عماد العتابي – “قفة الملك” وسلة غذاء هولندا (voedselbank)…

عماد العتابي – “قفة الملك” وسلة غذاء هولندا (voedselbank)…

حسيمة سيتي – عماد العتابي

يسرقون رغيفك .. ثم يعطونك منه كِسرة .. ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم .. يالوقاحتهم !!

*غسان كنفاني*

يأبي الملك أن يمر رمضان بدون أن يمرغ كرامة الفقراء في وحل قفة رمضان الهزيلة والمهينة، فتستنفر الدولة كل إمكانياتها وحاشيتها لانجاح وتوثيق لحظات تلك الإهانات المولوية التاريخية، بتسليط جيش من الكاميرات المسلطة على وجوه شاحبة استنزفت كرامتها في بنك القيم، وترصد لعمليات توزيع القفف ملايين الدراهم، ملايين الدراهم لتغطية مصاريف تنقل الملك وحاشيته وليس لضخها لتسمين “القفة” الهزيلة، وبالمختصر المفيد تتحرك “الدولة” بكل تشكيلاتها وتعزيزاتها، لتوزيع قفة لا تتجاوز قيمة محتواها ال 100 درهم…

100 درهم يمكن إعتبارها رشوة لقطيع من الشعب يتم إنتقائهم بمعايير محددة يشرف عليها جوقة المقدمين والشيوخ، رشوة لا تختلف كثيرا عن الرشوة التي توزع على نفس هذا القطيع (الخزان الإنتخابي) كلما إقتربت الإنتخابات سواء الجماعية أو البرلمانية، لكن تبقى لقفة رمضان مآرب وأهداف أخرى ليست كالتي عند قفف الإنتخابات.

الملك يطبق سياسة إجتماعية ورثها عن البروتوكول المخزني، سياسة إظهار الملك بلون “وردي”،  الملك المتضامن و”ملك الفقراء”، وتشتغل على ذلك آلة إعلامية ضخمة تحاول تصوير الملك على أنه يضع ثروته في خدمة جيوش الفقراء الذين تم إنتاجهم بسبب سياسة المؤسسة الملكية نفسها التي تتربع على منظومة سياسية وإجتماعية واديولوجية ومالية إسمها “المخزن”.

وإلى جانب تلميع صورة الملك بسياسة القفة والتصدق، فالهدف أيضا هو إنتاج قعطان من البلطجية ومحترفي التسول الذين يُستعان بهم عند الحاجة. وكذلك تلقين هذه الشريحة من الشعب المغربي كل أشكال الخضوع والتذلل والتواكل والتسول، وبالتالي صناعة شعب كسول فاشل بلا كرامة، لا يعتمد على ذاته ولا يبادر ينتظر “قفة” بئيسة وتافهة. وإنتاج شعب يظن أن الملك يتصدق عليه من ماله الخاص، بينما الحقيقة غير ذلك، فكل ما يتم توزيعه رغم تفاهته هو من أموال الشعب المغربي، فكسرة الخبز تلك التي يتصدقون بها على البؤساء هي جزء صغير من رغيف كبير سرقوه واغتصبوه من الشعب.

وتوفير “القفف” لا يقتصر على الدول المتخلفة والغارقة في الفقر والإستبداد، بل يمتد حتى للدول الغنية والرائدة في الديمقراطية، حيث توزع فيها “القفف” على أصحاب الدخل الأدنى، لكن كل ما في الأمر أن طريقة التوزيع ومصدر تمويل تلك “القفة” يختلف جذريا.

ففي هولندا على سبيل المثال، يتم توزيع سلة غذاء (voedselbank) على الأشخاص الذين لا يتجاوز مصروفهم 150 أورو في الشهر، طبعا بعد استخلاص ثمن إيجار المنزل وتكلفة الماء والغاز والكهرباء وباقي التكاليف الأخرى، وهؤلاء غالبا ما يسقطون في مشاكل ديون مع البنك ويجدون أنفسهم أمام إقتطاعات إجبارية، ولهذا تتدخل الدولة لمساعدتهم في توفير “سلة الغذاء”.

وهنا، أجد نفسي متردد في عقد مقارنة بين “قفة الملك” وسلة الغذاء الهولندية، لكني سأتجاوز هذا العجز لأحاول عقد مقارنة بسيطة وسريعة، لهذا سأختصر “قفة الملك” في “القالب” وقنينة “الزيت” وكيس طحين صغير، ويبقى “القالب” هو الأهم والعلامة الفارقة في هذه القفة، وهذا ما يجعل من المغرب بلد “القوالب” الاستثناء.

أما فيما يخص سلة الغذاء الهولندية التي توزع مرة واحدة كل أسبوع، فلن أذكر محتوياتها، فلكم فقط أن تتخيلوا، تخيلوا كل شيء إلا “القالب” فإنا قفة حقيقية تخلو من “القوالب”، فحصة أسبوع واحد يمكن أن تعيش بها شهرا كاملا، والمثير في الأمر  أن هذه السلة تحتوي حتى على طعام الكلاب والقطط بالنسبة للأشخاص الذين يربون في بيوتهم هذه الحيوانات الأليفة.

والمضمون في عملية إستلام هذه المساعدات في مراكز مخصصة لذلك، أنها تحفظ كرامة الإنسان بدون “فضيحة العار” ولا كاميرات وتقبيل الأيدي، وأغلبية المشتغلين في هذه المراكز يؤدون عملهم بشكل تطوعي ومجاني، عكس “قفة الملك” التي تمرغ كرامة مستلم القفة في التراب.

وتنقسم “قفة” هولندا إلى نوعين، نوع موجه إلى الهولنديين وغير المسلمين، ونوع آخر موجه إلى المسلمين وتخلو من الكحول واللحوم المذبوحة بطريقة غير إسلامية، وهذه “القفة” تمول وتدعم من طرف الشركات والمصانع الوطنية…

ويا ربي تسمح لي من هذه المقارنة!!!!

loading...
2016-06-16 2016-06-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي