ذ يوسف بوغنيمي – غرباء في وطنهم…

ذ يوسف بوغنيمي – غرباء في وطنهم…

حسيمة سيتي – ذ يوسف بوغنيمي كاتب وصحفي مغربي

الشباب المهجر قصرا والمعطل غصبا والذي توقفت عقارب حياته فترة من الزمن هنا بالمغرب ، يمثلون مئات الآلاف ،ولا يكاد يخلو بيت من نظرة حسرة عليهم أو استهجان في حقهم وحتى تعاطف معهم ، يمثلون نماذج عديدة ممن حملوا حقائبهم مكرهين لا أبطالا،و ودعوا الوطن على مضض ولو في أحلامهم ، بعد أن دب اليأس بينهم ورحلوا من و الى هوامش المدن وحواضرها ، في حين قلة من المحظوظين بينهم اختاروا الهجرة بعيدا لمعانقة بلاد العم سام ، فوجدوا فيها عزاؤهم وحلت الأبواب التي ظلت موصدة في وجوههم ،واقتنصوا الفرص التي ضاعت لسنوات وتبخرت من أمام أعينهم ، بعد أن دفعوا سنوات من أعمارهم ضريبة لسياسات عمومية فاشلة طالما غيبت البشر و الحجر لعقود من الزمن ، واستبعدت أية تنمية لتلك المجتمعات القروية والحضرية التي أنجبتهم ، وساهمت في تشويه معالم خريطة لم يتوازن فيها الجغرافي بالبشري ، والاجتماعي بالاقتصادي ، حيث تركت ساكنة لحالها يتقاذفها رؤساء جماعات وحتى مجالس حضرية وقروية تضرب الأمية والجهل أطنابها بينهم ،وتغيب عن رؤاهم أية استراتيجية تنموية ، فبالأحرى خلق فرص جديدة لعمل الشباب أو تشغيلهم ، في حين أدهاهم شكل باب الجماعة بوابته الوحيدة لتشغيل بعضهم بأساليب وطرق شتى ، حيث غصت الجماعات بالموظفات والموظفين ، وساهمت في انتشار ألآلاف الأشباح بين ردهات الادارات ومكاتب المؤسسات ، في حين شكلت الايرادات الجماعية أو الاعانات السنوية المركزية غنيمة لهم ، وموردا لتغطية مصاريفهم وتمويل مشاريعهم ،فابتاعوا السيارات الفارهة ونالوا العقارات الجماعية والسلالية وفطنوا ابداعات تقسيمها ،و دشنوا مشاريعهم الشخصية ومرروا صفقاتها لذواتهم فكانوا الخصم والحكم ،ومنهم كثيرون أصبحوا يدركون كيف تعقد ربطة العنق وخبروا حتى أساليب فكها ،،،

غرباء في وطنهم هم هؤلاء وأولات اللذين تربوا في ذلك الوطن ودرسوا به ، وقضوا به طفولتهم وفترة من شبابهم وحلموا يوما أن ينالوا حظهم في عمل قار بجانب أهليهم وذويهم ، وشغل قد يضمن لهم أدنى حد من شروط العيش الكريم ، واستقلالية الجيب ، ويقيهم شر السؤال ،ويوفر لهم دخلا قارا يمكنهم يوما ما في تجميع مهر عروس ،ولم لا تكوين أسرة وتحقيق هدف أزلي في عمارة الأرض وخلافتها ، لكن كان لهم نصيب من الانتظار القاتل وتكرار رتيب لأيام أسابيع وسنون…

شباب منهم من حصلوا شواهد جامعية ، مهنية وتقنية ، وصرفت الملايير على تكوينهم وتأهيلهم لكنهم لم يحصدوا سوى الريح داخل وطنهم ، لأن متلازمة “باك صاحبي” ظلت تطارد سيرهم الدراسية والمهنية ،،، أو لأن أباءهم لم يحظوا بمنصب اعتباري مثل ذاك لرئيس حكومتهم ، والذي وجد منفذا لفلذة كبده في أمانته العامة ،عملا بالمثل الشعبي ـ ” من لحيتو نلقم ليه ” – حيث كانت الغنيمة في الشوط الأخير من الوقت المستقطع ، حتى لو تم نكث العهود التي قطعت ،والخطب التي أذيعت والبهرجة التي أقيمت والزهد والعفة التي ادعيت ،،،…وكانت المحصلة بأن حديث الليل تمحوه أول اطلالة أشعة شمس النهار ،عملا بالقول الشائع والغير معتد به لدى ثمالى الثلث الأخير من الليل…

غرباء الوطن ليسوا سوى شباب تربوا بباديته أوحاضرته، تقطعت بهن وبهم السبل في أواسط أعمارهم ، وأضحت شوارع العاصمة الادارية محجا ومزارا لهم وبوقا لإسماع أصواتهم واحتجاجاتهم .أو مسرحا لكرهم وفرهم ، سعيا لتطبيق حرفي لما لقنته المدرسة العمومية من علم أصيل لهم ، وخاصة ذلك البيت الشعري الشهير لأحد أهم شعراء المعلقات امرؤ القيس ببلاغته وإعجازه ،وتبصره وبصيرته.

مكر مفر مقبل مدبر معا *******كجلمود ضخر حطه السيل من عل

والذي حقق النبوءة و سبق ما اكتشفه إدوارد مايبريدج في أواخر القرن ال 19 عندما صنع كاميرا عالية السرعة ولترافاست لبحث حركة الحصان واكتشف ء أنه أثناء جري الحصان تتقدم رجلاه الخلفيتان في نفس اللحظة التي تتأخر فيها رجلاه الأماميتان، وعندما تبدأ رجلاه الأماميتان في التقدم تتحول حركة رجليه الخلفيتين إلى التأخر. وهكذا يقبل الحصان ويدبر، ويكر ويفر، في ذات الوقت! وهو ذات المشهد الذي يتكرر حين تطارد قوات حفظ النظام ذاك الشباب المعطل قصرا ، يبتغي حقه في الشغل بنص صريح من دستور الوطن نفسه باعتباره أسمى وثيقة قانونية بعد أن أنهى واجباته المدرسية ، و حصل شواهده المزعومة ، ليجد قوات حفظ نظام ساهرة في كثير من الأحيان على اكرامه وأداء الواجب معه ، حيث صياحه يعطل سير المؤسسات وعرقلة السيارات وازعاج الساكنة والسلطات ، بعد أن تقاذفته سياسات تعليمية طباشيرية ليس له اليد في هندستها ، ظلت تغرد في واد وسوق الشغل في واد، شباب أدى الثمن غاليا نتيجة سياسات عقيمة لم تعترف يوما ما بذكائه وظلت تعتبره حقلا لتجارب فئران ، يلقح تارة بالمناهج المستوردة وحينا بالبدغجات الجاهزة ، ويطعم تارة أخرى بالبرامج والمخططات المتأنية والمستعجلة …

loading...
2016-08-28 2016-08-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي