“عماروش ن موح ن طيب” أو حكاية أسرة أبدعت، فتناستها ذاكرة الثرثارين .

عمر سعلي

هو الفنان عماروش،ابن قرية تزوراخت باقليم الحسيمة ، ونجل الأسطورة موح نطيب ، هذا والده الذي كان يتقن العزف على جميع الألات الموسيقية التي تواجدت بالريف ابان تلك الحقبة ، انها أسرة رأت الجمال في كل شيئ فتكاملت عندها الحياة ،أسرة حافظت على ظاهرة الابداع والفن دون أن تتوخى أكثر من الصدق لأجل الصدق ، بل واعتبرت تعاطيها للفن وظيفة ايمانية وتكليف من التاريخ يعلوا عن كل التقاطعات الأخرى ،وعبر سنين طوال من العطاء والوجد المستديم للفن والامتلاء الذوقي سطع نجم هذا الشاب عماروش الذي ظل في الأول ضمن مجموعة أبيه ، المجموعة التي لم تكن سوى اخوانه الذين توارثوا وألهموا الابداع في كنف الأسرة التي فتحت لهم كل قنوات التحسس والذوق ليعيشوا في حياتهم تجربة علاقة روحية استثنائية امتزج فيها الفني بالعائلي والتاريخي ،قبل أن تكون لاعماروش رحلته الخاصة في المقاومة الثقافية بعد وفاة أبيه .

الفنان عماروش من الشخصيات القليلة التي عملت بجد متناهي وفي ظروف غاية في القساوة لا من أجل حياته الخاصة بل ولغرابة الاختيار أنه أعطى كل شئ للفن وللموسيقى الريفية ولمحبيه الكثيرين ، كيف لا يفعل وهو سليل شجرة من الكرم والايثار وصون العلاقات الاجتماعية ،كما والده الذي عرف عنه دوام الضيوف وكثرة الأصدقاء ،بحيث كان له بيتا خاصا يجعله على طول السنة فضاءا للاستقبال ومأوى في متناول زواره الكثر ، لأن الناس يقصدونه حتى من خارج أيت ورياغل ومن مناطق أخرى وكلهم أمل ولهفة للاستمتاع بالرفقة مع الفن وجلسة حديث أو مسائية غنائية مختارة مع الفنان عماروش ،والى جانب أنه المميز بقوة التفاعل الاستثنائي للجمهور معه ، يعتبر هذا الفنان هو الأشهر من أتقن اللحن على ألة –الغيطة- ، وهنا أقول اللحن لأن استثنائيته سكنت هنا، فهو من كان يصنع الكلمات والأهازيج “ازران” وهو نفسه من كان يضع بواسطة ألته الايقاع الخاص بالكلمات ، وحيث أثناء “الفرجة” والأداء يكون كل شئ متناسقا الى حد بديع وخرافي ، والى جانب انشغاله بالألة يعتبر الفنان عماروش على مدار أيت ورياغل كلها من بين أكبر موسوعات الأهازيج الريفية ازران” كما كان لهذه الأسرة الفنية مواعد مع مختصين وباحثين ألمان كانوا يزورون والد عماروش لغرض التوثيق، في بحر الثمانينيات من القرن الماضي .

عماروش ومعزوفاته بمثابة وثيقة تاريخية أو وثائق أنتربولوجية تؤرخ لحقبة كاملة من الانتاج الانساني الريفي ، ذلك التفاعل المستمر مع الأرض الذي تميزت به المجموعات الانسانية المستقرة ،هو كتاب حي اذن ومسيرة فنيق أعطى كل شئ لثقافته وأرضه وأنصف الذوق والجمال ،أبدع في أشد المداشر عزلة وبعدا فأوقد فيها الحيوية والنشاط وشعلة الرسالة الانسانية ، فالابداع الحقيقي هو من يسكن في كل البيئات فلا يفرض على أحد الترحال أو الدفع من أجله ، وفي النهاية، قبل أقل من ثلاثة سنوات بالمستشفى الجهوي بالحسيمة ،بعد أن ظل هذا المبدع الكبير طريح الفراش هناك لمدة تجاوزت ستة أشهر ، لم يتلقى فيها أي زيارة من المتتبعين ولا من الجمعويين والسياسيين الثرثارين أصدقاء الأشكال الرديئة في الصالونات المهترئة ، بل رقد هناك دون الحد الأدنى من المسلزمات الطبية ودون الوضع الذي يستحقه رجل أعطى الكثير دون طلب ، وقبض على الجمرة بغيرته النافذة ، مقاوما زحف التسليع والبؤس والجفاء ، ليستريح ويريح جسده الى الأبد، ويعلن القدر عن انطفاء شمس بعد مسير رأته الأرض ورَآه التاريخ كاملا ولم نرى فيه نحن الا القليل، للأسف.

loading...
2016-06-09 2016-06-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي