فؤاد بنعلي- اِبتزُّوهُ فمنعوهُ ثم أوقفوهُ فقتلوهُ…ريفنا يُبَادُ بِلُطف

فؤاد بنعلي- اِبتزُّوهُ فمنعوهُ ثم أوقفوهُ فقتلوهُ…ريفنا يُبَادُ بِلُطف

بقلم: فؤاد بنعلي

يقول أهل الريف الطيبين أنَّ شابا قذفته سياسات الدولة اللاجتماعية اللاتضامنية اللاإنسانية و حاصرته منهجيتُها الإقصائيةِ التهجيريةِ التحقيريةِ و التيئيسيةِ مِنْ كلِّ حَدْبٍ و صَوْبٍ كما العديدُ مِن نسائنا و رجالنا الريفيين، قد اقْتَرَض مالاً و عدَّدَه فخطَّط لتجارةٍ تُحْيِي أمله و تَسُدُّ رَمَقَه ثُم نَزَل لميناءِ المدينة ذاتَ ليلة فاشترى سمكًا يَرْجُو بيعه لِيُطعم أمه و أهله..

تَسترسل بعض الضمائر الحية و تقول إن شهيدنا بعد أن شَحن البضاعة و أدَّى ثمن الفاتورة و وَدَّع البائع و البَحَّارَة و شَغَّل مُحرك السيارة بعد قَوْل البسملة و التَّضرُّع إلى الله بأنْ يجعل بيعه و شراءه فاتحَ خير و بركة، قد تَمَّ إيقافه بباب الميناء من طرف شرطيِّ المداومة طالبا منه حسب ما قالته العَامَّةُ رشوةً مالية لِغَضِّ البصر و البصيرة عن شُحنته السَّمكية التي قال عنها صاحبُ السُّلطة أنها غيرُ شرعية و أنَّ صيدَها ممنوع طِبقًا للدَّورِيَّة و عليه وُجِبَ تَمْليحُ اليد بدراهمَ قَبْلِيَّة حتى يَغُضَّ الطَّرْفَ و تمُرَّ السيارة بأمن و أمانة…

أَحَسَّ شهيدنا – أسكنه الله فسيح جناته – بكل أنواع الابتزاز المادي و المعنوي و كلِّ ألوان التَّحقير المُتَعَمَّد فرَفَضَ طلب الشرطي و أقسم ألا يَمُدَّه بأية رشوة و أنَّ السمك إن كان مَحَلَّ منعٍ فالأمرُ يتعلَّق بِمَن صادَه بالبحر و ليس بِمن اشتراه من داخل المرسى حيث المندوبية و الإدارة…

أعاد شهيد الريف الصامد الأبي تشغيل المحرك، تجاوز نقطة المراقبة و ترك شُرطيَّها يُتمتم بكلمات غير مفهومة عبر جهازه اللاسلكي بعد أن لم يحصل على الإتاوة…

لَمَّا هَمَّ شهيد أرض الريف بمغادرة المدينة و توزيع البضاعة، حاصرته دورية للشرطة لم تُمْهِلهُ ثانيةً و لا دقيقة، فَسِيقَ حتى باب المفوضية المركزية بوسط الحسيمة حيث الساحة البلدية و باب المحكمة…لم تُعْطَ للشهيد أية فرصة لشرح القضية، لم يُمْنَح دليلا على أنَّ الأمر فيه حقًّا منعًا و قرارا يُلْزِم الرعية، لم تُأْخَذ بِعَيْن الاعتبار توسُّلاتُ المارة و لا صعوبةُ الوضعية الاجتماعية لاسترجاع الشحنة السمكية و السيارة…

و كعادتهم، قَسَتْ قلوب مسؤولينا المُتَحَجِّرة، لم يُعِيرُوا الأمر اهتماما، لم يُنْصِتوا لضمائرهم المفقودة، لم يُفكروا في نتائج حرمان محروم من رزقه، لم يَستحضروا موت الريف السريري و احتضارَ أهله، لم يَتذكَّروا انتحارات الميؤوسين من سياساتهم الفاشلة، لَمْ ينظُروا للركود و الجمود الذي يَضرب التجارة و المدينة… بل – و كما ردد الجميع ليلتها بعد شهادة الشهيد – مَرغُوا كرامته في الوحل أَيَّمَا تَمريغ، أَسمعوه سبًّا و قذفًا و وَعِيد، قَزَّمُوه و احتقروه و استفَزُّوه، تَجاوزوا القانون و أَهانوه…

تَفَتَّقَتْ عبقرية مسؤولينا الأمنيين أطال الله في أعمارهم عن فكرة جهنمية، أنْ يَتِمَّ ربط الاتصال بشركة النظافة و القَيِّمِين على المجموعة الجماعاتية، أنْ تُسْتدعى الشاحنةُ التابعةُ للشركة المُفَوضَّةِ من طرف البلدية، أنْ يَتِم استغلال سذاجة المنتخب المُمَثِّلِ للساكنة لإيفاد عاملِ النظافة، أن تُحَرَّك أرقام الهواتف بعيدا عن أية طلبات خطية رسمية، أنْ تُفْرَض السُّلطة على حساب كُلِّ ضعيف و ضعيفة و… و أنْ تُفْرَغَ حَمُولة السيارة من شُحنتها السمكية المُقَدرة بملايين السنتيمات المغربية بشاحنة الأزبال القَذِرة فَتَدُكَّها دَكًّا دَكَّا…

وصلت شاحنة شركة النظافة المُوَقَّرة لِباب مُفوضية الشرطة المركزية بوسط المدينة حيث ترقد سيارة الشهيد و الأسماك المُعْتَقَلة… تَمَّ إعطاء الأوامر لرمي السمك بمؤخرة الشاحنة المشؤومة، احْتَجَّ شهيد القضية على المهزلة فتَحَرَّك بشدة و كلَّ المارة، و لَمَّا بدأ الشُّرُوع في إلقاء الخير و الشُّحنة بِمَخزن الشاحنة لم يَسْتسِغ شهيدنا – رحمة الله عليه – كل أساليب الاستخفاف و ألوان الاحتقار فَصَعد و بعضًا من المحتجين على الفضيحة خَزَّان الشاحنة حيث آلةُ الدَّك القاتلة…

اِنحبست نفوس المحتجين و المارة و تَوقَّفتِ القلوب عن الخفقان من هَوْلِ المشهد و الصدمة، قيل بعدها في احتجاج جماهيري بَعد فِعْلَيْ القتل و الجريمة إنَّ أحدا من رجال المسؤولية من أَمَرَ عامل النظافة بالضغط على زِرِّ تشغيل الآلة عندما تَوَاجَد الشهيدُ و الإخوةُ بداخل الشاحنة حيث الموتُ و المقبرة فَلَمْ يُعِرِ الأخيرُ للأمر أهمية فأطلق يديه لتوزيع الموت و الصراخ و الألم و الدَّمْعِ و كلِّ الأحزان الشَّجِية على مواطنين بُسطاء بحثوا عن اللقمة بعد أن شردتهم الدولة و حاصرتهم آلة القمع الرهيبة…

في رمشة عين و بدون إذن سَحَبَتْ آلة الدَّك المُمِيتة شهيدنا شهيد الأمة للأسفل و قبضت روحه في مشهد تَزَلْزَلَت فيه القلوب و اهْتَزَّ فيه عرش الرحمان من ظلم إنسانٍ لم يَصِلْ درجة الإنسان في حق مظلوم يبحث عن كِسْرَة خبز حلال، فمات ثم مات فيما نجا من كان معه من براثن موت مُحَقَّق أطلقه جبناءٌ طغاةٌ عصاةٌ غرباءُ عن ريفنا…

ريفُنا يموت يا سادة…أهلها يُقْتلون و في أحسن الأحوال يَنْتحرون…

اللعنةُ كلُّ اللعنةِ على كلِّ مَن سَاهم و يُساهم في حصار الريف و تشتيت أهله و تفقيرهم…

loading...
2016-11-07
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي