محمد بنميلود-التي وثقتُ بها أكثر كانت بائعة هوى

محمد بنميلود-التي وثقتُ بها أكثر كانت بائعة هوى

محمد بنميلود الصديقة التي وثقتُ بها أكثر، كانت بائعة هوى بالليل، تفرش الهوى على طاولة في الفنادق الراقية وتبيعه للغرباء. كانت جميلة إلى درجة أن الجميع أراد أن يشتري. أغلبهم يتركون لها الفكّة والبقشيش بعملات أجنبية. أنا كانت تبيع لي بالمجان.. كنا نصلي معا ونسكر معا. حلمَتْ طيلة حياتها أن تصير عارضة أزياء. إنها طويلة ورشيقة وعيناها حزينتان بعكس ابتسامتها، وحين تدخن سجائر كينت الطويلة لا تمج الدخان إلى داخل رئتيها، بل تنفخه بطريقة نادرة في اتجاه المرايا. تُطفئُ السيجارة قبل أن تصل إلى الفيلتر، تطفئها كأنها تحرك فرشاة التجميل فوق خد المرمدة.. إنها تشبه بالضبط إلهة إغريقية من المرمر المنحرف، وأنا أكَّدت لها ذلك مرارا. فقط بتسريحة شعر مائلة تصير عارضة أزياء حقيقية، وبتسريحة شعر مشدودة بالكامل إلى الخلف تصير قديسة. تطلب مني أن أعقد لها حمالة صدرها من الخلف بصوت متهدج يصلح أكثر لصلاة طويلة في الليل على إيقاع الرعد. معها عرفت الشرف واللذة وتعلمت أن أقول لمنْكانات المحلات التجارية: بونسوار. تأخذ دوشا باردا حتى حين يكون هناك ثلج في الخارج ينثال على أضواء النيون، وأنا أقلي البطاطا في المطبخ وعلى كتفي فوطة صغيرة كأمهر الطباخين، هي تتزين أمام المرآة ضاغطة أحمر الشفاه على شفاهها، وأنا أقرأ لها أشعار بابلو نيرودا كما يُتلى قدَّاسٌ، تجرب حذاءها الغُوزْ الجديد فوق حافة السرير، وأنا أتذوق بطاطا أصابعها المقلية في زيت الخطيئة. حين تكون حزينة تتصل بي، وحين أكون سعيدا جدا أتصل بها. لم يبق عندها هوى تبيعه. كل الهوى أعطته لي، وأنا أخذته كله ولحست ذراعها وثنية ركبتها كمن يلحس قصعة بعد أن أكل كل الكسكس، كمن يلحس أصابعه من اللذة، كمن يلحس لسانه، لحست أيقونة روحها اللامعة في أضواء السيارات المبلولة.. كتبتُ قصيدة قصيرة فوق مرآتها بأحمر شفاهها المعطر في عيد ميلادها: أنتِ قدِّيستي الطاهرة الوحيدة، مهما اتسخ العالم أكثر، جسدك سيكون طهارتي الأبدية في ضباب الذكرى. كتبتُ وشممت رائحة القبل في الحروف المثيرة. كتبتُ ولحست النقاء في مرآة طويلة ومضببة كالأيام.. كانت نائمة كعارضة أزياءٍ متعبة من المعجبين، تعانق مكاني في الوسادة الطويلة المنتهية بحبة كرز. غطيت ثنية ركبتها، قبّلتها في شعرها مثلما قد أقبل طفلة بريئة تشرب كوب الحليب بالكامل وتنام دون مشاكل. ثم.. مضيتُ إلى الأبد، في العالم الكبير، تحت غيوم تتجمّع.. آخر كلمة فكرنا فيها أو لم نفكر فيها هي كلمة: أحبك.

loading...
2016-05-02 2016-05-02
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي