يوسف البرودي – خريف امزورن…في زمن الجوع

يوسف البرودي – خريف امزورن…في زمن الجوع

يوسف البرودي

كان الفصل خريفا، وتلك الليلة بالذات كانت شديدة القسوة. برق ورعد ومطر غزير.تكمشت وقتها في زاوية من الغرفة التي نتقاسمها نحن الأرواح الأربعة يكاد الجوع يفتك بنا. أما أمي وأخواتي فكن يفترشن زاوية أخرى من الغرفة. هذه الغرفة شبيهة بمغارة ضيقة. الآن لم يعد لهذه الغرفة وجود. رغم ذلك كانت تبدو لي رحبة. جدرانها مطلية بجير أبيض تفوح منه رائحة الأرض . هذا النوع من “الجير” يسمى “أومرير” كنا نجلبه على الدواب من جبل بمدينة “المزمة” حيث ترقد جثث شهداء حرب الريف الضروس ضد الإسبان. المدينة التي صارت الآن منتجعا فيه فنادق ضخمة تديرها شركات تعود لأصحاب الصفر على الرأس. أمي تنتحب . أخواتي ينتحبن. وأنا متكمش في الزاوية مثل جبان لا حول ولا قوة له. فكرت : كيف يمكنني أن أردع هذا الخوف اللعين الذي إنتابنا جميعا؟ في تلك اللحظة بالذات فكرت أني يجب ألا أفكر سوى في الجوع. فكرت في الصباح. عصافير بطني لا تهدأ تزقزق..تزقزق. أكاد أختنق جوعا. في الصباح الذي يلي تلك الليلة القاسية يصادف يوم السوق الأسبوعي الذي يأتيه الناس من كل القرى والنواحي المجاورة لمدينة إمزورن. سوق السبت يبعد عن غرفتنا ببضع كيلومترات. كنت أقطعها مشيا على الأقدام مع مجموعة من أطفال الدوار. الرجال كانوا يمتطون دوابهم. فكرت مرارا: من يركب الدواب؟ هكذا سألت عجوزا ذات يوم فنهرني وأمرني بالإنصراف والكف عن التفوه بالترهات. ضحكت في وجهه قلت مطلقا ساقي للريح: _ لا يركب الدواب إلا الدواب. دابة تركب دابة ! كان نور الشمس قد أعلن عن الصبح الذي سرعان ما صار كئيبا قاتما بعدما إختفى القرص المتوهج وراء الغيوم السوداء. فقت و دفنت نفسي في جلباب صوفي بني اللون. لم أنتظر أطفال الدوار حتى يدقو علي الباب ولم أنتظر أمي حتى تصحو من نومها. أنام جوعان وأصبح أجوع. ربّ رحمة تقيني من شر الجوع قلت رافعا عينيّ للسماء. أغلقت الباب الضيق ورائي دون أن أحدث صوتا. تركت أمي وأخواتي متكمشات على السرير الوحيد الذي جمعنه من عند باب ”فيلا” الكولونيل الذي يسكن على مقربة من غرفتنا_مغارتنا. كل البيوت في الدوار تشبه مغارات صغيرة لها أبواب خشبية ضيقة لا تتسع لرأس عنز. لكن هل لهم في البيوت أسرة أم نحن فقط من يملك مثل سريرنا_ السرير الذي جمعناه من باب الكولونيل..نسيت أن أقول لكم: لم أنم على ذاك السرير منذ أن إستفقت يوما ووجدت جثة فأر ميت على صدري. في بادئ الأمر عفت الفأر وبعدها عفت نفسي. تصور معي أنت نائم وتتنفس جثة فأر.. فقط تصور الأمر ! أليس الأمر أكثر من أن يقال عنه مقزز. لكنني تنفست الفأر ورائحته ..إنه من ضحايا الجوع . من يدري هل هرب الفأر من قساوة البرد ليحتمي بصدري أم أنه كان جائعا وأراد أن ينهش شيئا من لحمي الفتي ليسكت به زقزقة عصافير بطنه.. آه ، نعم لقد نام ذلك الفأر على صدري إلى أن مات. لاأدري إن هو مات مباشرة بعد وصوله إلى صدري أم أنه نام على صدري ثم مات .. المهم أنني كنت نائم _هارب من الجوع_ والفأر هرب من الجوع فمات جوعا على صدر طفل جائع.. كل هذا حدث في زمن الجوع. قد تقولون أني إتجهت صوب السوق ! لكن السوق في الصبح لا يلجه مكفوفي حرب الجوع. أنا لا أدري في تلك اللحظة إلى أي وجهة كنت أمشي. فقط مشيت جنب الطريق وسط الطريق. أسرع في الخطى. أبطئ وأختفى تحت ورف شجرة كلما سمعت هدير محرك سيارة آتية. وفجأة… إستوقفني شاب أجعد الوجه وأشعث الشعر.. رث الثياب. كان يجلس القرفصاء تحت سقيفة دكان طلب مني الشاب ولاعة أو علبة كبريت كي يشعل “سبسيه” الأول على ما أظن: _ هيه.. اتشيكو إنو غاك شين شْعْرْ ما ( هاتيني ولاعة يا صغيري).. عبست في وجهه دون أن أسمعه ولا بنت شفة وأكملت سيري. تركت يتمتم في نسفه وسمعته يقول : أوسا مانا جنونا يا ربي. قد ظهرت له جنيا قلت في نفسي. سمعت الكبار يقولون أن الجلوس في المنطقة القريبة من مقبرة سيدي بوعفيف. أشباح جنون، أفاعي، دواب، كلاب، قطط..تقف على الناس الجالسين هناك بين الحين والآخر. أنا لم أكن جنيا ولا شبحا.. لم أكن أفعى، ولا كلبا مثل الكلبتين الضخمتين التي كادت تنهش عظامي ثم ترديني قتيلا عند باب السوق وأنا هارب من بطش الدركي الذي لاحقني حين سرقت حفنة من اللوز لتاجر بدوي كسول. لم يستطع اللحاق بي فإستنجد بالدركي. الدركي يجري علي وأنا أصرخ : _ والله متشدني.. سأجلسك على القرعة يا إبن الق*بة.. أعرفك . قال الدركي وهو يركض ورائي لاهثا. إما أنا فقد خلعت صندلي ورحت أجري وسط السوق . أخفف من الركص حتى يقترب مني الدركي وأزيد من سرعتي. إختفى الدركي. توقفت عن الركض. العطش . طفلين مع والدهما يشربان عصيرا بارد. وقفت قربهم. يتأملونني. أتأملهم. نظر إلي بائع العصير رشني بما تبقى في كأس من ماء. صرخ في وجهي قائلا: _ باقي كتدور لي هنا؟؟؟ رأيت عجوز يمتطي حصانه عند باب السوق. البردع من الجهتين مملوء عن آخره. تمنيت لو متلك حصان مثل حصان العجوز وأعود به للدار حاملا كل العتاد الذي سيمكننا من محاربة الجوع. أنا الآن بلا حصان ولا عتاد وفي الوقت ذاته أخوض حربا مع الجوع. المحارب الذي لا يملك حصانا لن يمكن أن يفوز. وليس إلا مجرد ممثل. لكن يجب علي أن أكمل حربي ضد الجوع … فجأة .. وجدتني ممرغا في دمي الممزوج برائحة التراب. تأوهات,, ألم يعصر رجلي . كادت كلبة من أن تقطع ساقي. أبكي حظي . أبكي أمي وغيابها. أبكي غربتي وسط جموع من الوحوش الآدمية من الذين داروا حولي ويشكرون العجوز لأنه أطلق علي كلبتيه وينظرون إلي أنا الممرغ في التراب مثل كتلة لحمية يسيل منها الدم القاتم، بغضب، وعدوانية. عرفت أنهم أعدائي حين سمعت أحدهم يقول جهرا: _ هذا البرهوش يستحق أكثر من ذلك. إنه لص. لص. يقولها وأنا أقول في نفسي هل سرقت لك زوجتك يا إبن الق*بة. تبا للعجوز. تبا للذين داروا حولي. سحقا لي .. أنا الذي ولدت في زمن الجوع.

loading...
2016-08-03 2016-08-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي