لماذا اصبح شباب الحسيمة فجأة يعشقون اغاني الفنان مسلم!!

محمد أحداد يكتب: عن أخي الصغير الذي لم أعد أعرفه

كنت أعتقد أني أعرف أخي الصغير هشام، فقط لأني أمضيت الكثير من الوقت. كنت أتوهم مثلا أني أتبين أذواقه في الموسيقى، وأدرك بعمق ماذا يحب وماذا يكره، وما الذي يزعجه وما الذي يسعده. هذا هو التصور الأول والبسيط الذي آمنت به منذ مدة ليست بالقصيرة، غير أن معبد الأوهام سرعان ما تفتت وصار كل ما كنت موقنا بمعرفته مجرد وهم يبعث على الضحك.

البارحة، حل فنان راب مغربي شهير بمدينة الحسيمة، ولأني لا أحب هذا الذوق الموسيقي بسبب تمثلات أو بتعبير أدق حساسية غير مفهومه تجاهه، أخبرت أخي هشام أنه لا شيء يستحق المتابعة على منصة إحدى المهرجانات المنظمة بمدينة الحسيمة. كنت واثقا جدا أن أخي ذو 14 ربيعا سيسخر من الاسم أيما سخرية وسيدعوني للقيام بجولة على شط البحر عوض تضييع كثير من الوقت في الإنصات لفنان لا يقول شيئا سوى أنه يقوم بحركات غريبة ويحرك رجله مثل بهلوان.

[quote]

لقد كبر هشام في غفلة مني، وكبرت معه الأحلام التي كانت طفولية، ونما في أحشائه غل غير مفهوم ضد كل شيء تماما، مثلما نما عند شريحة كبيرة نهشها الفقر في الهوامش وفي الحواري الفقيرة.

[/quote]

في لحظة تخيلتني مثل أبهله لا يفقه شيئا في الحياة، أو مثل أي غبي لا يملك أدنى تصور عن أفهام الناس وطموحاتهم، قال هشام بلغة الرجال الكبار: سأحضر اليوم في سهرة الفنان مسلم ولن أرافقك، ثم يمزج جمله بصرامة غير مألوفة وكأنه دخل معي في تحد شخصي. لم أفهم بتاتا رغبته في الحضور، لكنه كما يفعل دائما يعرف كيف يستثمر حبي له، أقنعني أن سهرة مسلم ستكون مختلفة عن كل السهرات التي حضرتها في حياتي.

سخرت كثيرا من رغبته، وحسبته تصرفا نابعا من نزوات الطفولة الراغبة في التجريب، وما كان سخرية في الثامنة مساء تحول في الحادية عشر مساء إلى ما يشبه الجد الحقيقي.. هشام يحفظ كل أغاني مسلم ويرددها بكل جوارحه ثم ما يفتأ يحرك يديه ورجليه غير عابئ إطلاقا بحضوري. هشام الذي كان إلى وقت قريب يلقى صعوبة حتى في السلام على الناس أو الابتسام في وجههم، استحال إلى كائن غريب لا يمكن لجمه ولا السيطرة عليه.

“هادي رسالة مكتوبة مكتوبة بدم دموع الفوقارا ليجاريين في دمي” ثم “مسلم وحد من الشعب هادي ثورة ماشي غير لعب، شمال جنوب، الشرق الغرب” ثم “جيب العز ولا كحز ديما فالقلب”، كلها مقاطع غناها هشام بحرفية عالية واندمج معها كما يندمج المتصوف مع سبحته مثلما اندمج آلاف الشباب والمراهقين مع أغاني واحد من أشهر مغنيي الراب بالمغرب.

لقد كبر هشام في غفلة مني، وكبرت معه الأحلام التي كانت طفولية، ونما في أحشائه غل غير مفهوم ضد كل شيء تماما، مثلما نما عند شريحة كبيرة نهشها الفقر في الهوامش وفي الحواري الفقيرة. مثل شريحة ألفت نفسها خارج دائرة التنمية، ولم تستطع أن تتعايش مع هذا التناقض.

أعترف اليوم أني لم أعد أعرف هشام، ولم أعد أعرف كيف يفكر وماذا يؤلمه، وماذا يكره في الحياة. لم يخطئ هشام حينما أخبرني أن سهرة “مسلم” ستكون مختلفة جدا عن كل السهرات التي حضرتها في حياتي، فالفقر الذي يغلي في الصدور كان يتطاير مثل الشرر من العيون، والتهميش كان يخرج من الحناجر صادقا عنيفا، وهشام كان متناغما حد النزف مع مسلم..

أما أنا فقد انتابتني مشاعر غريبة وغير مفهومة، ورغبت في لحظة من لحظات الانشداد إلى المشهد السوريالي، في أن أدس رأسي في الرمال .. لأني لم أعد – مع تحوير لكلام الشاعر درويش- “أحدق في أعين لا أستطيع حمايتها”.

loading...
2016-08-17
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي