محمد الخليفي – أحداث بروكسل الإرهابية:التحالف المقدس بين المصالح الغربية والأيدلوجية الوهابية

محمد الخليفي – أحداث بروكسل الإرهابية:التحالف المقدس بين المصالح الغربية والأيدلوجية الوهابية

منذ أكثر من ألف سنة مضت أنشد الشاعر الكبير أبي العلاء المعري قائلا: هذا ما جناه علي أبي و ما جنيت على أحد، و كأنما لسان حال أوربا بأكملها تردد نفس هذا البيت بكثير من الأسى و الألم،فبعد اليوم الحزين الذي خيم على عاصمة الاتحاد الأوربي جراء الأعمال الإرهابية التي ضربت مطار بروكسل و محطة نقل مسافرين بها، بكل ما تحمله من رمزية و دلالات تتخطى دولة بلجيكا لتصل إلى كل عواصم أوربا،بدأ الساسة و القادة الأوربيون في اجترار نفس الكلام الذي يلوكونه كلما ضرب الإرهاب الأعمى في أوربا، و الواقع أن هذا الكلام الذي يظهر قدرا كبيرا من النفاق بدا شيئا فشيئا يتكشف أمام الرأي العام الشعبي في أوربا و بشكل لم يعد يقنع أحدا خاصة على مستوى التناقض الصارخ بين إدعاأت الساسة الأوربيين و واقع تحالفهم المتين مع أنظمة تعد مصدرا رئيسيا لتفريخ الحركات و التنظيمات الإرهابية المتطرفة.

في حقيقة الأمر لا نريد في هذه المقالة تكرار ما سبق أن قلناه و قاله الكثيرون حول حجم التناقضات التي يحفل بها السلوك الأوربي و الغربي اتجاه مجموع الشعارات و النظريات التي يطلقها، حيث أضحت أموال البيترودولار و الطاقة أولوية قصوى لدى هذا الغرب و تسمو على كل مصلحة بما فيها أرواح الأبرياء في أوربا فضلا عن باقي بقاع العالم، فقط نريد هنا أن نركز على مسألة أساسية تتعلق بالسر وراء هذا التغاضي عن وضع الأصبع على مكمن الداء الحقيقي حيث تعتبر دولا معينة بكل ما تشكله من مصدر فكري و أيديولوجي يخرج ألاف الإرهابيين، و بكل ما تمثله من فقر ديمقراطي مهول و تضييق مطلق على الحقوق و الحريات العامة، حلفاء متينين للغرب؟ !

لقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية على أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية (و بعض النظر عن الروايات الرسمية لها) أن خلصت إلى مجموعة من النتائج المهمة في ما يخص قضية الإرهاب، ففي معرض محاولة إيجاد جواب عن سؤال مفاده: لماذا قام شباب عربي من دول غنية متحالفة مع الولايات المتحدة وموقعة على اتفاقيات دفاع أو علاقات عسكرية وثيقة معها، مثل: السعودية ودول الخليج الأخرى بهذه التفجيرات؟ جاء الجواب والتفسير الأمريكي للسؤال السابق مركزا على مفهوم “الدولة الفاشلة” ، وتلخص عبارة “مارتن أنديك” التالية جوهر الرؤية الأمريكية: ” إن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط هو دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها، إن هذه النظم فضلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا”. فهذه الرؤية الأمريكية خلصت إلى أن دعم الولايات المتحدة للأنظمة العربية القمعية كان خطأ كبيراً دفعت واشنطن ثمنه في الحادي عشر من سبتمبر، وفي هجوم الحركات المتطرفة على مصالحها في أنحاء العالم، فالدولة الفاشلة التي تمتاز بظروف من التهميش الاقتصادي والاضطهاد السياسي هي الحاضنة للإرهاب، كما أن الدولة الهشة التي لا تمتلك شرعية سياسية قانونية تؤدي إلى تفريخ الإرهابيين، ووفقا لهذه الرؤية فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي نتيجة للصراع المحتدم بين الأنظمة العربية المستبدة الفاسدة وبين شعوبها، ما يتطلب مجوعة من الإجراأت التي عبرت عنها الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك في إطار إستراتيجيته الجديدة إزاء المنطقة و التي كان من أبرزها العمل على إحداث تغيير على مستوى الآليات الديمقراطية و كذا على مستوى المنابع و المناهج التعليمية و الدينية التي تنشر ثقافة الإرهاب و التطرف !!

وبعد مسيرة أكثر من جيل على هذه الخلاصات نصل إلى حقيقة أساسية و هي أن واقع العلاقة البينية القوية بين هذه الدول التي أشير إليها بأنها غير ديمقراطية و مصدرا للإرهاب و بين الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا لم تؤدي فقط إلى استمرار و تقوية هذه المصادر بل أدت إلى استشراء آفة الإرهاب و بشكل غير مسبوق في كل بقاع العالم، فأمام بريق المال النفطي عميت أعين القادة الأوربيين و سمح للعقيدة الوهابية المتخلفة باكتساح مساحات رسمية و غير رسمية على امتداد كل أوربا، و هكذا تناسلت المراكز الدينية الهرقلية في كل من روما و مدريد و مالقا و لندن و فيينا و أدامبرا و كثير من بقاع أوربا، كما نالت هذه القارة نصيبها من 1359 مسجدا وهابيا حول العالم حيث برز مسجد “مونت لاجولي” و” ليون” في فرنسا، و “المسجد الجامع” في كل من مدريد و بروكسل، و “مسجد خادم الحرمين الشريفين” في أديمبرا الاسكتلندية، و غير ذلك كثير.

و من جانب آخر فإن زحف الأكاديميات و الكراسي العلمية الوهابية شمل أعرق الجامعات الأوربية في “بون” الألمانية و “لندن” و “هارفرد” البريطانية، حيث عملت هذه الأكاديميات و الكراسي على اختطاف الناشئة المسلمة في أوربا و المنتمية إلى ثقافات أصيلة و منفتحة و متسامحة و ربطها بمنظومة فكرية و عقائدية متطرفة و رافضة للآخر بما فيها المجتمعات التي نشأت و تربت فيها، لتكون النتيجة و بكل بساطة أن أغلب أبطال قصص الرعب و الدم في الشرق و الغرب كانوا من خرجي هاته المؤسسات التي تعمل بكل حرية و على تراب أوربا المتحضرة.

عموما يمكن القول أنه و أمام غياب أي نية جدية لدى الساسة الأوربيين في محاربة حقيقية للإرهاب و ذلك عبر إظهار سلوك متناسق و غير متناقض بين الشعارات و التطبيق و الذي يكون فيه الشق الفكري و الأيديولوجي المغذي للإرهاب أحد ركائزه الأساسية، فإن الإرهاب الأعمى سيضل ينخر أجسام الجميع و بدون أن تكون للمقاربات الأمنية المناسباتية أي نتيجة إستراتيجية، فعندما يعزل جزأ مهم من المواطنين الأوربيين في “غيتوهات” دون أي تنمية أو فرص متساوية، و يتركون لمصيرهم أمام الغول الوهابي الذي ينتج التطرف و العنف و الإقصاء و تكفير الآخر بناء على تصور ديني أرثوذكسي خرافي ما أنزل الله به من سلطان، فلا يمكن توقع إلا نتيجة من جنس الزرع، فمن زرع الشوك لا يجني العنب، بل الجراح و الدماء كما حصل في بروكسل و قبلها في باريس و بنقردان و الجزائر و دول الساحل الأفريقي و في الشرق الأوسط.

محمد الخليفي باحث في دينامية النظام الدولي

loading...
2016-03-24 2016-03-24
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي