عاصم العبوتي – لست فتانا..

عاصم العبوتي – لست فتانا..

عاصم العبوتي

تمددتُ على السرير، كنتُ أطارد ببسالة سنة نوم سادية تحاول أن تقذف بي في غياهب كوابيس، لنْ أنام، لا أحبذه صرختُ في الغرفة وعاد إلي الصوت رديئا، نمْ نمْ، ستبكرُ غدا، حسنا، وكأني استسلمتُ لرغبة جامحة من النوم أن يغازل جفني، أحسستُ بقواي تخور، تمددت على السرير، قبل أن ألف جسدي ببطانية سمعتُ أخي يحولق، كان هو الآخر يتمدد على الأريكة في البهو، كنتُ أراه ولا يراني، أسمعه ولا يسمعني، نسيتُ أني كنتُ أحدثُ نفسي فكيف يسمعني، رفعتُ رأسي على الوسادة وأنا أسمعه يقول لأمي: لقد ماتَ شاب آخر يا أمي، يا لطيف، قد مات في شاحنة أزبال.. قلتُ: ماذا؟ شاحنة أزبال، فكرتُ للوهلة الأولى أنه تعرض لحادثة سير عادية، ترحمتُ عليه وأحسست بقلبي ينفطر، أنْ يموت شابٌ في ريعان الشباب، ما هذا البؤس.. سحقا.. وحاولتُ أن أعود للنوم.. بل كدتُ أفعل لولا أن سمعته يشرح لأمي أنه طحن بأوامر عليا، ابتسمتُ ببلادة ودهشة: ماذا يقول هذا؟ هل يطحنُ الإنسان مع الزبل؟ انتفضتُ من مكاني أتفقد شاشة الهاتف، كانت اليد اليسرى أو اليمنى ترتفع إلى أعلى ترجو الحياة، مات إذاً، ما اسمه؟ فكري محسن ابن علي المعلم المتقاعد وعدتُ إلى فراشي أتهجى النوم الذي رحل، وإن ترجيته لن يعود، كنتُ أسمع صراخ الجماهير في الحسيمة، وهتاف التضامن الأولي من البلدة، كان أخي يترقبُ الوضع والأوضاع عن كثب، استسلمت للاستلقاء منتظرا أن تبزغ الشمس وحقيقة من قتل محسن، غادرت الجماهير وبقيت الشاحنة إلى الساعات الأولى من الصباح تشهدُ على الجريمة البشعة، بقيت شاخصة بزبلها وبنسمة عرق الشهيد التي كدحت لأجل توفير لقمة العيش، غادرنا شهيد آخر يوم بعد تخليد ذكرى شهيد آخر، بين الخنجر والطحن موتة واحدة، كانت وفود الجماهير تتوافد على منزل الشهيد ومسيرات الغضب والتنديد مستمرة في كل المناطق، والتضامن من مدن القهر والبؤس متواصلة وكل الشعب خرج حتى النساء والأطفال والشيوخ، التف الجميع حول الشهيد/القضية، وكانت الجنازة صبيحة الأحد، كمْ كان شبيها بيوم العشرين من فبراير، سنوات خمس عدد أنامل اليد الواحدة كانت كافية لتصفعنا وتوقظنا من سباتنا، من قتل الخمس شهداء في البنك المشؤوم؟ ومن قتل الحساني؟ التحقيقات متروكة في رفوف خزانات هشة أو أنها في سلة مهملات، حسنا سأخرج يا أمي، كان لي ميعاد مع التلاميذ لكن اليوم ميعاد مع الشهيد، من كان يظن أننا سنزف إلى إفثيسن شهيد؟ التحقتُ بالجماهير في بلدتي، كانت الشعارات تتعالى والمحلات أغلقت أبوابها كليا، لا عمل اليوم، لا حركة، سنشيع الشهيد ونشجب ونند ونصرخ، ألم يحنْ الوقت بعد لنحس ولو ليوم أننا في وطن كما كل أوطان الشعوب، غدت الجماهير مرفوعة الهامة تمشي، لا تحمل إلا الصراخ، لا أحجار ولا خناجر ولا قنابل، المحلات التجارية محمية، لا مناوشات ولا سيارات قلبت ولا بنوك احترقت، زغاريد النساء على طول الطريق، قنينات ماء وُهبت من المحسنين، المسيرة حضارية، زاد فخر انتمائي لهذا الريف، صار كل شيء كما أريد له، يقظة الشعب كانت حاضرة، وشيع الشهيد في مثواه الآخير، وغادر الحشد بعد أن قرأ الفقيه اللطيف ودعا للشهيد، ثم تلتها مسيرات شموع وصمت وحلقيات، ألا فليدرك الداركون أننا في هذا الريف منسيون وقد ذقنا أصناف التهميش والقمع، رفسنا وركلنا وضربنا وذبحنا وحرقنا والآن طحنا، إننا مدينة باكية حزينة منذ وُجدت، فهل حقا نحن جزء من هذا الوطن؟ إن الجغرافية تقول نعم والتاريخ يقول عكس هذا، فهل يقتل الآلاف من شعبنا رميا بالرصاص والغازات التي زرعت في الأرض ومازالت تنبت لنا الوباء وتقتل منا المئات، فهل لا يحق لهذا الشعب أنْ يثور ويصرخ ولو سلميا، ثم ألنْ تكفوا عن ادعائكم أننا ندعو إلى الفتنة، أتلك الوجوه التي تخرجُ.. وجوه فتنة؟، أمن يدعو إلى الفتنة يحمي ممتلكات الدولة وغيرها؟ هل مازلتم تعتقدون أننا أوباش لأننا نريد عيشا كريما لا ذليلا؟ أنحن السفلة وقد حمينا الوطن من الاستعمار وحاربناه وقتلناهم وأسرناهم، هل أغلقنا في وجهكم البحر وحرمانكم من ثروته؟ هل رفضنا وجودكم هنا كأطر عاملة في مؤسسات مدينتا؟ وهل خرج كل الشعب يوما يريد الانفصال كما تدعون؟ غير أن يخرج يطالب بأن ينمحي الفساد والقهر عن مدينتا؟ هل هذه المدينة الصغيرة التي لا يصل تعداد ساكنتها إلى المليون أصبحت شوكة في أعينكم وهي الوردة الخزامية؟ لقد سئمنا كل هذا الظلم منكم ومللنا من كل هذا الميز، إننا طيبون وهذا الشعب ليس فتانا، فلتدركوا هذا الآن وإن ألححتم على أنْ تواصلو مسيرة القتل فنواصل مسيرة الزحف إلى الشارع، إننا وهبنا أجسادنا هذه دروعا لحماية أرضنا وأهلنا كما منحها أجدادنا كدرع لحماية الوطن كله لكن أيادي الغدر فتكت بهم، فلترفعوا أياديكمْ عن هذا الشعب الأعزل، دعونا نتنفس حريتنا فلقد ضقنا ذرعا، صرنا مدينة منكوبة لا عسكرية كما في ظهيركم، نحن لسنا سفلة الناس كما قيل لنا، إن هذا الشعب عانى ولازال صامدا، ومحسن ليس سوى واحد من مئات استشهدوا وآخرون في الطريق إلى الشهادة، محسن لم يمت إلى الأبد فالتاريخ الذي لا ينسى الشهداء ولا الشعب أيضا.

loading...
2016-11-11 2016-11-11
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي