محمد شكري..ذلك الكاتب الريفي الذي عَرَّى الواقع المعاش بعيدا عن المساحيق

في مثل هذا الشهر، من كلّ عام، يُخلد قراء الكاتب الريفي العالمي محمد شُكري، ومُحبّوه ذكرى وفاته، التي كانت في 15 نونبر 2003م.

ينحدر كاتبنا، الذي شغل الدنيا بكتاباته الجريئة، وما يزال، من قبيلة بني شيكار، أو آيت شيشار؛ كما تسَمّى في إقليم الناظور، حيث عاش بعض طفولته، قبل أن يَرحلَ إلى طنجة رفقة أسرته، سنة 1942م. اشتغل شكري في صِغره بثمن بَخْس؛ إذ عَمل في المقاهي، وباعَ الجرائد والسَّجائر، ومَسَح الأحذية… وغيرها من المهن التي كونت شخصيته الشعبية.

لم يَتعلم الكتابة والقراءة، إلا وهو في سِنّ العشرين، حينما قرّر الرحيل إلى عالم المعرفة والعلم، فالتحق بمدرسة في مدينة العرائش سنة 1955م، ليتخرج بعد ذلك أستاذا. اشتهر شكري، في بداية أمره، قاصّا متمكنا، إثرَ نشر قصته “العنف على الشاطئ” سنة 1966م، لكنّ شهرتَه العالمية، ترجعُ إلى روايةِ “الخبز الحافي”، التي ترجِمت إلى ما يَقربُ من أربعين لغة.

هذا، بالإضافةِ إلى أعمالِه الأخرى المتميزة: الشطار/ زمن الأخطاء، وجوه، الخيمة. وكذا مجموعته القصصية المَوسُومة بـ: “مجنون الورد”، وأعمال أدبية أخرى.. إّن المتن الروائي الذي كتبه محمد شكري هو عن تفاهة الحكام العرب، وحقيقة الاستعمار، وخزي البلاطات، والفوارق الاجتماعية الطبقية الصادمة. فقد باع الرجل جسده من أجل لقمة، وقلّب المزابل ومطارح النفايات من أجل كسرة خبز، تلك ــ الأسطورة ــ المفقودة التي لم يوفرها له المجتمع البئيس ولا بأس أن يأكل الجيفة حينما تُغيَُّب العدالة . إن ما دونه محمد شكري هي عن التناقضات الحقيقية الصارخة التي تسكننا كمجتمع “سكيزفريني” فصامي “سيكوباتي” يجيد ازدواجية المعايير، ولغة الأقنعة، والنفاق الاجتماعي المستتِر تحت عباءة الدين الذي لا نستطيع أن نعترف به حتى مع أنفسنا. آه يا شكري لم تنتِه مأساة الخبز عندنا بعدك.. آه يا شكري وأّمك تقول لك ” اسكت يا محمد سنهاجر الى طنجة فهناك خبز كثير”

ان شكري لم يكن يبحث إلا عن الكينونة المنسية، إنه يحكي بعيدا عن المساحيق اللغوية (اللغة الشبقية كما يسميها الناقد الفرنسي “لولان بارت) عن المجانين والمعتوهين “شخصية ميمون في السوق الداخلي ” وأوجاع التلاميذ حينما يتم تكديسهم كعلب السردين الرديء في الخيريات، ودور الطلبة، وذلك ما أثاره حينما تحدث عن تجربته كتلميذ في العرائش، ولم يكن يومها يجد حتى المرآة ليحلق ذقنه .. كان يكتفي بإحضار “طست” من الماء ليرى فيه وجهه ليباشر عملية الحلق.. إنه يحكي عن مرارة المنبوذين المنِسيِّين الذين يتوّسدون “الكارطون” والِخَرق الممّزقة في الشوارع وقد حدث أن توّسده شكري مع الرثّين مرارا حينما كان تلميذا فقيرا في السلك الثانوي بالعرائش.. إن الشحرور الأبيض لم يكن يؤرخ ­ والعمل الإبداعي هو وثيقة تاريخية تبقى شاهدة على عصر المبدع / الكاتب حسب المنهج النقدي التاريخي الذي تبلور مع سانت بورف وتين ­ في حقيقة الأمر بإبداعه الساخر الا لفترة عصيبة عرفها ريفنا الجريح، حينما اضطربت أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية..

وتوالت الأزمات وسنوات الجفاف والقحط مّما اضطر الكثير من أبناِء الريف إلى الهجرة نحو الشمال والغرب بحثا عن لقمة عيش آمنة، يروي شكري في شهادة له عن هذه الهجرة فيقول: “أنا ابن هجرة المجاعة الريفية التي حدثت في بداية الأربعينيات، الذين هاجروا هربا من الجفاف القاتل .. لم يكن أحد من أسرتي يتكلم الدارجة المغربية، عندما غادرنا قريتنا في بني شكير، لغتنا الوحيدة كانت هي الريفية داخل كوخنا وخارجه، عندما بلغنا طنجة كان عمري سبع سنوات، كلّما حاولت أن أسرق لحظة لعب مع أطفال الحّي الذي سكنا فيه كانوا يطاردونني صارخين : “امش يا الريفي” ..”امش يا ولد الجوع”. طبعا كان من السهولة بمكان أن يجد مكانا له وسط المهمشين والجياع من أبناء القاع في أحياء طنجة الفقيرة.

إن النص ”الشكروي” يسائل ضمنيا التهجير القسري الذي تعرض له الريفيين الى الجزائر للعمل هناك مع المعّمر الفرنسي نتيجة سياسة الإصلاح الزراعية التي نهجها في الجزائر، انه يثير الوجه القبيح البشع للمستعمر الاسباني الذي لم يكن يخلق فرص الشغل، بقدر ما كان يكتفي فقط باستغلال خيرات المجال واستنزافها، وجرد الريفيين من أراضيهم والحرفيين والصناع البسطاء من أدواتهم البسيطة حتى صاروا لا يملكون إلا قوة أبدانهم التي يبيعونها للمعّمر، إنه “المغرب المجهول” كما سماه الكاتب الفرنسي اكوست موليراس، رواية عن محمد بن الطيب الذي يعد من الكتب والمؤلفات الأولى التي تناولت الريف انتروبولوجيا وجغرافيا ؛ عادات الريفيين وقيمهم وأخلاقهم وطبائعهم.. الخ وقس على ذلك باقي مناطق المغرب وما عانته من ويلات الاستعمار من تجويع وتشريد وقمع واستغلال وعسف واعتقال.

أّما على مستوى الفضاءات والأمكنة التي يتم وصفها لم يكن يحتفي إلا بالأمكنة الهامشية، بفضاء الشوارع الخلفية والقبور والاماكن المظلمة، الأسواق الشعبية والحانات أماكن الانحدار والشقاء التي ترزح تحت الزمن الليلي المعتم، فشكري يعتبر نفسه كاتبا ليليا بامتياز، وهو يسهم بذلك في اصباغ المشروعية على انتصاره للهامش الاجتماعي، الشيء الذي مكنه من تحقيق مركزيته الابداعية. لقد كان شكري رفيق الهامش، وظل وفيا للطبقات السفلى لقيمها واحتراقها.

إن أدب شكري لْم يكْن سوى “أدب الجراحات والاختلاف والاعتراف والوجع، إنه الوجع الذي يصبح جميلا حينما يصير أدبا على حّد قول الناقد سيوران، فمْهَما حاول الماضويون الرجعيون الأصوليون تشويه ومسخ صورته، والتهجم عليه بشكل هستيري ـ مرضي سيظّل الأقرب إلى وجدانيات المسحوقين من فتاويهم المارقة الفوق ــ تاريخية المفارقة للواقع، وستظل الطبقات الشعبية عندنا تحتفي و تلتهم “الخبز الحافي” / السيرة الذاتية، ولو من وراء جدار ولذلك لا نستغرب أن تتعرض كتاباته لكل هذا التضييق والمطاردة والتعتيم والتشويه والتركيز على نص الخبز الحافي ـ الذي قال عنه شكري نفسه ــ “إنه النص الذي قتلني” “ونص ملعون” الذي جاء حافيا في لغته وكشفه للمستور والمسكوت عنه واللامفكر فيه، بلغته الانتهاكية الجسورة العنيفة في تصوير المشاهد والاحداث بعيدا عن التعابير الرومانسية الأنيقة المهادنة، فهو لا يعرف كما يقول أن يكتب عن حليب العصافير والذهب…

loading...
2016-11-16 2016-11-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات33 تعليق

  • Oussama Asdoun

    محمد شكري كاتب مؤثر في المتلقي بشكل كبير ، حيث ترك لنا بصماته وتجربة حياته في الماضي البعيد وما زلنا على تلك الحالة في عصرنا الحالي والويلات التي ذكرها في جل كتاباته إذن أين المفر؟! رحم الله الفقيد الكاتب البطل الريفي

  • Marouani Marouani

    و لكنه لم ينكر مغربيه يوما ما ضل وفيا لوطنه رغم كل ما عاناه من بؤس رحمة الله عليه و جميع موتى المسلمين

  • Nihal M Nihal

    الخونة هما لي ولدوك ماشي ريافا إخخخخخ تفو عليكم طلعتو لينا فريوسنا خرجو من الصفحات ديال اﻷوباش أش كاديرو هنا مقابلين غير ريافا ماعندكم مايدار ! إلى ماعندكم مايدار سيرو اغتاصبو شي حمارة ولا شي معاقة فالطوبيس ودوزو الوقت ديالكم أما الرأي ديالكم فماطلبناهش منكم غير عطيونا تسااااااع واش مكاتفهموش ؟!!

  • Yossef Miftah

    ريفي عبدى دكالي لا فرق المهم حبه للراية المغربية التي تجمعنا لصالح هدا البلد لا لتدميره كما خطط الخونة

  • Khalid Aqbal

    لما كل هده العنصرية

  • Said Fikri

    Sammana awbash a hakima hit ma kangololosh 3ash bhalkom a la3biiiid l3iyasha lmadlolin

  • Rachid Halim

    كان مخنتا ومات مخنتا

  • Omar Madine

    لا مكان للخونة بيننا ولا تضامن معهم

  • Hakim Zyach

    لواه شينوي باراكا من الكدوب

  • Amira Majjati

    لا يمكن مقارنة مثقف برجل جاهل يتحكم فيه بطل كارطوني

  • Ahmed Elhajji

    Kaaaatibe Maghribi kbiiire aaach flmaghribe maaaate flmaghrib.

  • Idriss Mozouna

    سبق زمانه بعشرات السنين الريف ينجب الابطال عاااااش الرييييف

  • Khalid Deggag

    فرق كبير بين شكري ومرتزق

  • Raya Alami

    محمد شكري كان وطنيا لا خائنا و انفصاليا

  • Laila El Arabi

    فرق كبير بين رواءي وخاءن

  • Hassan Oubenaadi

    كفى شوفينية وعنصرية

  • Hilal Mohamed

    بل قال انه ريفي وتحدث بالريفية في روايته

  • Hilal Mohamed

    تم اضاف بالمال تستطيع…العالم

  • Mouad Sebti

    ترويج وتسويق الكذب والوهم

  • Najla Badri

    شكري كاتب وليس مرتزق

  • Fatima Kharbouch

    حب الأوطان من الإيمان

  • Hassan Aziraf

    قالت له لا تعبث بشعر رأسي فهناك اماكن اخرى بجسدي فيها شعر و هي الأولى ان تعبث بها

  • Hassan Aziraf

    قالت له لا تعبث بشعر رأسي فهناك اماكن اخرى بجسدي فيها شعر و هي الأولى ان تعبث بها

  • Hassan Aziraf

    لم يقل
    لو كان شكري حيا لصرفقك على بداية جملتك تصرفيقا و صبنك تصبينا و سيمنعك من ذكر اسمه على لسانك الأطول من قامتك.

  • Ronald Amzyan

    محمد شكري ريفيا وعاش الريف

  • Ronald Amzyan

    هو ريفي ويفتخ كالعربي يفتخر بعروبيته اذن انت عنصوري

  • Noura Zahi

    محمد شكري كان وطنيا ولم يخن وطنه

  • Alami Abdo

    لم يقول يوما انه ريفي اوعربي او سوسي مرض خبيث مخثر في عقولكم اي سنة سنراكم كباقي البشر في حديثكم

  • Badr Jaouna

    خائن لوطنه عليه النعلة

  • Omar Essadiki

    هناك كاتب وطني حر يكتب بدم القلب و يدافع عن وطنيته بكل ما اوتي من قوة وهناك كاتب وطني حر يكتب بدم المال…..و هناك كاتب خائن ينشر منشورات بدون معنى لغرض الفتنة و المال كاتب هاد المنشووور من اي فصيلة انت ؟

  • Said Bahri

    محمد شكري ليس من الخونة

  • Simo Achiri

    محمد شكري كان وطنيا ولم يخن وطنه

  • Yassine Bycos

    عاش المغرب ولا عاش من خانه

حسيمة سيتي