التوفيق فتحي-مجانية التعليم…ضريبة التضامن الوطني وأشياء أخرى

التوفيق فتحي-مجانية التعليم…ضريبة التضامن الوطني وأشياء أخرى

التوفيق فتحي

اخيرا خرج المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عن صمته ليبرر توصيته الأخيرة حول إلغاء مجانية التعليم في بيان صحفي تطرق فيه ايضا إلى طبيعة وظائفه وتبريرها

على مستوى الشكل، امر ايجابي جدا ان يتم التفاعل مع انتقادات المجتمع عبر بيانات مكتوبة وعمومية من طرف المجلس بدل صم الأذن والالتفات يمنة او يسرة وترك الفرصة للزمن ليقبر القضية كما جرت العادة في السياسة الداخلية المغربية. لكن على مستوى المضمون، الوضع مختلف، فمسائل عديدة ظلت بلا جواب مقنع

أولا: كيف سيتم تحديد “العائلات الفقيرة” التي ستستفيد من المجانية؟ لم يجب البيان بل يعدنا بأن يجري دراسة وتقييما في المستقبل لتحديد هذه العائلات. ما يتناساه المجلس انه لدينا تجارب في الماضي مع عمليات مماثلة لهكذا تحديد: في الماضي البعيد كانت تجربة تحديد المستفيدين من المنحة الجامعية، المدخل اليها شهادة احتياج كان المقدم الخطوة الاولى والاساسية للحصول عليها…لا احتاج لرسم لوحة لسرد التجاوزات في استعمال سلطة تسليم الوثيقة وما ترتب عنه من شذوذ في النتائج. في الماضي الجد قريب ايضا، مثلت اجرأة راميد مثالا ثانيا نموذجيا للإكراهات والصعوبات التقنية التي تعترض مثل هذا العمل. في بلد لا يملك تسجيلا ولا جردا للمداخيل ولا للممتلكات و لا نظاما ضريبيا فعالا من المستحيل عمليا وتقنيا انتاج لوائح استحقاق دقيقة وصحيحة وعادلة. أضف إلى هذه الصعوبة التقنية طبيعة العمل الإداري وآليات اصدار الشواهد والإثباتات الإدارية في المغرب القابلة تلقائيا للتحوير

ثانيا: المؤسسات الاستشارية التي تحترم قواعد الصنعة لا توصي بشيء دون دراسة مستفيضة لكل الآثار والانعكاسات المباشرة والغير المباشرة لما توصي به وبالأخص دراسة جدية لشروط تحقيق واجرأة التوصية. المجلس يقلب المعادلة ليوصي بشيء ثم يعد بدراسة مستقبلية لشروط تحققه واجرأته، أخشى اننا قد وضعنا العربة امام الحصان وباستعجال مريب

ثالثا: لو سلمنا افتراضا بضرورة اسقاط مجانية التعليم، لكان الأجدرأن يتم اعتبار مجانية التعليم اصلا وقاعدة والاستثناء هو عدم المجانية، وليس العكس…أن يطلب مثلا من ميسوري الحال أن يساهموا في تمويل المنظومة التعليمية في إطار التضامن الوطني بدفع حقوق تسجيل ابنائهم أمر كان سيكون له من المشروعية ما سيجعل منه مطلبا شعبيا. مثل هذا التضامن هي الية فعالة لإعادة توزيع الثروة لكن شريطة ان يتم البحث عن هذه الثروة حيث توجد فعلا. مبادرة راميد على سبيل المثال لا الحصر تجعل من التملك في العالم القروي شرطا اقصائيا حين تحديد المستفيدين، ما يمكن عمليا وواقعيا ان يقصي جموع فقراء بمنطق الدخل القار ومستويات هذا الدخل ويجعل من مكترين كبار مؤهلين للاستفادة. الممارسة الواقعية تؤكد ايضا ان ميسوري الحال لا يبعثون ابناءهم إلى المدرسة العمومية بل يختصرون الطريق ويبعثونهم إلى المدارس الخاصة النموذجية او الى ما تبقى من مدارس البعثات. أخشى ان محاولة تحديد العائلات الفقيرة والمعوزة ستنتهي بمنافسة بين الفقراء أنفسهم ليثبت كل منهم انه أكثر فقرا من جيرانه الفقراء الاخرين.

رابعا: اجرأة مثل هذه التوصيات في جوهرها تدفع إلى تضخم غير صحي ولا مبرر لأجهزة الدولة مع ما يستصحبه من اكراهات وضغوط على الميزانية العامة، ففي غياب نظام تسجيل وجرد فعال ستضطر الحكومة لخلق اجهزة جديدة (مديرية، وكالة…) لتحديد المستفيدين من المجانية والمراقبة وتحيين المعطيات…كل هذا سيكون له ثمن لا بد لأحد ان يدفعه يوما ما في آخر المطاف

خامسا: وللاستئناس ببعض الحقائق الإحصائية دعونا ننظر عن قرب الى وضعنا مقارنة ببقية العالم. معدل الإنفاق لدول العالم على التعليم يراوح 5 في المئة من اجمالي الناتج الخام، المغرب ينفق حوالي 5.4 في المئة ما يقارب او يتجاوز بقليل معدلات الإنفاق في الدول العربية و الدول المجاورة (2.3 في مصر، 4.3 في الجزائر، 6.3 في تونس و4.4 في اسبانيا) رغم ذلك لازلنا بعيدين عن معدل 6 في المئة الذي حددته اليونسكو كهدف للدول السائرة في طريق…شيء ما، ربما التقدم…المشكلة لا تكمن في معدلات الإنفاق النسبية بل اساسا في ما يتم تمويله بهذا الانفاق، اساسا التوازن بين نفقات الموظفين، تكاليف التشغيل، الاستثمارات والنفقات المختلفة. نسبيا تمثل ميزانية التعليم بكل مستوياته 25 في المئة من الميزانية العامة بعيدا عن 10 في المئة في اسبانيا او 14 في المئة في الدنمارك بل حتى 21 في المئة في تونس، معدل مرتفع مقارنة بالنتائج على ارض الواقع. فبعد 60 عام من الاستقلال السياسي لا زالت الأمية في المغرب ظاهرة ذات ثقل، حوالي 33 في المئة من المغاربة أميون مقارنة ب 14 في المئة في الجزائر و 8 في المئة في زيمبابوي و 2 في المئة في اسبانيا والتي أكاد أجزم ان نسبة معتبرة منهم منتوج مغربي تم “تصديره” إلى هنالك

الأكثر ايلاما ان نسبة الأمية الكلية ام الجزئية لمن عمرهم أكثر من 10 سنوات يقارب 28 في المئة ونسبة امية من عمرهم 15 عشر فما فوق يتجاوز 38 في المئة ارقام تجعلنا حائرين امام بؤس النتائج! مشكلة المنظومة التعليمية ليست مالية في جوهرها، انها مشكلة مشروع سياسي ونظام اجتماعي مصاب بقصر النظر لا يرى ابعد من المصلحة الآنية دون افق ولا محاسبة فعلية.

هل يا ترى ستكلف الحكومة الجديدة اعضاء المجلس “الخبراء” بإنجاز الدراسة الموعودة لإخراجنا من عنق الزجاجة….فلن يكلفها ذلك سوى 57.142.86درهم للشخص لإنجاز الدراسة والتقرير (انظر مقالي حول تعويضات اعضاء المجلس http://wp.me/p67eFV-4NK

loading...
2016-12-01 2016-12-01
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي