التوفيق فتحي – اطلسية

التوفيق فتحي – اطلسية

(1) عرفتها دَيَانَا تخط جراح الآخرين كلمات مؤدبة تلتئم بعضها ببعض في صفوف متراصة لا اعوجاج فيها…وهبت صوتها لمن لا صوت لهن سوى اهات وجع الحاجة للقمة عيش و اهات نشوة الرجال اللذين يمتطونهن كما يمتطون ظهر راحلة. عرفتها ديانا بدون ملامح، ولا شهادات ولا اهل ولا عشيرة اصبحت اليوم ايمانا لمن اراد يقينا ولا ايمان لمن يعشق الشك ولا يبغي الكفر بديانا…لم اؤمن يوما بكثير من افكارها، ولن اؤمن بها يوما، لكنني اقدر الجمال والعمق والاصالة…جمال حروف تتراقص فوق السطور تحت ايقاعات حيواتنا المتناقضة…فكوني ايمان او كوني ديانا فخربشاتك ستظل هي هي، احسب انك ستظلين تكتبين اوجاعك بنفس القلم! (2) عرفتكِ بلا وجه، لكني لم اسائل نفسي يوما عن جغرافية ملامحك ولا عن ظفائر شعرك هل ستتدلى من اعالي قصرك الشاهق الى حيث انا اسفله اتوسّد الشوق واعانق الاماني…لم يكن هذا السؤال ذا معنى ولا فائدة بالنسبة لي، لان حبي اسِرته من تسكنكِ منذ زمن، عنوة تارة وبالتراضي مرات عديدة. لن يزداد حبي لك لان شعرك لم يعد تردعه حدود فجاوز ضفاف منكبيك…لن يزداد حبي لان كُحْلا حاصر عينيك العسليتين من كل الجهات…كما ان حبي لن ينقص ذرة لان وشاحا دارَى جيوبك يوما وعانق رقبتك البضّة. لا اتصورني يوما احب جزأ منك دون جزء، ولا ان احب رسما بلا روح، ولا شذى بلا الحان ولا حاضر بلا ماض…احبك كما دوّنتِ “كلمة حب” في قواميسك…قد تكون بزيادة لكن ابدا لن تكون بنقصان. (3) “احبك حبين، حب الهوى وحب لانك اهل لذاك” هكذا تكلمت رابعة في تلك الليلة المظلمة التي عجزت فيها اشراقات القمر ان تمحو بصمات العتمة، لكن رابعة لم تبالي يومها فالنور كان بداخلها منسابا يضيء لها عالمها…فعشقها بلسم لا يعترف بقوانين الطبيعة، هو نفس عشق قيس حين صرخ في وجه الزمان “أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا”…لكني اعترف لك اني لست رابعة، فانا لا اقبل ان يشاركني فيك “دراويش” عشقك ولا ان اكون رقما يتمم صفوف المعجبين العاكفين امام محرابك…اعترف لك انني لست قيسا فانا جبان لن احمل سيفا ولن اقود دبابة يوما…ولن استعين بامريكا لافك اسرك انت التي تشبهين “ليلى بالعراق مريضة”…كلما تكشفت اكثر ازداد غموضك، وجهك يطارد خيالك الذي وهبت له ردحا من الزمن اصوغ ملامحه واغيرها كيف اشاء عقب كل اشراقة شمس يوم جديد…ها انت اليوم تحرمينني من الحلم وتصرين ان تكوني انت، تحرمينني من ان اتصور ابتسامتك على ثغر كل امرأة اقابلها، تحرمينني من ان ارى بريق عينيك في كل العيون المتفتحة…هأنذا ابوح لك كما المتنبي “و لولا الهوى ما ذلّ في الأرض عاشـق ولـكن عـزيـز الـعاشـقـيـن ذلـيل”. (4) شردت بافكاري بعيدا وانا اجوب الازقة الضيقة، لم يكن لي هدف محدد اقصده…رائحة قهوة مختلطة بعبق الاوركيد والزنبق والنرجس والاقحوان القادمة من حديقة “دجاردينو سيكورتا” الغير بعيد عن مدينة الحب، تخترق بلطف خياشيمي لتستقر في ركن منزو داخلي. لم اكن اتصور ان قهوة ڤيرونا ستحرك في اعماقي عواصف شوق ستقتلع اشجار وقاري وتقذف بعزة نفسي ارضا لتتمرغ في شيء غامض يتجول بين الاعجاب والحيرة والحب. واصلت اسرائي بخطى متثاقلة، قادتني الدروب الضيقة دونما اتفاق مسبق بيننا الى بيت جيولييت…الباب الخارجي موصد بقفل حديدي، يوحي الصدأ المتناثر عليه انه لم يفتح منذ زمن، كان عقلي مستعدا لتصديق اللافتة الحديدية المكتوبة بالايطالية والانجليرية التي تعتذر عن اغلاق المكان من اجل اعمال الصيانة…لكن قلبي ايقظ نار الشك القابع في داخلي منذ الولادة…يقينا هي مؤامرة جديدة لاب متسلط ليمنع روميو من الانسلال بين جموع الزوار فيسترق نظرات ولهانة تخترق جسم جولييت النحيف. لم يعد اليوم ممكنا منع جولييت أن تطل من اعلى شرفتها على فناء كان شاهدا على حب لم تذبه شمس تموز الحارقة ولم ينل منه صقيع ايار البارد، فطبيبها مصر على انه لا علاج لعلتها اليوم سوى تلك الاطلالة. رائحة القهوة اخرجتني عنوة من شرودي، فجأة تراءى لي خيالها امام ناظري…لم اعرفها من قبل، ولا زلت لا اعرفها حتى الان…لم تعرني اهتماما خاصا حينما طلبت مني ما اود شربه، خاطبتني بايطالية انيقة كما تخاطب كل زبائنها الاخرين، اجبتها انني احب الايطالية لكنني عاجز عن الحديث بها وانني مستعد لاخذ دروس خصوصية على يديها ان قبلت…ابتسمت و اشارت بسبابتها إلى قائمة طلبات مخطوطة بالايطالية والانجليزية ملقاة خلفي على الارض…رأيتها من بعيد تحمل طلبي وتتقدم نحوي بخطى خفيفة كراقصة باليه. لم تفارقها عيناي المختفيتين وراء نظارتي الشمسية برهة، حلمت انني روميو وانها جولييت نتراشق بالاقحوان فوق بقايا مسرح ارينا وسط ڤيرونا على مقربة من قصر جولييت…اعني قصرها، تارة اعزف لها مقطوعة الفصول الاربعة لڤيڤالدي، وتارة اجسد دور استراجون صامويل بيكيت الذي ينتظر رفقة صديقه ڤلاديمير دوجو الذي لن يأتي ابدا… (5) استفقت من احلامي وتهاوت مكعبات عشقي من فوق بقايا حائط مسرح ارينا الرمادي حينما وضعت ذات الشعر المجعد قهوتي على الطاولة امامي…اعادتني الى كرسيي البارد في مقهى ارتيستي إRطىصطى على مرمى حجر من سور الارينا. مدت الي قطعتي سكر وملعقة واومأت برأسها ثم مضت نحو زبون خلفي…وددت لحظتها لو ان الزمن توقف بنا وتحولنا جمادات جنبا الى جنب او شجيرتان نكبر جنبا الى جنب لتتشابك اغصاننا فتعجز الخلائق بعدها من ان تمِيزني منها وتمِيزها مني. صوت موسيقي شرقية ترددت فجأة خلفي لأسمع بعدها همسا رقيقا بخليط من الدارجة المغربية والامازيغية “الو، لاباس..” كان كلامها في هاتفها الذكي لحنا عذبا وان كان كلامها جد عادي، فقد اعلنت لمن خلف الخط انها لازالت في العمل ولم يبقى لها سوى نصف ساعة لتشد الرحال الى البيت. كانت ملامحها توحي ان أصلها من هناك، استجمعت كل ما املك من شجاعة متفرقة في زوايا احشائي وسألتها ان كانت من هناك ومن اي جهة قدِمت؟ ردت باقتضاب ودون تكلفة انها من الاطلس ثم مضت لحالها…الاطلس! اعرف الاسم لكن قدمي لم تطأ يوما تربته…كان الاطلس بالنسبة لي اسما آخر”للشيخات”، لموسم التفاح وحب الملوك وللأعراس الجماعية لإملشيل…اليوم اصبح الاطلس عينان عسليتان وشعرا مجعدا وابتسامة ساحرة…تمادت فاتنتي في تجاهلي، صمتت بكل اللغات ولم تنبس ببنت شفة…لست خبيرا في لغة الصمت فانا من هنا وان كان اصلي من هناك…لم اتعلم يوما ان افهم ما لم يُقل…فكم زمنا ستحاورني بصمتها، فصمتها اقسى من الجلد الف مرة! (6) صبري حاذى النفاذ ومعه انتهي يومي…لم اعد انتظر سوى جوابا منها لنرتشف يوما القهوة معا ام شايا ان فضلت ذلك

(7)

وقفت طويلا بباب ديرها انتظر ابتسامة عفوية من ثغرها الدقيق او ايماءة توحي باهتمام ام بأقل منه…لا أدرى ما الذي عصف بي كي اعتقد في نفسي انها مدينة لي باي شيء، حتى ولو كان اهتماما او شيئا اقل منه! هل لِأنها كشفت لي يوما عن وجهها…كما كشفته لآلاف مثلي…ام لأنها صمتت طويلا فحسبت صمتها علامة رضى…على لا شيء! فجأة ألقت إلى بكسرة خبز، عطفا، كأنني شحاذ ببابها يستجدي كسرات الخبز يمنة ويسرة…لا يحق لي ان الومها لأنها لا تعلم امرا عن شوق بنيته في خيالي بحروف مشاعة ليست مِلكا لأي كان…حروف نستعيرها لحظات لنزاوِجها بعضها ببعض دون ان نطلب رأيها ونحسب أن صمتها علامة رضى…لم نسأل ابدا الالف إن اراد مجاورة الحاء ولا الحاء ان رغبت في مجاورة الباء ولا الباء إن وددت محاذاة الكاف…فنحن نلزمها ان تصطف “أُحِبك”!

( 8)

ڤالنتاين هنا…ڤالنتاين هناك…عيد تحول عجلا من ذهب يبيع الحب بالتقسيط لمن يدفع أكثر ثم اكثر…لن يُقبل حبك ان لم يكن رِيْسَمًا بقلب احمر ام علبة شيكولاطة ام باقة ورد…لن يُقبل حبك إن لم تقدم له القرابين على اعتاب فبراير، وتدفع للعجل مُكسا ثم تذبح كبريائك امام شمعة لا تتوقف أبدا إيماء ات رأسها المحترق لأجلكما عربونا لحب بلا مقابل…الم تتساءل يوما هل هو فعلا حب ذاك الحب الذي يكفيه يوم وحيد ليتنفس، ذاك الحب الذي تطفئ شرارته قطعة شيكولاته! الم تتساءل يوما ان كان ذلك فعلا حب ام مجرد طقوس واقانيم. هل “كنت رائعا على أوتار الحب..تعزف لحنك على شفتها.. كثائر متمرد يؤرخ رقصة الحرية على ساحة التقبيل”…لا تخشى غضبة العجل ولا تولي خائفا منكسرا امام نظرات اجناده الجائعة…تمردك نصر مؤزر، فإما أن تواصل عزف لحنك على شفتيها الى أبد ام تحمل معك ذكرى تتدفئ بها في ليالي ديسمبر الباردة…حينها سوف لن يتوقف ديسمبر سؤالها عنك!

(9)

رحلت ودمعة يتيمة سالت لترسم ضفاف نهر على خدها احسبه لن يتوقف عن الجريان لأمد…لم تعد اجهزة استشعاري تلتقط لها حسا، توارت خلف حزنها المر تستجمع قواها لتواجه قدرا جديدا لا مكان فيه لقيس ليلى ولا لجميل بثينة…خاضت حروبا تترى مع عزة نفسها، فتارة تخضعها لسلطان قلبها الخافق ابدا ومرات ينحني قلبها امام عناد عزة نفس نحتت اعمدتها من حجر جبال الاطلس الصلب القاسي. لم تعد اسما مستعارا بلا وجه ولا اسم ولا قبيلة…لم تعد فقط راوية حكايات، لقد غدت سكر قهوتي، ولحنا يؤنسني في مسيري بين حضر وحضر…نعم رحلت لكنها ستعود غدا لتحكي امسها ويومها وتثبت انها انسان…ان لم تقصمها ضربة تعود اقوى واقوى واقوى.

loading...
2016-02-17 2016-02-17
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي