امزورن…مقهى” موح أقضاض” مازالت تقاوم في زمن ”البيتزيريات” و مقاهي 5 نجوم

لن تتيه أبدا فكل الشوارع تؤدي إليها مركز اللقاء والالتقاء، فبداخلها يلتقي الأصدقاء حول طاولة من طاولاتها لاحتساء المشروب المختار:إما شايا بالنعناع المجلوب توا من النكور، أومن اد غيس على ظهر دابة. أو شرب قهوة “كاريون” القوية النكهة ،و المغلاة في قدر نحاسي صغير، ذو مقبض طويل مغروس في ظهره كرمح منكسر إنها طقوس موشومة في الذاكرة !!!

أما بمحيطها الخارجي، فلناس البلدة والزوار مآرب أخرى ، تتنوع وتتشعب حسب الرغبات والمقاصد، لكنها تلتقي وتندمج على ركحه ،لتمنح الحركة للحياة اليومية للأهالي ،وتضفي نكهة وخصوصية على بلدة إمزورن.

هي مقهى المرحوم”موح أقضاض” معلمة لها أثرها العميق في ذاكرة أجيال متعاقبة بفضاء إمزورن منذ أواخرالستينيات ،فهناك اكتشفنا ولأول مرة التلفاز،ذلك الصندوق” لعجب” بالأبيض والأسود، الذي كان ينضح بسيل من الصور المتحركة على إيقاعات موسيقية ،نفذت إلى القلوب الغرة، فحفرت فيها أخاديد من الذكريات الجميلة وهناك ،تم التعرف على” طرزان” بقوته الخارقة ،وعلى “تشيتا”، و”بوي” وعلى أفلام “الكوبوي” التي كانت تأخذ بالألباب والنفوس إلى عالم الخيال الفسيح ،فتجعل الكل أمام تلك الشاشة السوداء، منبهرين ،مسحورين، حالمين ،لا يقطع حبل الاتصال بها ،غير موسيقى الجنيريك، التي يفهم منها نهاية الفيلم نهاية الأحلام الوردية.

أما مسير المقهى، فكان هو المرحوم”موح أقضاض” ،رجل مكتنز البنية ،بقامة قصيرة، وبطربوشه”التونسي” الأحمر ،وبذلة كاكية تشبه بذلة رجل سلطة كان يبدو لنا كالنحلة التي لا تتوقف على الطواف بكل فضاء المقهى،الداخلي والخارجي، أوامره وتوجيهاته المسترسلة للخدم نافذة، وتنبيهاته الصارمة للأطفال من أجل إخلاء المقهى تؤخذ مأخذ الجد، عدا:”الجاري”،المختل عقليا، فكانت له الحرية في الدخول والخروج من الأبواب الثلاثة للمقهى،والجلوس على أي كرسي يريد، بإذن وتحت أنظار”عزي موح” رحمه الله،بالرغم من مشاكسة” الجاري” له وجعله أحيانا في مواقف حرجة.

المقهى مفتوحة على ساحة واسعة جهة الجنوب،وعلى شارع الدار البيضاء جهة الشرق: الشارع الرئيسي ورقم “1” بالبلدة. وهذا ما جعل من المقهى، ومن الفضاء الذي تتواجد فيه، المكان الاستراتيجي في البلدة كلها، فبهذه الساحة ،كانت تتوقف حافلات المسافرين المتجهة نحو الناظور ،مليلية وتازة وعلى رصيفها ، تشكل “الموقف” لليد العاملة ، وعلى الطوار بجانب باب المقهى، كنا نجد “بوسفنج،”أمصطايبو” في الصباح . وطاهي الحريرة “بوصفية” في المساء . و رشيد الحدوشي، صاحب الكيوسك الحديدي، المتخصص في “القطبان”، وسندويش “التون” وقطع “الماروخا”ليلا إنه ديكور حي وجميل، أثث لذلك الفضاء ،مما جعل الأهالي والعابرين للبلدة ، يتمركزون في المكان، وكل حركة، تدر على مقهى المرحوم” موح أقضاض” بركة.

ساحة المقهى تصب فيها كل شوارع البلدة، لذلك فهي تعتبر الوجه الحقيقي، الذي يعكس تمظهرات الحياة اليومية للأهالي، وذلك بتعاقب الليل والنهار عليها، فالأخيرله ناسه و طقوسه، وللأول كذلك له رواده وعشاقه، وعلى امتداد الزمنين ، تجد “المقهى” حاضرة24/24 ساعة ،لا تخلف الموعد من أجل تقديم خدماتها لكلا الفريقين، وشاهدة على مايدور حولها، من أحداث ووقائع فكراسيها المحيطة ،والمسندة على بنايتها المفتوحة على الجهات الثلاث ،تجعلك وأنت جالس على إحداها نهارا،تأخذ فكرة عن طبيعة ناسها البسطاء، الطيبين ،المكافحين من أجل كسب قوتهم اليومي من مهن وحرف متنوعة وبسيطة:

فهذا “بوذقبوزث”، يركن طاولته المتنقلة لبيع السجائربالتقسيط ، ونوار الشمس ،والحلوى بجانب بناية المطعم المدرسي، المفتوح على ساحة المقهى. وهاذين المرحومين:”بودوح” و”مارا” يتجهان صوب ورشتيهما المتخصصة في صناعة الخشب. والمرحوم”بوسراو” يتفقد ديوكه التي ربطها بخيط طويل أمام دكانه، الجاهز لبيع كل ما يحتاجه أهل البلدة من مواد غذائية ومنزلية : من الإبرة إلى “الشقف” . وذاك المرحوم السي” أعما أوراغ” داخل دكانه المفتوح على شارعين، يتنقل فوق صناديق كرتونية مملوءة بسلع لا يعرف مابداخلها إلا هو، يحاول جاهدا ،أن يلبي طلب زبون له وهو يبحث عن مبيد للقوارض. وذاك المرحوم محمد أمجوظ بباب متجره ، ينظر إلى خادمه وهو يضخ من المضخة المنتصبة بمدخل الدكان، الفيول “أركاز” في قنينة لرجل من البادية ممتط حمارا ،وهذا وذاك  وذاك.

أما في الليل، فوجه آخر بساحة “مقهى موح أقضاض” ،فأول مايثير انتباهك ،وأنت جالس على كرسي من كراسيها الممتدة بجنب السور الخارجي للمقهى،هو ذلك السكون المتقطع من حين لآخر بهدير محرك الحافلات المضبوطة الموعد، لثلاثة أسماء ،تصل البلدة في مواقيت مختلفة ، وهي”السبع واللفت والسدراوي” ، وتحت ترقب حمالي البلدة ،المنتظرين لهذه الفرصة لكسب بعض الدراهم، ومن هؤلاء نذكر :أعما أحمار(أعمرالحمال)،و”المسلم”  كما تتخلله كذلك جلبة المسافرين المتوجهين من وإلى البلدة، وهم يحزمون أمتعتهم أو ينزلونها، و فيها السلع المهربة ، التي يتم تسليمها للمعني بالأمرمن طرف مساعد السائق يدا بيد ، دون أن يكون صاحب السلعة على متن نفس الحافلة تلك، وإنما هي تلبية لطلب مقابل أجر مادي تم الاتفاق حوله مسبقا .

كما يخترق سكون الليل بالمكان أيضا صوت بعض المشردين والمختلين عقليا ، أوحركاتهم البهلوانية المثيرة، أمثال” بوزيد”، بشعره الطويل، المسدول على كتفيه، وهو يجرتلابيب جلبابه ، متنقلا من ركن اعتاد الجلوس فيه،إلى طاولة فارغة برصيف المقهى، للظفر ببقايا مشروب القهوة المخلفة في قعر كأس مسافر، تركها فيه وهوعلى عجل . و”كوح أمان” الواضع لمعطفه المتسخ و الطويل على كتفيه، وهو يبحث– متمتما- في القمامة على برتقالة أوتفاحة فاسدة ،وعلى كل مايؤكل. و”ألطو مزوق” بقامته الطويلة، وبجسده القوي، وهويندفع إلى الأمام وسط الشارع بغير هدى .

مع اقتراب موعد الفجر ،تبدأ ثلة من المتسكعين بالتجمع بالمكان، بعدما أن تفرقت بهم السبل أوجمعتهم في مكان ما، وهم سكارى يتمايلون،وحيث المكان المفضل لديهم غالبا لنقل خصوماتهم ، بعدما أن يكون الخلاف قد نشأ بينهم في خلوة ما، بسب قمار أوخمرة ،بعيدين عن أعين أهل البلدة فيبدأ العراك والسب والشتم ، ليفضي ذلك في بعض الأحيان، إلى الضرب والجرح ، الذي لاتنتهي فصوله إلا باستسلام أحدهم أوبفرار المنهزم… وسريعا ما ترجع الأمور إلى نصابها، ويسود الهدوء من جديد فضاء الساحة.

بمناداة المنادي لصلاة الفجر، يعلو وجه ساحة مقهى موح أقضاض سكان آخرون من البلدة وأنشطة أخرى،حيث تثير انتباهك الشاحنة المميزة من نوع “فورد” المحملة بالأثاث المنزلي لصاحبها:”امحمد لعزيز”،و شاحنة مرسيدس ب”الباش” للإخوة “آيث أوليشك” ، المتاجرين في الأغطية ” مالطاث”، و سيارات خفيفة أخرى من نوع “رونو12” تم حجز المقعد فيها مسبقا، وهي محملة بسلع مختلفة ومتنوعة و الكل في اتجاه الأسواق الأسبوعبة، لبيع سلعهم .

وهو الوقت نفسه،الفجر، الذي كنا اعتدنا فيه مشاهدة فئة خاصة من سكان البلدة وهم متجهين صوب المسجد ،وأعينهم مركزة على خطواتهم، لا يلهيهم أي شيء يدور حولهم ،غير الوصول إلى الصف الأول قبل إقامة الصلاة،مفشين للسلام في الطريق بين من يلتقون بهم، سواء سبقت المعرفة بهم أم لا، وسواء كانو صغارا أم كبارا. ومن هؤلاء نجد،المرحومين : الشريف السواني ،والفقيه السي أحمد موح أكوح والشريف الفقيري وأحمد الشريف”و إلى أن تشرق الشمس الكاملة المشهد، من فوق جبال تمسمان،لينضاف إلى المكان عمال البناء ، وهم يبحثون عن فرصة شغل ،والتي قد يجدونها عند مقاول يبحث عن فريق لإحداث سقف (ضالة) بمنزل في طور البناء، أو عند أحد من أهل البلدة لإصلاح شيء ما بمنزله . و بذلك تكتمل الصورة الفسيفسائية الجميلة للمشهد اليومي بمقهى وفضاء “موح أقضاض” .

المقهى كبناية لازالت منتصبة بمكانها،تقاوم الزمن ،وتسترجع ذكرياتها على إيقاع نمط الحياة الجديدة،تحاول أن تندمج في الحداثة المفروضة على البلدة،فتم تخصيص واجهة لها كمكتب له علاقة بالعملة والصرف، في حين بقيت الواجهات الأخرى دون صيانة، لذلك فهي تبدو حزينة وشاحبة، تخاف أن يكون مصيرها الزوال،في أية لحظة قد يتفق فيها مالكيها على ذلك.

loading...
2016-06-08 2016-06-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي