عمر سعلي – كومونة المرأة

عمر سعلي – كومونة المرأة

لم يبقى لمراكز الدعاية والاستغلال ما تقدمه من شعارات حول المرأة إلامعركة تحرير الجسد ” كأن هذا الجسد هو وحده الذي يعيق التقدم والحرية ورفاه الإنسانية ، وسوف أتحدث ان توفقت في عيد العمال هذا، عن رهان تواجد جسم نسائي ، قاعدته وقيادته هي المرأة الكادحة نفسها ،وجبهتها الحصينة للدفاع الذاتي وتكثيف الحضور والرأي ،  تناولي لموضوع له علاقة بالريف مرة أخرى ليس شوفينية ولا نرجسية، وفي الوقت نفسه ليس اختيار خاطئ ،فبناء مؤسسات ديمقراطية شعبية تستمد قوتها من التاريخ الثقافي والسياسي لمنطقة معينة ،ضرورة ومهمة متقدمة جدا لمحاصرة التحكم العمودي المباشر والغير المباشر في المجتمع، وهي أيضا عملية تهيئ مستمرة للمجموعة البشرية لأي سيناريوهات محتملة في المستقبل ، ولأن هذه الأشكال التنظيمية  ستفتقد إلى المشروع السياسي حاليا على الأقل ،أي أنها لا تنازع الحكم، هذا يعني أن معاداتها سيكون أسلوب تحكمي محض ،مدان وغير مبرر.

 

أتمنى أن يكون الكثير من لاحظ أن التاريخ السياسي ( قبل الفتح الإسلامي ) و التاريخ الثقافي بمنطقة شمال افريقيا شديد الارتباط بالمرأة ، من حيث مساهمتها ومكانتها وإضافاتها أيضا، بل وحتى مركزيتها في تطور تلك المجتمعات وتشييدها للحضارة ، فالمرأة هي الأم والأرض والخصب وهي الآلهة كذلك في الميثولوجية القديمة بالشمال الإفريقي، بحيث هي مصدر الحياة وصانعة لأسبابها منذ العصور المشاعية بوسائلها الإنتاجية البسيطة، قبل أن يتحرف دورها ويتراجع، نتيجة للمكننة والتطور الحاصل في وسائل الانتاج حتى المجتمع الطبقي هذا،الى أن دخلنا عصرا تعمدت فيه الرأسمالية العالمية في تصدير أزماتها نحو دولها التبعية ، نفس هذه  الدول بدورها تضع عبئها الاقتصادي على عاتق أصغر مؤسسة في المجتمع ،وهي الأسرة ، لتفجر هذه النواة بقوة الثقل الممارس عليها، مخلفة أبشع صور تفتتها وعجزها، لتفرخ بالتالي أشكال الانحراف المختلفة  كالدعارة والتعاطي المفرط للمخدرات والجريمة ،والاستغلال بكل ألوانه الذي غالبا ما تكون المرأة أول ضحاياه وأخطرهم لكونها أم كل المجتمع ، ففهمها وتجربتها ، معرفتها ووعيها ينعكس كليا على مستقبل المجتمعات الانسانية، وهاهي اليوم الحرب المعولمة والمستعرة ، بالضبط توجه مدافعها نحو تلك المرأة أساسا ونحو صدر كل التمثلات الجميلة للحياة، ولن ننسى يوما الوقت الذي احتاجت فيه المرأة للحرية، فأخرجتها الرأسمالية الى المعامل فقط، والى صدر المجلات للغاية الربحية والاشهارية المحزنة ، كما القادم من الشرق ضل على الدوام مغلفا بتراث مجموعة انسانية بعيدة ، الذي غالبا ما كان مصبوغا بأهداف سياسية ، وبالتالي طبيعي أن لا ينصف تجربتنا المميزة، ومثال أخير في هذا السياق سنلتقطه من عصر سلطة الكنيسة ابان ما يسمى القرون المظلمة بأروبا ، حيث كانت فيه النساء الأروبيات يتهمن بالنجاسة ، لتكون لهمن الرهبنة فقط نافذة الخلاص الوحيد، وعلى ضوء هذا التأصيل نستطيع بالتأكيد أن نقول أن تجربتنا تستحق الاهتمام والتحليل ، لتوفرها على أقصى الصور المتقدمة عن دور المرأة  وتحررها،ولا بأس أن نلتقط للمشهد ، صورة موجزة أخرى، من الحرب الشعبية التحررية ابان الثورة الريفية بحيث استبسل الثائر الريفي وهو في أعلى درجة من الاطمئنان على أطفاله وأرضه لكون شريكته فعلا قادرة وستستبسل هي الأخرى في القيام بأدوار الزراعة والرعي والحصاد وجلب الماء وحضور متميز في  كل أشكال الحياة الريفية ، والأنثى أيضا لها القدرة العجيبة في الحفاظ على السلم وقت السلم ، كما لها  القدرة نفسها في تسعير المقاومة وقت المقاومة أيضا ، وهي مدرسة الأدب الثوري الأولى. ويقولون أن التاريخ يكتبه الأقوياء بحضورأدوات القوة والسلطة لديهم وهذا صحيح لكنه في نفس الوقت غير دقيق لأننا غالبا ما يذهب تفكيرنا نحو التاريخ السياسي ، الذي هو أمر ضروري لكنه يضل ناقصا دون تاريخ ثقافي متميز وعريق، ونحن بالريف نتوفر على الاثنين لحظ من التاريخ ، لكن للأسف مختلف الجبهات ، ديمقراطية وثورية ، تفتقد الى استراتيجية متكاملة لعملية للكفاح، الشيئ الذي يعرض دائما أي حركة للتوظيف والتأخر .

واليوم لن تكون مستحدثة اذا استنتجنا أنه من المستحيل التقدم قدما وتحقيق التوازن داخل المجتمع وداخل أي حركة أو تعبير تقدمي كيفما يكون، دون حضور المرأة وامتلاكها لأدوات الحماية الذاتية ،لأنها  أيضا مناعة  لمجابهة قوى الشر والهمجية  معرفيا ودعائيا، وحركيا كذلك، هكذا اذن يجب أن نكون بالجانب “مع ” من أنثى مناضلة قادرة فعلا  لا قولا على تحمل مسؤوليات مهمة في كل جانب من جوانب الحياة، وفي مفاصل النضال التقدمي، متجاوزة كل أشكال النمطية والأنانية الذكورية فردية كانت أو سلوك اجتماعي.

 

اننا نريد التحدث عن الكومونة كمؤسسة وكتنظيم ديمقراطي يتجاوز المفهوم القديم من حيث هي فعلا قادرة على أن تستوعب كل مكونات المجتمع الثقافية والاقتصادية والتعاونية ، تنتصر للديمقراطية عمليا للاحتواءها على مختلف المجموعات المختلفة ، في الايدولوجيا والانتماء والاهتمام ، وانه من الصعب تشييد كومونة شعبية واسعة دون التفكير في بناء كومونة خاصة بالمرأة الكادحة ، المتعلمة والعكس، بحيث ستتولى هذه الكومونة تنسيق المهام الأساسية لهذه المرأة من محاربة الأمية والعمل التعاوني وخلق خليات للمصالحات العائلية والنشاطات التدريبية والأسفار، اضافة الى المهام الاعلامية الموازية ، اذ جميع هذه النشاطات المختلفة ستندرج تحت سقف “كومونة المرأة”  ، الإطار المنضبط للديمقراطية شكلا وروحا .

عمر سعلي

.

loading...
2016-05-01 2016-05-01
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي