستقلالية وشفافية بدون تيليفونات من وزارتي الداخلية والعدل. وحينئذ سيستطيع الموظف الحكومي أن يفضح الاختلاسات والتفويتات دون خوف من أن يضعوه هو في السجن بدل اللصوص.
وحينما ينفضح الفساد بفضل حرية الصحافة واستقلال القضاء فإن مئات الملايير المنهوبة وآلاف الهكتارات المسروقة ستعود إلى الشعب ليتم استثمارها في خلق مناصب الشغل وتجهيز المستشفيات وبناء المدارس وإغاثة المناطق المنكوبة والقرى المتجمدة. هكذا تؤدي الحرية إلى التنمية والعيش الكريم.
الفساد هو ابن شرعي للاستبداد، ولا يمكن القضاء عليهما إلا بإقرار الحرية الكاملة للشعب المغربي بدون قيود في دستور مغربي علماني ديمقراطي، وجعل كل القوانين والإجراءات خاضعة لمبادئ الحرية وحقوق الإنسان وضمان حرية الصحافة بلا قيود، والاستقلال الكامل للقضاء عن السلطة التنفيذية.
الحرية كاملة لا تقبل التجزيء ولا يصلح معها نظام التقسيط والجرعات الدوائية. فحرية العقيدة وحرية الصحافة شيء واحد. من يحارب حرية العقيدة فهو يحارب حرية الصحافة. ومن يحارب حرية الصحافة فهو يحارب حرية الفكر والتعبير.
loading...
2016-12-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي