محسن فكري.. رمز كفاح صيادي الحسيمة ضد الفساد والتهميش!

كان شابا مجتهدا، يذهب في الصباح الباكر إلى الميناء لشراء السمك وإعادة بيعه. وعلى عكس الآخرين الذين يراودهم حلم الهجرة إلى الخارج، كان مؤمنا بنجاحه في بلاده، حتى وجد نفسه يُطحن في شاحنة أزبال مع سمكه ومشروع حياته.

هو ابن حي الزاوية أو “الزاويث” كما يطلق عليها الريفيون، حي شعبي هادئ بالحسيمة أغلب سكانه مقيمون بالخارج، ما جعل جميع شبابه بدون استثناء يحلمون بالهجرة إلى “الجنة” الأوروبية للتحرر من جحيم البطالة في هذه المدينة التي يؤمن كل سكانها أنها مهمشة ومنسية، إلا محسن فكري، فقد كان مختلفا: شاب في الثلاثين من عُمره بملامح لطيفة ومُسالمة وحس تجاري، فقد كان يحلم بالنجاح في بلده وبعرق جبينه، وبالرغم من أن والدته كانت تلح عليه بالزواج من إحدى المُقيمات بالمهجر حتى يستطيع الإفلات بجلده، إلا أنه رفض وتمسك بحلمه.

محسن فكري.. قصة كفاح حتى الموت

شاب كريم النفس إلى حد الإسراف، يستطيع أن يقترض مالا من أجل أن يدعوك إلى مائدة عشاء. هناك في ميناء مدينة الحسيمة، لا يتردد في استقبال كل من يزوره بطبق حوت مقلي أو مشوي على حسابه، وأضعف الإيمان أن يبحث له عن سمك من عند أصدقائه ويضعه له في كيس ويعطيه له،  يصادق الجميع، واجتماعي إلى أبعد حد.

محسن فكري طفل برئ ترعرع شابا ليموت بريئا

القصة بدأت يوم قرر محسن أن يقترض مبلغ 170 ألف درهم مغربي (اليورو يعادل 11 درهما مغربيا) من أحد أفراد عائلته من أجل شراء سيارة من نوع “مرسيدس 310″، بعد أن اشتغل كبحار لفترة قصيرة اكتشف فيها أن هذه المهنة لن تستطيع تغطية كل نفقات أسرته المُكونة من 10 أشخاص، واثنين من إخوته اللذين يخضعان لعلاج نفسي باهظ الثمن، ولا يُفكران سوى في الهجرة السرية إلى الخارج. وحسب ابن عمته علاء الدين الشمس، فإن مُحسن بدأ يشتغل في نقل السمك بكل أنواعه للتجار الكبار متنقلا بين الكثير من المُدن المغربية.

كفاح محسن من أجل العيش الكريم لم يتوقف عند هذا الحد، فالشاب اقترض مبلغا ماليا آخر واشترى أنواعا مختلفة من الأسماك، “بعد مُحاولات عدة للنجاح، قرر محسن مثل الكثيرين أن يُتاجر في سمك السيف المعروف في المغرب “بالإسبادون”.

واشتغل محسن قبل هذا كمساعد تاجر للتوابل ثم مساعد تاجر في الأواني البلاستيكية كما اشتغل في البناء ودرس في معهد الصيد البحري بالحسيمة، “كان أخا لي، وظلم كثيرا في تجارة الإسبادون”، يتابع علاء الدين.

Straßekreuzung und Bushaltestelle in Al Hoceima Marokko arokko (K.Ahdad )تقاطع طرق في الحسيمة بين الكفاح حتى الموت أوالهجرة إلى المجهول

الصيد البحري.. قارب الإنقاذ الوحيد

يعيش العديد من سكنة مدينة الحسيمة على مهنة الصيد البحري، فميناء المدينة يحتوي على حوالي أربعين مركبا للصيد البحري، وكل مركب يشتغل فيه حوالي أربعين بحارا، بالإضافة إلى العاملين في تجارة السمك والعاملين في بيع الأدوات الخاصة بالصيد والعاملين في المكتب الوطني للصيد البحري وخياطي شباك الصيد والنجارين والميكانيكيين المختصين في القوارب وحمالي صناديق السمك، بالإضافة إلى بعض الشباب والأطفال الذين يبيعون السمك بشكل عشوائي في الميناء.

وفي هذا الصدد، يقول نبيل، بحار ومُعيل لعائلة من تسعة أفراد في الحسيمة، إن “أغلب ساكنة المدينة تعتمد على قطاع الصيد البحري في معيشتها، بالرغم من المشاكل التي تطاله وغياب التعويضات والتغطية الصحية”، مُضيفا أن “سبب موت الشاب محسن هو تهريب السمك والرشوة، فالمسؤولون يسمحون بصيد سمك أبو سيف، وعندما يخرج من الميناء يبدؤون في إزعاج التجار البسطاء للحصول على الرشوة”.

ولا يخفي العاملون في الميناء الذين تحدثوا إلى DW عربية أن سمك الإسبادون يتم صيده بشكل عشوائي والمسؤولون عن قطاع الصيد البحري بالمدينة يسمحون بذلك بالرغم من المخاطر المُحدقة بتلك المراكب الصغيرة التي تقوم بهذا العمل، فهذه الأخيرة تصل إلى أماكن في البحر لا تصلها حتى المراكب الكبيرة، وهو ما يشكل خطرا على البحارة.

“المندوبية تغض الطرف عن هذه المشاكل، والناس هنا تريد أن تعيش ولا تجد بديلا آخر، فتغامر بحياتها”، كما يؤكد نبيل.

مسألة حظر الإسبادون، حسب البحارة، تعود إلى سنة 2012، حين وقع المغرب على اتفاقية دولية تمنع صيده لأنه في راحة بيولوجية، على إثرها حصل أرباب المراكب على تعويضات، بينما لم يحصل البحارة على شيء، وهذا واحد من أسباب الغضب الذي عم صفوف البحارة المشاركين في المسيرات الاحتجاجية الأخيرة.

Sitzblockade von Arbeitslosen in Al Hoceima Morocco (F.Bouhbouh)وسط صمت النخبة السياسية يرتفع صوت المحتجين في الحسيمة

بطالة وهجرة سرية.. اشتعال شرارة الغضب

غضب عارم وحزن شامخ وتعب كبير ذلك الذي يبدو في وجوه المحتجين من أبناء مدينة الحسيمة، خصوصا في المسيرة الأخيرة التي نظموها مؤخرا من بوكيدان وحتى إمزورن مسقط رأس محسن فكري. حلوق بحت من شدة الصراخ مُعبرين عن سخطهم بريفية ممزوجة بالعربية من ما سموه “سياسة الدولة المهمشة للريف”، فرغم توقف المسيرات الاحتجاجية في المدن الأخرى، ما يزال الريفيون يحتجون، وكأنهم وجدوا وفاة محسن فرصة لا تُعوض للتعبير على الألم الغائر الذي ينخرهم من الداخل.

حتى النساء اللواتي لم يعتدن على الخروج في مسيرات، خرجن مع أطفالهن لتشييع محسن إلى قبره، وسار الناس على أقدامهم ما يفوق العشرين كيلومترا، وتكلف الأطفال، في تضامن منقطع النظير، بملء قنينات الماء لروي عطش المشاركين في المسيرات المطالبة برفع التهميش وتوفير فرص الشغل للشباب.

وباستثناء تأسيس ملعب رياضي في منطقة إزمورن بالحسيمة وإصلاح بعض الطرق داخل المدينة، وإنجاز مراكز صحية متخصصة وبناء مطار الشريف الإدريسي بعد زلزال 2004، لم تشهد المدينة مشاريع تنموية لفائدة الشباب.

مُشكل البطالة في مدينة الحُسيمة على كل لسان، خصوصا بعد وفاة محسن التي أيقظت شرارة الغضب داخل عصام، شاب قاطن بالمدينة وعاطل عن العمل، بالرغم من أنه حاصل على دبلوم في تسيير المقاولات ودبلوم في الفندقة وشهادة في الإعلاميات. يقول في حديثه لـ DW عربية: “أعاني من البطالة منذ 3 سنوات، بالرغم من أنني أتقدم للمنافسة بشكل مكثف، ولكنني لست الوحيد، فأصدقائي ومعارفي كلهم يعانون من نفس المشكل، وحلمنا الوحيد هو الحصول على وظيفة”.

Hafen von Al Hoceima Marokko (K.Ahdad)ميناء الحسيمة في الليل يخفي معاناة الصيادين

وربط عصام بين هذا المشكل ووفاة محسن، مؤكدا أن “شباب الحسيمة يلجأون إلى بدائل عدة كالمهن الحرة والتجارة في جميع الميادين وتجد أيضا من يغامر بحياته في غياهب البحر هربا من هذا الجحيم، فالدولة لا توفر لنا مناصب شغل ولا تتركنا نمارس أعمالا بديلة، وخير مثال على ذلك ما حصل لمحسن”.

وفي هذا السياق، يؤكد فؤاد بوهبوه، عضو الجمعية الوطنية للعاطلين عن العمل من حملة الشهادات فرع الحسيمة، في حديثه لـ DW عربية أن “الدولة لم توفر لساكنة الحسيمة ولا منصب شغل واحد منذ سنة 2011، والبطالة في ارتفاع مستمر، وقتل محسن نقطة أفاضت الكأس فقط ودفعت بالجماهير للخروج إلى الشارع غاضبين”.

الحسيمة.. “المدينة المعزولة”

لا يمكن أن تتحدث إلى ريفي دون أن يحكي لك عن مرض السرطان ويخبرك أن فردا على الأقل من عائلته قد توفي بسبب هذا المرض الذي رجحت الكثير من الأبحاث أن سببه هو حرب الغازات السامة التي قامت بها إسبانيا ضد الريف في عهد زعيم الثورة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي، فيما ذهبت دراسات أخرى إلى كون المواد المهربة التي يقتات عليها أغلب الريفيين هي التي ورثت هذا المرض لديهم.

بالنسبة لمحمد الناجي، متخصص في علم الاجتماع، فإن المظاهرات التي عرفها المغرب بعد وفاة محسن فكري وخصوصا تلك التي عرفتها مدينة الحسيمة هناك نوع من “الثأر والانتقام من الانتخابات، فالمنتخبون تظاهروا اليوم بصمت، ونجد كل المهمشين والمقهورين والفقراء والطبقة المتوسطة والشباب الطامحين خرجوا للتعبير عن أنفسهم وليحتجوا، كانت تلزم فقط شرارة، أما الحدث المفجر فقد كان موجودا هنا، خصوصا مع جميع المشاكل التي يعاني منها المغاربة”.

ويُفسر الناجي الاحتجاجات المشتعلة بمدينة الحسيمة مؤخرا بـ “وجود إحساس تاريخي بالتهميش لدى الساكنة وبغياب الاعتراف بالريف الأمازيغي المُمثل والمقدم في شكل أعلام “الوطن الأمازيغي”، مُضيفا: “دون أن ننفي أنها مظاهرات تتسم بنوع من السذاجة والعفوية وغياب البنية والفكرة”.

مريم أعراب ـ الحسيمة

loading...
2016-11-03 2016-11-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي