في الحاجة الى ”ادب ريفي” يوثق نمط عيش الانسان الريفي

لطالما اشتد الجدل حول التعريف الحقيقي للريف وخاصة الحيز الجغرافي الذي يشغله، وقد ذهب العديد من المؤرخين  الى الاشإرة ان الريف التاريخي يمتد من العرائش حتى الحدود الشرقية مع الجزائر، ودليلهم في ذلك تشابه العادات و التقاليد التي تميز هذا الحيز وكذا تشابه اللغات واللهجات التي يتحدث بها الريفيون، من الشرق الى الغرب. على الرغم من ان الثقافة الريفية ضاربة في التاريخ والجغرافيا وتتميز عن الثقافات المجاورة لها وخاصة الامازيغية منها الا ان وثيرة توثيق هذا التراث الشفوي تبقى متواضعة ومهددة بالضياع مع توالي هجمات العولمة التي تاتي على الاخضر واليابس من عادات الاجداد. عرفت منطقة الريف مند سنوات التسعين من القرن العشرين صدور مجموعة من الروايات الأمازيغية، والتي كانت تتناول عدة مواضيع اجتماعية وسياسية وثقافية وتاريخية وإنسانية، تؤرق الإنسان المغربي بصفة عامة، والإنسان الريفي بصفة خاصة. وقد اتخذت هذه الرواية الأمازيغية عدة طرائق فنية وبنى جمالية، فتباينت هذه النصوص الروائية في الموضوع والصياغة والوظيفة والمقصدية والبناء التخييلي.إذا، ماهو المشهد الروائي الأمازيغي بمنطقة الريف؟ وماهي خصائص الرواية الأمازيغية الريفية صياغة ودلالة ورهانا ووظيفة؟

 الادب ”الشكري” ادب ريفي مكتوب باللغة العربية: من المعلوم، أنه لا يمكن الحديث عن الرواية الأمازيغية الريفية، وفهم بنياتها تأويلا وتفسيرا، دون الحديث عن الكاتب العالمي محمد شكري. ينحدر كاتبنا، الذي شغل الدنيا بكتاباته الجريئة، وما يزال، من قبيلة بني شيكار، أو آيت شيشار؛ كما تسَمّى  في إقليم الناظور، حيث عاش بعض طفولته، قبل أن يَرحلَ إلى طنجة رفقة أسرته، سنة 1942م. اشتغل شكري في صِغره بثمن بَخْس؛ إذ عَمل في المقاهي، وباعَ الجرائد والسَّجائر، ومَسَح الأحذية… وغيرها من المهن التي كونت شخصيته الشعبية.

لم يَتعلم الكتابة والقراءة، إلا وهو في سِنّ العشرين، حينما قرّر الرحيل إلى عالم المعرفة والعلم، فالتحق بمدرسة في مدينة العرائش سنة 1955م، ليتخرج بعد ذلك أستاذا. اشتهر شكري، في بداية أمره، قاصّا متمكنا، إثرَ نشر قصته “العنف على الشاطئ” سنة 1966م، لكنّ شهرتَه العالمية، ترجعُ إلى روايةِ “الخبز الحافي”، التي ترجِمت إلى ما يَقربُ من أربعين لغة.

هذا، بالإضافةِ إلى أعمالِه الأخرى المتميزة: الشطار/ زمن الأخطاء، وجوه، الخيمة. وكذا مجموعته القصصية المَوسُومة بـ: “مجنون الورد”، وأعمال أدبية أخرى.. إّن المتن الروائي الذي كتبه محمد شكري هو عن تفاهة الحكام العرب، وحقيقة الاستعمار، وخزي البلاطات، والفوارق الاجتماعية الطبقية الصادمة. فقد باع الرجل جسده من أجل لقمة، وقلّب المزابل ومطارح النفايات من أجل كسرة خبز، تلك ــ الأسطورة ــ المفقودة التي لم يوفرها له المجتمع البئيس ولا بأس أن يأكل الجيفة حينما تُغيَُّب العدالة . إن ما دونه محمد شكري هي عن التناقضات الحقيقية الصارخة التي تسكننا كمجتمع “سكيزفريني” فصامي “سيكوباتي” يجيد ازدواجية المعايير، ولغة الأقنعة، والنفاق الاجتماعي المستتِر تحت عباءة الدين الذي لا نستطيع أن نعترف به حتى مع أنفسنا. آه يا شكري لم تنتِه مأساة الخبز عندنا بعدك.. آه يا شكري وأّمك تقول لك ” اسكت يا محمد سنهاجر الى طنجة فهناك خبز كثير”

ان شكري لم يكن يبحث إلا عن الكينونة المنسية، إنه يحكي بعيدا عن المساحيق اللغوية (اللغة الشبقية كما يسميها الناقد الفرنسي “لولان بارت) عن المجانين والمعتوهين “شخصية ميمون في السوق الداخلي ” وأوجاع التلاميذ حينما يتم تكديسهم كعلب السردين الرديء في الخيريات، ودور الطلبة، وذلك ما أثاره حينما تحدث عن تجربته كتلميذ في العرائش، ولم يكن يومها يجد حتى المرآة ليحلق ذقنه .. كان يكتفي بإحضار “طست” من الماء ليرى فيه وجهه ليباشر عملية الحلق.. إنه يحكي عن مرارة المنبوذين المنِسيِّين الذين يتوّسدون “الكارطون” والِخَرق الممّزقة في الشوارع وقد حدث أن توّسده شكري مع الرثّين مرارا حينما كان تلميذا فقيرا في السلك الثانوي بالعرائش.. إن الشحرور الأبيض لم يكن يؤرخ ­ والعمل الإبداعي هو وثيقة تاريخية تبقى شاهدة على عصر المبدع / الكاتب حسب المنهج النقدي التاريخي الذي تبلور مع سانت بورف وتين ­ في حقيقة الأمر بإبداعه الساخر الا لفترة عصيبة عرفها ريفنا الجريح، حينما اضطربت أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتوالت الأزمات وسنوات الجفاف والقحط  مّما اضطر الكثير من أبناِء الريف إلى الهجرة نحو الشمال والغرب بحثا عن لقمة عيش آمنة، يروي شكري في شهادة له عن هذه الهجرة فيقول: “أنا ابن هجرة المجاعة الريفية التي حدثت في بداية الأربعينيات، الذين هاجروا هربا من الجفاف القاتل .. لم يكن أحد من أسرتي يتكلم الدارجة المغربية، عندما غادرنا قريتنا في بني شكير، لغتنا الوحيدة كانت هي الريفية داخل كوخنا وخارجه، عندما بلغنا طنجة كان عمري سبع سنوات، كلّما حاولت أن أسرق لحظة لعب مع أطفال الحّي الذي سكنا فيه كانوا يطاردونني صارخين : “امش يا الريفي” ..”امش يا ولد الجوع”. طبعا كان من السهولة بمكان أن يجد مكانا له وسط المهمشين والجياع من أبناء القاع في أحياء طنجة الفقيرة. إن النص ”الشوكروي” يسائل ضمنيا التهجير القسري الذي تعرض له الريفيين الى الجزائر للعمل هناك مع المعّمر الفرنسي نتيجة سياسة الإصلاح الزراعية التي نهجها في الجزائر، انه يثير الوجه القبيح البشع للمستعمر الاسباني الذي لم يكن يخلق فرص الشغل، بقدر ما كان يكتفي فقط باستغلال خيرات المجال واستنزافها، وجرد الريفيين من أراضيهم والحرفيين والصناع البسطاء من أدواتهم البسيطة حتى صاروا لا يملكون إلا قوة أبدانهم التي يبيعونها للمعّمر، إنه “المغرب المجهول” كما سماه الكاتب الفرنسي اكوست موليراس، رواية عن محمد بن الطيب الذي يعد من الكتب والمؤلفات الأولى التي تناولت الريف انتروبولوجيا وجغرافيا ؛ عادات الريفيين وقيمهم وأخلاقهم وطبائعهم.. الخ وقس على ذلك باقي مناطق المغرب وما عانته من ويلات الاستعمار من تجويع وتشريد وقمع واستغلال وعسف واعتقال. أّما على مستوى الفضاءات والأمكنة التي يتم وصفها لم يكن يحتفي إلا بالأمكنة الهامشية، بفضاء الشوارع الخلفية والقبور والاماكن المظلمة، الأسواق الشعبية والحانات أماكن الانحدار والشقاء التي ترزح تحت الزمن الليلي المعتم، فشكري يعتبر نفسه كاتبا ليليا بامتياز، وهو يسهم بذلك في اصباغ المشروعية على انتصاره للهامش الاجتماعي، الشيء الذي مكنه من تحقيق مركزيته الابداعية. لقد كان شكري رفيق الهامش، وظل وفيا للطبقات السفلى لقيمها واحتراقها. إن أدب شكري لْم يكْن سوى “أدب الجراحات والاختلاف والاعتراف والوجع، إنه الوجع الذي يصبح جميلا حينما يصير أدبا على حّد قول الناقد سيوران، فمْهَما حاول الماضويون الرجعيون الأصوليون تشويه ومسخ صورته، والتهجم عليه بشكل هستيري ـ مرضي سيظّل الأقرب إلى وجدانيات المسحوقين من فتاويهم المارقة الفوق ــ تاريخية المفارقة للواقع، وستظل الطبقات الشعبية عندنا تحتفي و تلتهم “الخبز الحافي” / السيرة الذاتية، ولو من وراء جدار ولذلك لا نستغرب أن تتعرض كتاباته لكل هذا التضييق والمطاردة والتعتيم والتشويه والتركيز على نص الخبز الحافي ـ الذي قال عنه شكري نفسه ــ “إنه النص الذي قتلني” “ونص ملعون” الذي جاء حافيا في لغته وكشفه للمستور والمسكوت عنه واللامفكر فيه، بلغته الانتهاكية الجسورة العنيفة في تصوير المشاهد والاحداث بعيدا عن التعابير الرومانسية الأنيقة المهادنة، فهو لا يعرف كما يقول أن يكتب عن حليب العصافير والذهب…

تطــور الروايــة الريفية: لم تظهر الرواية الأمازيغية في منطقة الريف إلا في وقت متأخر جدا، وذلك بالمقارنة مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر.أي: ظهرت الرواية في سنة 1997م ، وذلك مع محمد شاشا في روايته:”غازطابو ءادتفاغ ثفوشت”، لتعقبها رواية ثانية لمحمد بوزكو سنة 2001م بعنوان”ثيشري خ ثامان تسارافت”. بيد أن الرواية السوسية سبقت نظيرتها الريفية كما قلنا سابقا منذ سنة 1994م، وذلك مع المبدع علي إيگن الذي نشر روايته الأمازيغية بلهجة سوس بعنوان:” Assekkif n Inzaden / حساء الشعرية” . وإذا كانت منطقة سوس تتوفر اليوم على أكثر من تسع روايات أمازيغية، فإن منطقة الريف لم تعرف سوى ستة نصوص روائية. وبذلك تكون الرواية الأمازيغية بالريف متأخرة كثيرا على مستوى الكم والتراكم عن نظيرتها العربية في نفس المنطقة ، والتي تحظى بـــأكثر من ثمانية عشر نصا روائيا، وذلك لكل من محمد شكري، وعمرو والقاضي، وميمون الحسني، ومصطفى الحسني، وحسين الطاهري، وعبد الحكيم أمعيوة، وبشير القمري، وعبد الله عاصم، وميمون جمال كبداني، ومحمد الأشعري، وغيرهم… وإليكم مجمل الروايات الأمازيغية المكتوبة بمنطقة الريف:

1/ “غّاز طابو ءادتفاغ ثفوشت” لمحمد شاشا: ظهر أول نص روائي أمازيغي ريفي بعنوان” غّاز طّابو ءاد تافاغ تفوشت/امضغ الطابو ستخرج الشمس” للمبدع المغترب محمد شاشا، والذي يعيش في هولندا إلى جانب مجموعة من المبدعين، كأمنوس، وميمون الوليد،ومحمد والشيخ … ومن المعلوم أن هذه الرواية من منشورات مطبعة الجذور (إيزوران) بهولندا سنة 1997م، والعمل نص روائي طويل مكتوب بالخط اللاتيني، وذلك في 295 صفحة من الحجم المتوسط. 2/ ” ثيشري خ ثمان تسارافت” لمحمد بوزكو: أصدر محمد بوزكو روايته الأولى سنة 2001م بعنوان:” ثيشري خ ثما ن تاسارّيفت/ TICRI X TAMA N TASARRAWT” في 123 صفحة من الحجم القصير عن مطبعة طريفة ببركان (المغرب)، وقد كتبت الرواية بالخط اللاتيني. هذا، ويسرد الكاتب في هذه الرواية تاريخ أحد المناضلين الوطنيين الذين هاجروا إلى فرنسا ، وهو عمر الرداد الذي اتهمته فرنسا بقتل مشغلته جزلين مارشال سنة 1994م ، بيد أنه في الحقيقة لم يقتلها، بل كان إنسانا مظلوما بريئا ؛ مما جعلت فرنسا في الأخير تفرج عنه سنة 1998م . 3/ تاسريت ن ءوزرو” لسميرة يادجيس ن- ءيذورار ناريف: أصدرت سميرة يادجيس ن- ءيذورار ناريف (سميرة بنت الريف) سنة 2001م روايتها الأولى تحت عنوان:” تاسريت ن ءوزرو/عروسة الحجر”، وذلك عن مطبعة مؤسسة النخلة بوجدة في 307 صفحة من الحجم الطويل. وبهذا، يكون هذا العمل أكبر نص روائي أمازيغي ريفي من حيث الحجم. وقد تذيلت الرواية بمعجم أموال فرنسي عربي، علاوة على كونها مكتوبة بالخط اللاتيني. 4/ ” جار و جار” لمحمد بوزكو: ظهرت رواية ” جار ءوجار/ بين …بين” لمحمد بوزكو في سنة 2004م في 80 صفحة عن مطبعة تريفة ببركان، وقد كتبت الرواية بالخط اللاتيني.و تعد هذه الرواية مرآة للحياة الريفية اليومية، لأنها جسدت البطالة والفقر والجوع ، وصورت ضياع الشباب الريفي بين إلدورادو الأوروپي، والمغرب المنهوك بأزماته الاقتصادية والاجتماعية. وبعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى المقابلة بين الأجيال الماضية التي مازالت تحترم التقاليد والعادات الموروثة، والأجيال المعاصرة التي انفتحت على حداثة الغرب ومواضعاته الحضارية. ويسلط الكاتب أيضا الضوء على مشكل يؤرق الريفيين عموما، وهو مشكل الهوية والمثاقفة. 5-” نونجا، تانشروفت ن-إزرفان” لسعيد بلغربي: أصدر سعيد بلغربي روايته الأمازيغية الأولى سنة 2009م عن مطبعة الأنوار بوجدة تحت عنوان” نونجا، تانشروفت ن- إزرفان/ نونجا حبيسة الأعراف”، وقد تولى سعيد بوتقيوعت تشكيل الغلاف الخارجي، بينما تكلف عبد المطلب الزيزاوي بتقديم العمل، وتنقيحه لغويا. وتضم الرواية ستا وخمسين صفحة من الحجم المتوسط. وقد استعمل في هذه المحاولة السردية الروائية الأولى الخط اللاتيني لتسهيل النطق الأمازيغي على قراء العمل. هذا، ويشتغل الكاتب على أسطورة نونجا للتعبير عن الذاكرة الأمازيغية، وتجسيد معاناة الإنسان الريفي عبر الصيرورة التاريخية، والعمل على تفكيك الأسطورة في كل مقوماتها وملامحها التاريخية والاجتماعية والرمزية ، بغية تجسيد الهوية المفقودة، وتصوير الكينونة المهمشة، والتعبير عن الذاكرة المقصية في جبال الريف من الشمال الشرقي. وتعبر الرواية كذلك عن فتاة ريفية قيدها أمغار كبير القبيلة إلى جانب بقرة، ليقدمها قربانا للأعراف والتقاليد، لكي تعيش كائنات القرية حياتها كالدواب مستسلمة صامتة، يمنع عنها الصراخ والاحتجاج والتمرد والرفض. بيد أن الشاب إيدير قرر الثورة على الأوضاع والأعراف القبلية الموروثة ، ليجد نفسه كالطاحونة تدور حول نفسها بدون جدوى ولاهدف؛ لأن القبيلة كان يسودها الجهل والأمية والتفكير الخرافي والأسطوري؛ مما جعل إيدير يفشل في تغيير الواقع، والعجز عن مواجهة المخزن المستبد، وتحدي السلطة الطائشة. ومن ثم، تتشابك في الرواية الأسطورة والحقيقة، ويتداخل فيها الماضي والحاضر بشكل جدلي مفارق. 6- رواية ” حـــدو” بين الضياع والاغتراب: ظهرت رواية ” حدو” للمبدع الأمازيغي الريفي الحسن المساوي في طبعتها الأولى سنة 2011م، وهي رواية واقعية اجتماعية مأساوية، تصور أثر الهجرة والاغتراب على الإنسان الأمازيغي بمنطقة الريف. ومن ثم، فالشخصية المحورية في الرواية هي ” حدو”، ولكن لا ننسى أن أمه :” نونجا” ، تظهر بمثابة شخصية ديناميكية أساسية في هذا العمل الروائي، فهي تمثل الأرض والهوية والأصالة، والتشبث بالحياة والوطن والكينونة . أما ابنها حدو الذي اختار سبيل الهجرة، فهو رمز للفقدان والضياع والاغتراب، والسبب في ذلك تخليه عن أرض الآباء والأجداد. وعليه، فحدو من أبناء الريف المهمشين ، والذي كان يعاني من الفقر والازدراء والإقصاء ، وذلك بعد أن استشهد أبوه في معارك الصمود والنضال والتحدي ضد الاستعمار الإسباني الغاشم . ولم تكن أسرة حدو تملك أي شيء سوى بعض أشبار قليلة من الأرض. ومن ثم، فقد اشتغل حدو عند الآخرين حمالا وفلاحا وحطابا وسواقا. وقد لاقى الذل والهوان في عمله الشاق، وازدادت أسرته فقرا على فقر. ومن ثم، قرر حمو أن يهاجر إلى الضفة الأخرى، بعد أن حصل على جوار السفر بشق الأنفس احتسابا وارتشاء.، حيث باعت أمه نونجا قطعة أرض لقريبها الطاهر ، والذي كان يعرف بالطمع والجشع وعدم القناعة. وقد رافق حدو في سفره صديقه مسعود، والذي كان ميسور الحال إلى حد ما. وقد لقيا كلاهما عوائق كثيرة أثناء سفرهما بطنجة، كمطاردتهما من قبل اللصوص الذين كانوا يريدون سرقة أموالهما، كما سجنا في مراكز الشرطة حيفا وظلما وبهتانا. ولما وصل حدو إلى إسبانيا، تخلى عنه صديقه مسعود، بعد أن تعرفا على شخص أمازيغي أواهما ليلة واحدة في غرفته الوضيعة. وفي الغد، طلبا من حدو أن يبحث بعيدا عن مسكن يحضنه. فلم يجد حدو سوى حياة البؤس والفقر والمعاناة ، ينام في الغابة مع الحيوانات حرا وقرا، فيأكل فضلات القمامات، وينتقل من مكان إلى آخر بحثا عن العمل ، ولكن بدون جدوى. أما أمه نونجا، فقد عانت الكثير بسبب الفقر، وطمع الطاهر في ما تملكه من أشبار، فقد باعت كل شيء، ولم تقو على التكيف مع متطلبات الحياة الصعبة، فكانت تفلح الأرض وتزرعها، وكانت تنزل إلى السوق للبيع والشراء، فازدادت ألما على ألم، وحسرة بعد حسرة. ولكنها، بعد ذلك، لم تقو على العمل والحركة؛ وذلك بسبب كبرها وترهلها. أما ابنها الشاب حدو، فقد تعرض للضرب من قبل بعض المتطرفين الإسبان، فسقط طريح الأرض ، فاقدا للوعي، حيث تم نقله توا إلى المستشفى، فعامله رجال الشرطة معاملة حسنة، فتفهموا وضعيته الاجتماعية، وتبينوا أسباب اغترابه، فأسكنوه دارا خاصة به، ثم علموه إلى أن أتقن حدو اللغة والمهنة أيما إتقان. وبعد ذلك، بدأ حدو ممارسة شغله كناقل للأدوية بنشاط زائد، وقد أعجبت ديبورا بوسامته وشجاعته وتسامحه وعفته، فعشقته كثيرا، ثم قررت الزواج به . وذلك، على الرغم من رفض أبيها لهذا القرار؛ لأنه كان يكره الريفيين أيما كراهية؛ وذلك بسبب مشاركتهم في الحرب الأهلية الإسبانية، والتي أودت بالكثير من الجمهوريين اليسار. هذا، ولقد نسي حدو أمه سنوات عدة، شارفت على أربع عشرة سنة، ولاسيما أنه قد وعد أمه نونجا بأن يرسل لها النقود، وذلك ريثما يحل بأرض الغربة. وكل ذلك من أجل مساعدتها على مواجهة مصائب الحياة، وتحمل أعبائها الشاقة. بيد أن بلاد الغربة قد أنست حدو أمه، فبدأ خيالها يتراقص أمام عينيه في اليقظة والمنام، يحلم بها في كل حال من الأحوال، وهي تطارده سبا وشتما، وتحاول قتله بغضا وحنقا وكراهية. فأخبر حدو ديبورا بهذا الحلم، فشجعته على السفر إلى بلاده من أجل رؤية والدته ، وعقد الزواج لاستكمال الفرحة ، وتحصيل السعادة . ولما وصل حدو إلى قريته البعيدة، وذلك بعد أن قطع مسافة كبيرة، وجد أن بلاده لم تتغير قيد أنملة، بل ظلت كما هي مهمشة مترهلة، غارقة في سبات عميق من الخمول و التخلف والإهمال والفساد. وحينما أشرف على قريته، وجد أن طرقها مازالت كما هي مغبرة وغير معبدة. ولكن الفاجعة المأساوية كانت تنتظره ، وذلك حينما وجد أنه أمه قد غادرت الحياة، غاضبة عليه، فلم يقو حدو على الصبر والتجلد، فسقط على الأرض هاويا من شدة الحسرة واللوم. وظل حدو بجوار قبر والدته نونجا يذرف دموع الندم والخيبة. ويلاحظ أن هذه الرواية أشبه بسيناريو سينمائي ، وذلك لكثرة المشاهد الحوارية، واستعمال لغة درامية مشحونة بالتوتر والفجائعية والتراجيديا. كما استعمل الكاتب الرؤية من الخلف، بتشغيل ضمير الغائب، مع الاستعانة بالمعرفة المطلقة، وحياد الراوي واستقلاله. كما اتخذ زمن السرد طابعا كرونولوجيا صاعدا؛ مما جعل الرواية ذا بناء تقليدي كلاسيكي. زد على ذلك، أن الكاتب كان يزاوج بين السرد والحوار، مع استخدام المنولوج أو الحوار الداخلي. وعليه، فقد تفوق الحسن المساوي في روايته أيما توفيق، كما أحسن وأجاد أيضا في دواوينه الشعرية السابقة. ومن هنا، يمكن القول بأن الحسن المساوي له مستقبل كبير في عالم الإبداع الروائي والقصصي والسينمائي، وخاصة إذا توجه إلى كتابة السيناريوهات لأفلام أمازيغية ريفية. يبدو ان التراث الريفي لم يعد مجرد حكايات تحكيها الجدات للاحفاذ قبل النوم بل اصبح يتبلور يوما بعد يوم في قالب ادبي رفيع تغنيه عادات وثقافات هذه البقعة التي تختزن الكثير من الافراح والاحزان بسبب الاحداث التاريخية التي تعاقبت عليها منذ ان استوطن الانسان الامازيغي ارض شمال افريقيا.  لذا فتوثيق هذا التراث عبر روايات تحكي المعيش اليومي لاهل الريف لم يعد ترفا فكريا بل اصبح حاجة ضرورية  لتشكيل ادب ريفي كخطوة اولى في مسار فهم العقل الريفي وما يعنيه ذلك من امكانية لبلورة نظام اجتماعي واقتصادي نابع من البيئة الريفية.

جميل حمداوي بتصرف

loading...
2016-10-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي