قصف الريف بالغازات السامة ”ارهاج”…ما سر الصمت المغربي!

تعد حرب الغازات السامة التي شهدتها منطقة الريف من أهم الحروب الكيماوية في تاريخنا المعاصر، حيث التجأت إليها إسبانيا بمساعدة حلفائها قصد القضاء على مقاومة عبد الكريم الخطابي التي كانت قد حققت انتصارا باهرا على القوات الفرنسية والإسبانية في معركة أنوال سنة 1921م وغيرها من المعارك البطولية. واستعملت الحكومة الإسبانية كل الغازات المحرمة دوليا بسبب الذل المهين وهستيريا الهزيمة ورغبة في رد الاعتبار المعنوي للإمبراطورية الإسبانية بعد أن منيت بعدة هزائم أثرت سلبا على قوة الجيش الإسباني عددا وعدة.

وقد ترتب عن قصف الريف بالغازات السامة او كما يسميها ابناء المنطقة ”ارهاج” برا وبحرا وجوا من سنتي 1921م إلى سنة1927م مقتل الكثير من الريفيين، وتدمير البيئة بشمال المغرب،وتلويث المياه ، وتسميم الأجواء ، وجرح الكثير من السكان وإعطابهم باسم الحضارة الغربية والمدنية المتقدمة ضد سكان الريف الأصليين العزل الذين كانوا يدافعون عن سيادتهم وبلدهم وكينونتهم ودينهم وعرضهم وشرفهم ضد غزو العداة الألدة الذين قدموا إلى الريف من أجل استغلاله واستنزاف خيراته. إذا، ما هي دواعي حرب الغازات السامة بالريف؟ وما سياقها التاريخي والمرجعي؟ وماهي أنواع الغازات المستعملة في الشمال المغربي؟ وماهي المراحل التي قطعتها هذه الحرب الكيماوية؟ وما نتائج هذا العدوان الكيماوي الغاشم على الإنسان والبيئة؟ وماهي الإجراءت التي يمكن اللجوء إليها لمحاسبة مرتكبي هذه الحرب الكيماوية تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وقانونيا ومدنيا ؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نطرحها للدرس والمناقشة. الضحية واحدة والجلاد متعدد!

لقد مر ما يناهز ثمانية عقود على قصف منطقة الريف في شمال المغرب بالأسلحة الكيماوية من قبل الاحتلال الإسباني، بعد عجزه الفادح عن مواجهة المقاومة الباسلة لمجاهدي الريف الشرفاء بزعامة قائدهم الروحي والميداني محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث تحكي المصادر التاريخية أن اندحار جيش العدو في معركة أنوال، التي التهمت عشرات الآلاف من الضحايا، زرع المخاوف في القيادة الإسبانية، التي توجست خيفة من أن تتكرر تلك الهزيمة، فما كان أمامها إلا أن تهرع إلى السلطات العليا في مدريد، التي بدورها سوف تستنجد بحلفاء أجانب؛ مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

سوف لن نتوقف عند الأحداث التاريخية بنوع من التفصيل، بقدرما نستأنس ببعض المواقف التي تحيل على موضوعة القضية التي نحن بصدد تناولها، لنخلص بعد ذلك إلى نتائج تتداعى إلى واقعنا المعيش من ماضينا الغابر، الذي نظل نحمله معنا أينما ارتحلنا، إلى درجة أننا نشعر بأنه لا فكاك من ظلاله الممتدة إلى وجودنا، وخير مثال حول ذلك موضوع هذه الورقة، حيث في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن الاحتلال الإسباني قد ولى، وأن المقاومة الريفية صارت مجرد صفحة وضاء في سجل الماضي، نتباهى برموزها التي سكنت التاريخ الإنساني، تصدمنا الحقيقة التي كانت مغيبة في دهاليز الزمن، بل ويزيد من وقع الصدمة ما يتمخض عنه الواقع من دلائل قاطعة لا حيز لردها أو دحضها؛ فما زرعته يد العدو في الماضي رصاصا وقنابل وكيماويات، نحصده في الحاضر كوارث وفواجع وسرطانات! كما أنه كتب علينا أن نحيا ماضينا ثانية، ليس تداعيا وحلما، وإنما معاناة وألما، تقول إحدى المصادر الموثوق بها: “إن الغازات السامة قدمتها ألمانيا لإسبانيا، حيث تم قصف منطقة الريف بـ 10 آلاف قنبلة تحوي 500 طن من المواد الكيماوية، من قبل القوات الجوية الإسبانية. وقد أنتج ثلث من هذه الكمية من الغازات السامة التي سقطت على الريف، أثناء الحرب العالمية الأولى من لدن بريطانيا وفرنسا”.

على أساس هذا الدليل القاطع يثبت لنا أن جريمة الاعتداء على منطقة الريف بأسلحة محرمة دوليا، بوثائق واتفاقيات ماتزال شاهدة على حقيقة هذه الجريمة، وقد شاركت فيها أربع دول سبق لها وأن وقعت على تلك الاتفاقيات، وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا، وثمة من المصادر التي تضيف حتى الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك لا ينبغي أن يقتصر خطاب المثقفين والسياسيين على متابعة إسبانيا وحدها، والكل يعلم أن فاعلي الجريمة متعددون، مما يدفعنا للتساؤل عما إذا كان يقف وراء اقتصار جمعيات ضحايا الحرب الكيماوية الإسبانية، على الفاعل الإسباني فقط، التأثير السياسي الذي مارسه حزب اليسار الجمهوري الكطلاني الذي حاول مؤخرا تبني هذا الملف، وسرقة الأضواء ممن سبقه من الباحثين القلائل، الذين كانوا قد كشفوا القناع عن هذه الجريمة وجلاديها!

هذا يعني بوضوح تام أنه إلى جانب متابعة ومحاسبة الدولة الإسبانية، ينبغي كذلك أن نتابع ونحاسب باقي الحلفاء، الذين شارك كل واحد منهم بنصيبه في هذه الجريمة الكيماوية الأولى من نوعها في التاريخ الإنساني، مما سوف يمنح خطابنا بعدا استراتيجيا أكثر واقعية ومصداقية.

سر الصمت المغربي ثم إن هناك عنصرا من الأهمية القصوى بمكان، وهو يتعلق بموقف الدولة المغربية آنذاك من الحرب التي شنتها إسبانيا على الريف، وهو موقف يتراوح بين الصمت النابع من انشغال السلطان وحاشيته بأمور الحماية الفرنسية، التي قبلها، فقبل بذلك أن يكون موظفا ساميا لدى الجمهورية الفرنسية! وبين الاحتفاء الخفي بما يتعرض إليه الريف من قمع وتخريب، لأنه كان في طور الانفصال التلقائي عن الدولة المغربية التقليدية، وتشكيل الجمهورية الريفية المستقلة، بل وثمة من يذهب إلى أن سلطان المغرب حث الإسبان أو شارك إلى جانبهم في مواجهة الحركة الريفية، غير أن هذا الرأي يظل في مسيس الحاجة إلى التحري والدعم الموضوعي بالأدلة والمعطيات.

هذا عن موقف الدولة المغربية القديم إبان تعرض منطقة الريف للحرب الكيماوية، فماذا عن الموقف الحديث، والريف يتعرض من جديد لمخلفات تلك الحرب، حيث تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 60 في المائة من إصابات داء السرطان في المغرب تسجل في مناطق الريف! وقد ثبت بالبحث العلمي والطبي أنها متولدة عن ذلك التلويث الكيماوي، الذي مارسه العدو الإسباني في منتصف عشرينيات القرن الماضي على شمال المغرب.

ومع ذلك يظل الموقف الرسمي المغربي جامدا، لم يحرك ساكنا لهذه الزوبعة، التي بدأ يحدثها ملف ضحايا الحرب الكيماوية على الريف، بل وتظل الأحزاب المغربية قاطبة راضية بصمت الدولة المغربية، وهو رضى نابع عن نزعتها البرغماتية المعهودة، حيث أنه بمجردما يتغير الموقف الرسمي، سوف تهب لمباركته والانتظام في بوتقته، وهذا ما حدث لملف القضية الأمازيغية، حيث ظلت أغلب الأحزاب تغض عنه الطرف؛ صلفا أو خشية، لكن عندما عبر القصر عن تبنيه للأمازيغية ورد الاعتبار إليها، هرع الجميع أحزابا ومثقفين وسياسيين يخطبون ود الأمازيغية، ليس حبا في عيونها، وإنما تلبية لنداء القمة! ترى ما هي الأسباب الخفية التي تقف وراء جمود الموقف الرسمي المغربي من ضحايا الحرب الكيماوية؟

لا يمكن استيعاب هذا الجانب إلا في السياق العام الذي يحكم علاقة المغرب بإسبانيا، وقد كنا تساءلنا في إحدى مقالاتنا؛ حول ما إذا كانت هذه العلاقة علاقة تكافؤ أم علاقة تبعية؟ فخلصنا بعد التحليل إلى أنها، للأسف العميق، علاقة تبعية! لاسيما وأن أمام الدولة المغربية جملة من التحديات التي تحضر فيها إسبانيا بقوة، مثل قضية الصحراء المغربية، وملف الهجرة السرية، وتنقل البضائع المغربية عبر التراب الإسباني، واستمرار احتلال المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية، واستقرار اليد العاملة المغربية بإسبانيا، وغيرها من التحديات، التي تقيد حرية الدبلوماسية المغربية في تعاملها مع السياسة الإسبانية في المنطقة، فتظل جملة من القضايا الاستراتيجية عالقة، لا يستطيع المغرب مجرد النقاش مع جاره الأوروبي الجنوبي حولها، ومادام أن ملف الحرب الكيماوية هو في حد ذاته يشكل تحدّيا جديدا في وجه مغرب الألفية الثالثة، فكيف له أن يجازف بفتح أو تبني هذا الملف، وكاهله يرزح تحت وطأة ملفات من الوزن الثقيل، كملف الصحراء المغربية، وملف المدينتين السليبتين وبعض الجزر المتنازع عليها وغيرهما.

ثم إن تعرض الريف للحرب الكيماوية تم في آونة تشهد بأنه كان مستقلا سياسيا عن السلطان المغربي، الذي لعله كان يرى في ذلك الاستقلال تمردا على المملكة المغربية التقليدية، وما يؤيد هذا الطرح هو الجو التاريخي العام الذي تلا تلك المرحلة، وهو جو مشحون بالصراع بين الريف والمخزن، بين المغرب غير النافع والمغرب النافع، مما كان يضع هذه المنطقة؛ تاريخا وثقافة وساكنة، في اللائحة السوداء للسياسة المغربية المعاصرة، فاعتراها ما اعتراها من التهميش والتفقير والإقصاء، من هذا المنطلق فإن الريف كان يتخبط في وضعية لا يحسده عليها أحد، مما ولد لدى الدولة المغربية عقدة سيكولوجية تجاه أي حركة ثقافية، أو وعي سياسي، أو تنمية اقتصادية تنشأ في هذه المنطقة، التي جغرافيا وسياديا تنضوي تحت الراية المغربية، لكن وجوديا تقع خارج التاريخ المغربي!

بناء على هذا، نعتقد أن الأسباب الخفية التي تجعل السلطات المغربية تحيد عن تبني ملف ضحايا الحرب الكيماوية بالريف، تنبثق، من جهة أولى، من العلاقة المغربية الإسبانية غير المتوازنة، التي تفرض على المغرب التقيد بالمواثيق السياسية والتجارية والاقتصادية والأمنية وغير ذلك، التي تجمعه في الوقت الحالي مع إسبانيا، ولو على حساب مجموعة من القضايا الحيوية التي تمت بصلة وطيدة إلى هوية المغرب وتاريخه وترابه. وتنبثق، من جهة ثانية، من السياق التاريخي الذي كانت تندرج فيه منطقة الريف، وهو سياق يبرر للمخزن الفعل الإقصائي الذي مارسه على شمال المغرب، طوال أكثر من نصف قرن، فكيف له الآن أن يفكر في تجشم هذا التحدي الخطير، الذي قد يزيد الطين بلة!

جملة القول.. إن الغرض من كتابة هذه الورقة هي بعث الوعي الكافي في الأذهان، بحقيقة قضية الحرب الكيماوية الإسبانية على الريف المغربي، وهي حقيقة قائمة بالحجة والدليل، تثبت بأن ثمة أكثر من جلاد ساهم في هذه الفعلة اللاإنسانية، وهذا ما يجعل القضية أكبر مما يمتلكه المجتمع المدني الريفي من إمكانيات، فليس أمامه إلا أن يلجأ إلى كل من يحاولون تبني هذا الملف، بـأسلوب بريء من الأدلجة والتسييس، لذلك نرى أنه يحق لنا أن نستثمر كل ما يتاح لنا من فرص تخدم هذه القضية، لكن بعيدا عن أي انسياق غير واعي خلف سراب الشعارات، وفي الوقت ذاته نوجه خطابنا إلى الداخل، إعلاميا وأكاديميا وجمعويا، وفي نيتنا أن نحول ملف ضحايا الحرب الكيماوية إلى قضية وطنية.

الآن و قد وصلت الى هرم المسؤولية بعض الشخصيات الريفية التي كانت تتبنى الدفاع عن ملف الغازات السامة بالريف، كالياس العماري رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة و الامين العام للاصالة و المعاصرة، سنتاكد من مدى جدية خطاب هؤلاء الساسة في ازاحة الغبار عن هذا الملف لانصاف الضحايا في الريف الذين مازالوا يعانون من تبعات القصف الكيماوي الذي خلف عاهات و جروح لم تندمل بعد، سكان الريف لا ينتظرون تعويضات مادية بقدر ما ينتظرون اعتذارا صريحا من القوى الاستعمارية التي قصفت الريف بغاز الخرذل و كذلك من شركائها في اقتراف الجريمة داخليا و خارجيا، الوقت كفيلة بالاجابة عن هذه التساؤلات و اسقاط كثير من الاقنعة.

التجاني بولعوالي

loading...
2016-03-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات4 تعليقات

  • Abo Mouad

    ﻻحول و لا قوة الا بالله
    رحمة الله عليهم وحسبناالله ونعم الوكيل

  • Msr Atif

    Le passé est passé.

  • David Rambo

    المغرب اصلا لا يستعرف بنا فليكن في علمه لو كانت له فرصة لنقض علينا وكم من محاولة فعلوها لذلك ولم يفلحوا لأننا خلقنا الله ويميتنا الله وحده لا غير سواه.

  • Yousaf Afalay

    Inti9am did lamazigh oryafa fi sifa 3ama

حسيمة سيتي