خالد لشهب – ليس دفاعا عن موازين

خالد لشهب – ليس دفاعا عن موازين

لم يسبق لمهرجان من المهرجانات أن حام حوله الجدل مثل ما وقع لمهرجان موازين، هذا مع العلم أن المهرجانات في المغرب هي على مر العام حتى غدت من صميم اليومي المغربي، فلا يكاد يمر مهرجان حتى يأتي آخر. ليس بوسعي أن أقدم كرونولوجيا الاحتجاج على موازين مادام أن الأمر لم يعد يتعلق باحتجاج مؤسس محدود، فقد نزل الخطاب إلى العامة فتلاقفوه بينهم حتى ذاع، فما نعلمه حقيقة هو أن الاحتجاج إنما بدأ سياسويا عندما رفع حزب العدالة والتنمية شعار الأخلاق في البرلمان والمهرجانات الخطابية، وعند بعض خطباء المنابر التابعين للحركة حركة التوحيد والإصلاح، لينتشر بعدها بين الإسلاميين ويجد له مناخا ملائما مادام أن الأمة الإسلامية عندنا يعجبها الخوض في مثل هذه الأمور في ما يشبه الحرب التي تخاض بالنيابة عن الله . ثم لما صعد الحزب المعارض للتسيير الحكومي انتظر الناس أن يفي بوعده فيلغي المهرجان الذي قضى سنين عددا محتجا عليه فلم يقدر …فلقد كان على رئيس الحكومة أن يقول للجمهور إننا نحتج فقط مادمنا في المعارضة أما ونحن هاهنا فليس بوسعنا فعل شيء وقد علمتم.

والله لا أدري حقيقة لماذا يحتج الناس على موازين بالضبط، هل هي قضية مال سايب أم أن الأمر له علاقة بالموسيقى والرقص والعري. فأنا بحكم اشتغالي المديد على العقل الإسلاموي ما صدقت أبدا أن الإسلاموين احتجوا على موازين لقضية المال السايب، هذا مع إيماني الشديد بأن الله يحرم ويجرم التبذير والتبديد والمال الحرام.. ولكن بالنسبة لخطاب الحركة الإسلامية بشقيها السلفي والاخواني لم تكن قضية التبذير حاضرة بقوة إذا ما وازناها بالموسيقى والعري والشذوذ وما يتعلق بالجسد واللذات، ولهذا استبعدت الأمر .

لقد كنت وعدت بعضا من أصدقائي بالحديث عن صراع الجسد بين الإسلاموين والتقدميين ولا زلت على عهدي ووعدي وسوف أفعل إن شاء الله، فالأمر ملح لفهم كثير من الأمور التي تصدر عادة حتى من غير وعي من الفريقين داخل بقاعنا هاته . فنشير بالتقريب إلى أن الحركة الإسلامية عندما نشأت بادي الأمر نشأت في شق كبير منها ردا ودفعا  وفي شق آخر  يسير تنظيرا وتأسيسا، فقد كانت صادفت ما كان يعرف في أوروبا بالاحتفاء بانتصار الجسد في فلسفة ما بعد الحداثة والخطاب النيتشوي الواضح والشديد للنشوة واللذة، ومعلوم أيضا أن العقل الديني عموما والعقل الإسلامي والتراثي عندنا وعند غيرنا قد أوفى في مدح الروح وهمش الجسد، فمسلمو ما بعد القرن العشرين الذين غزت بلادهم ثقافة الغرب المنتشية بالجسد قضوا سنين عدد في الرد والصد  فوقع الصراع واشتد وتضخم الوازع، إلى درجة أن المسلم المتدين عندنا قد لا يضره أن يرى امرأة تموت من الجوع لكنه يصاب بالهستيريا والجنون إذا شاهدها تمشي وساقها عار في الشارع، وقد لا يضره أن تكون الأمة كلها لا تقرأ ولا تكتب ويعم الجهل في الناس لكنه يؤلمه أن يرى الأمة فاحشة، وهذا ربما تفهمون به لماذا عندما تم تهميش المدرسة العمومية من لدن حزب إسلامي وسكت الخطباء والوعاظ وكأن شيئا لم يحدث، وقد صادق الحزب على تشغيل القاصرات في البيوت ولكنهم أيضا لم يضرهم هذا في شيء في حين سيحتجون على موازين في زمن اختلت فيه الموازين …هذا لتعلموا

قلت : لم أصدق فعلا أن الاسلامين احتجوا على موازين لقضية المال السايب ليس فقط لاعتبار ما ذكرنا، ولكني أرى أن المال العام في هذه البلاد الآمنة سايب إلى درجة لا تصدق، ولكن الخطباء والوعاظ الذين أسقمهم موازين لا يحتجون وليس بالهم بشيء، وحتى عندما أثيرت وثائق بنما سكتوا بينما خرج الشيخ النهاري في صفة حمل وديع وقال كلاما ربما سمعه كل من سمعه ولسان حاله ليته سكت، فالشيخ النهاري يصرخ فقط عندما يتعلق الأمر بالشيعة والخمر وموازين والزنا… ومثله الشيخ الفقيد المصطفى لقصير الذي وصل به الأمر لمراسلة الملك ووزير الأوقاف في وقت سابق في لهجة غير مفهومة، لقد قلت لكم إن الفرد عندنا لم يترب على ثقافة تقديس المال العام . فلو أنك سألت الشيخ الفزازي عن الزنا والإيلاج ونكاح البالغ لكان يصرخ وما وجد من يسكته ولكن عندما تعلق الأمر بوثائق بنما فهو مجرد فقيه وليته علم وفهم هو وغيره أنه مجرد فقيه واكتفى، فنلتمس له عذرا.

إن الاسلامين يجب أن يدخلوا من حيث أمرهم أبوهم ويقولوا للناس إن معركتهم مع موازين هي معركة مع الموسيقى والعري بدلا من الالتفاف والقول بما لا يقدرون عليه ولا يألفون ، يجب أن يقولوا للناس الحقيقة ولا يغالطوهم كما فعل حزب العدالة والتنمية من قبل، فأكبر بقعة فيها المال العام سايب هي البقعة نفسها التي فيها أكثر الوعاظ والعلماء حظا وهي البقعة نفسها التي تعزر فيها الحرة إن هي أظهرت شعرة من شعراتها أو ثديا من أثدائها بينما تنفق الملايير في حملات لم نعد نفهم حدودها ومداها .

إنهم يجب أن يكفوا أتباعهم عن احتقار الناس وتصويرهم في صورة قطيع من الحمير والبغال ذاهبين لحضور مهرجان موازين، فما كانت هذه شمائل رسول الله احتقار الناس فقط لأن سجيتهم قادتهم في بلاد تعرف حظا من الحريات لحضور ساعة للاستمتاع بموسيقى أحبوها ومؤديها، يجب أن لا ننسى أيضا أن غالب من يحتجون على موازين هم أيضا لهم موسيقاهم المفضلة يستمتعون بها في خلوتهم قبل أن يتبرؤوا منها في العلن، وإلا على من تحسب تلك النسب الخيالية من المشاهدة على اليوتوب …فأين الخلل؟

إن المحاجة بمنطق أن الناس تريد ليس بالمنطق السليم، نحن نعلم هذه الأشياء ونذم منطق الكثرة كما ذمه العقل والقرآن، ولكننا نقول  إن الاحتجاج على موازين يجب أن لا يكون بذريعة ومآرب سياسوية معلومة، فالاحتجاج يجب أن يكون مؤسسا على الفضيلة والصراحة والسجية ولا يلبس لباس السياسة، فمهرجان موازين لا تموله الدولة وهو مستقل عن الدولة، وهذه أشياء يجب أن نقولها للناس كما فات أن تقولها لهم بسيمة الحقاوي حتى وصلت للحكومة فقالتها بعد فوات الأوان .

إنه من حق أي مغربي أن يرفع شعارات أخلاقية تطالب المنظمين باحترام الخصوصية المغربية والثقافة المغربية وهذه أشياء ممكنة جدا وموجودة في كل الدول حتى أكثرها انفتاحا ، وممكن جدا أن يتفهمها المنظمون والضيوف أيضا، فجينيفر لوبز التي غنت عندنا في لباس الاستحمام هي نفسها غنت بلباس غيره في ماليزيا وأندونسا وسط شعوب مثلنا تغلب عليها ثقافة الحشمة .

loading...
2016-05-16 2016-05-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي