صحيفة ”العرب” تكتب عن الياس العماري : ماركسي في مواجهة نفوذ بن كيران في الانتخابات المقبلة

يوسف حمادي

لما كان زعيم الريف المغربي عبدالكريم الخطابي يحث الريفيين على الثورة ضد الاستعمار الأسباني، ويدعو لرفع ثقله الاستغلالي الجاثم على صدور المغاربة، كان في تلك البيوت الصلبة الملتصقة بجبال الريف الوعرة، ضواحي مدن الحسيمة والناظور وبركان والسعيدية، ينمو جيل ثائر من جينات الزعيم الخطابي القائل

“إذا كانت لنا غاية في هذه الدنيا، فهي أن يعيش كافة البشر، مهما كانت عقائدهم وأديانهم وأجناسهم، في سلام وأخوّة”.

هناك في أحضان سيدات ريفيات مثابرات لا يرضين بالخنوع إلا لرجالهن الذين قالت لي إحداهن، عندما سافرت “العرب” إلى محافظة الناظور لمتابعة التنمية هناك، وقيام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وهو ما يزال في بداية عهده بالحكم في المملكة المغربية، بتدشين مطار الناظور، هناك قالت لنا سيدة تدعى “عشوشة” إن الرجل الريفي له فوق حرف الراء شدة مشددة بقوة لا ترتخي إلا بالمعقول والاستقامة.

من هذا المنطلق الفكروـ أخلاقي، سيخرج من نفسه الجيل الثالث لما بعد ثورة “أسد الريف”؛ عبدالكريم الخطابي، شاب من مواليد سنة 1967، اسمه إلياس ولد الفقيه إمام مسجد قرية أمنود، حيث ريح الصقيع تضيف لجلد الإنسان جلدا إضافيا من شدة البرد .

ينتمي إلياس العماري الزعيم الجديد لحزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي سيرمي “المطرقة والمنجل”، رمز الاشتراكية، ليركب آلة الجرار، رمز حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي أسسه أحد رجال الدولة المقربين من العاهل المغربي منذ كان وليا للعهد، هو فؤاد علي الهمة، الذي سيستقيل من الحزب مباشرة بعد تعيينه مستشارا بالديوان الملكي، الوظيفة الشمولية التي من شروطها الحياد، والعمل السياسي ضد ذلك، لا حياد فيه.

شمّر العماري عن ساعد الجد والنضال، وقام بعملية إحماء تقني باحترافية وذكاء، وحرّك عجلات جراره الضخمة وآلة حرثه المشكّلة من أقوى شباب اليسار الثوري الاشتراكي المغربي القديم، عازماً على حرث نفوذ حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية السياسية الدينية، الذي يرأسه عبدالإله بن كيران، لا تحدّه حدود ولا تمنعه موانع، فالسياسي الجديد/القديم، ركب أهداف رأسه المدموغ بضربة عصا معلم عدواني حينما كان العماري طفلا صغيرا في مدرسة أمنود.

ضربة المعلم

بقريته وسط منطقة بني عياش بإقليم الحسيمة، سيملأ طفل لا يعرف للمكوث الطويل الهادئ في مكان بعينه معنى، سريع الانفلات لا يقدر على القبض عليه سوى أمه “خُديجة”، المتدربة على القبض بمراس وحكمة على الدجاج العاصي المنفلت، وما عدا أمه فالريح لرجلي إلياس طاقة عالية محركة.

أما في لحظات الهدوء المسائي، فكان الصبي ينزل إلى مركز الدرك الملكي ليسترق النظر في تلفاز حارس المداومة، لمشاهدة حلقة جديد من فلم “طرزان”، الذي كان ضالة الأطفال وحتى الكبار، سنوات السبعينات من القرن الماضي.

كان طرزان، إنسان الغاب، بطلاً سينمائياً عاري الجسد إلا من جلد نمر يستره، لكنه كان شجاعا مدافعا عن قردته “شيتا”، يملأ الدنيا صراخا غريبا تجتمع حوله حيوانات الغاب، بينما كان إلياس يرسم للبطل طرزان في مخيلته الطفولية الواسعة بطولات للآتي من زخم الأحداث وظلم الأيام، التي كانت بدايتها من صورة تلميذ نجيب في المدرسة سيفاجئه معلمه المريض بضربة عدوانية نتج عنها جرح غائر في جمجمة إلياس، ما يزال شاهدا عن عنف ذلك المعلم، الذي فشل في أن يصبح رجل سلطة من رتبة “خليفة قائد”، عندما كانت وزارة الداخلية تدمج في أسلاكها بعض المعلمين الذين كانوا يتعاونون مع موظفيها أيام وزارة الداخلية.

الفقيه وابنه الهارب

كان مغرب السبعينات حقل تجارب فكرية وأيديولوجية. وكانت أدبيات الاشتراكية والشيوعية وكتبها الضخمة الرخيصة جدا، تحمل أفكارا تدعي الخلاص للبشرية. وكان رجال الملكية يقاومون، وكان الفكر اليساري يجد لأفكاره وسجالاته الثورية ملاذا وسط الجامعات المغربية، وخلال أحداث يناير 1984 التي شهدتها عدة أقاليم بالمملكة، نتيجة ما وصفه حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض آنذاك بـ”تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد”، وما نتج عن تلك التعابير التي قال وزير الداخلية الراحل إدريس البصري بأنها تمس النظام العام وتسيء إلى الدولة المغربية، مطالبا بملاحقة المناضلين الاشتراكيين واليساريين التقدميين، وتقديمهم إلى المحاكمات بالتأثير على القضاء الذي كان تحت أمر الوزير القوي ووزارته.

حينها كان الشاب العمري ضحية للمخبرين الظالمين الأميين العاملين بأسلاك الداخلية. فاتهم المصلح الريفي بتهمة تمزيق العلم الوطني للمغرب، ويا لها من تهمة ثقيلة في تلك الفترة. كان على إلياس الهروب من الحسيمة في اتجاه دارهم بأمنود، لكن عندما علم والده الفقيه محمد بوصوله إلى البيت هاربا من مواجهة المخزن في المعترك السياسي للوطن، قال له مؤنبا “أهون عليّ يا إلياس أن تأتيني في كفن من معترك النضال الشريف ضد الظلم، على أن تأتيني هاربا مهزوما خائفا”.

ماركس يسكن جبة الفقيه

كان لتأنيب والد إلياس وقع على نفسية الشاب المراهق، حتى أضحى وقودا سحريا حثه على مغادرة البيت هاربا من ملاحقة القضاء الذي سيصدر بحقه حكما غيابا في ما بعد، فما كان على المناضل الريفي سوى شده الرحال بلا زاد ولا مال نحو مدينة طنجة “العالية”؛ المدينة العالمية المطلة على أوروبا، التي بين دروبها سيعاني إلياس الثائر الهارب. وعلى عادة أهل الريف الذين لا يرضون بالذلّ، سيجد يده تمتد من حين لآخر نحو “الخُدمي”، أي السكين، في كل لحظة يحس فيها بالخطر أو الإهانة. فالريفي المغربي معروف بين قبائل البلاد باستقامته ورجولته. هي خصال حميدة سهّلت على العماري ظروف العيش والانصهار بين أبناء بلدته الذين تغص بهم مدينة طنجة تجارا ورجال أعمال وبحارة، بل منهم من كان يتاجر بالتهريب والممنوعات، فكانت كل تلك الأجواء، رغم تناقضاتها أحيانا، فرصة سانحة لتقلب إلياس فيها مع تقلبات حياته اليومية، واستمر الشاب يبحث عن ذاته لتحقيق وجوده كشاب ثوري هارب من سلطات محافظته بمدينة الحسيمة، رافعا شعار كارل ماركس

“الإنسان أثمن رأس مال في الوجود”.

الثائر قرّر أن يجعل له رأس مال يدخل به عوالم الاختفاء وراء ظلال الأخلاق

لهذا الهدف قرّر الثائر أن يجعل له رأس مال يدخل به عوالم الاختفاء وراء ظلال الأخلاق، وإظهار نموذج شخصه المثالي للناس، فأخذ يطوف في مدينة طنجة يعيد إنتاج حرفة والده، يؤمّ الناس للصلوات الخمس بالمساجد، بل كان أيضا مفتيا في الدين، وهو الماركسي الذي يقول “الدين أفيون الشعوب”. فيا للمفارقة الغريبة، التي سيجد خلالها العماري فرصة عمل غير قار يقتات منه بتحرير الرسائل للراغبين في التواصل مع ذويهم بالمدن المغربية النائية، بل حتى خارج الأراضي المغربية بالدول الأوروبية، وبذلك كان “الفقيه العمري” يحصل على بضعة دراهم يعيش منها منتظرا سفينته للسفر به إلى أرض الأمان، كالمصطفى بطل رائعة “النبي” لجبران خليل جبران.

العفو الملكي يجعله مثيرا للجدل

على امتداد خمس سنوات من الهروب هنا وهناك، بين مدن فاس وطنجة والعاصمة الرباط، بات الزعيم الهارب، يبيع الخضر والورق، متمنيا أن يصبح صاحب مطبعة كبيرة لطبع الكتب، وبقي على حاله بين الفرار والاستقرار، خوفا من القبض عليه من طرف سلطات بلده.

بقي على حاله ذاك حتى سنة 1989 حين أصدر العاهل المغربي الحسن الثاني عفوه الملكي عن المعتقلين السياسيين وفتحه باب الصفح العام، والدخول في المصالحة الوطنية، فكان من بين المعفى عنهم إلياس العماري المحكوم الذي بادر بتأسيس جمعية ضحايا الغازات السامة بأقاليم الريف الشجاع، لتسليط الضوء على محنته وإثارة الانتباه إلى ما عرفه إنسانه من انتهاكات جسيمة خلال مرحلة الاستعمار الأسباني، وستتغير حياة العماري حينها، خصوصا عندما سينسج خيوط علاقة قوية مع رجال الفكر والإعلام والسياسة، ستوصله إلى رجل الدولة الملكي، فؤاد عالي الهمة، وسيكون ذلك “آخر ساعة” لتوقف محنته المضنية.

بعدها سيخرج للعمل المباشر، وسيكلّف بحل ملفات ودعم قرارات خدمة لبلده المغرب في الداخل وفي الخارج، حتى استطاع أن يجمع حوله نفوذا من المجتمع المدني أهّله يوم الجمعة 22 يناير الماضي لينتخب أمينا عاما لحزبه “الأصالة والمعاصرة”، الحزب الخصم التاريخي لحزب العدالة والتنمية الذي يرأسه عبدالإله بن كيران، رئيس الحكومة الحالية، الذي يخاف كثيرا من الحزب القوي، الذي من أهداف برنامجه السياسي “حرث الخريطة السياسية المغربية في الانتخابات البرلمانية القادمة، ودحر العدالة والتنمية إلى الوراء، وهي الانتخابات التي ربما قد تسفر عن تعيين رئيس الحكومة من بين زعماء الحزب الحديث، ومن يدري، ربما تحصل المفاجأة؟

loading...
2016-04-03 2016-04-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي