جمال بودومة يكتب “مول لمليح باع وراح”

بتحديد 7 أكتوبر المقبل موعدا للانتخابات التشريعية يكون “مول لمليح باع وراح” بالنسبة لحكومة عبد الاله بنكيران، بعد أن بلغت “المنعطف الأخير”، كما يقول ربان الطائرة وهو يتهيأ لإيقاف العجلات على مدرج المطار: “Dernier virage”، وكل ما نتمناه لبنكيران و”العدالة والتنمية”، مادمنا نتحدث عن الطائرات، هو الا يستيقظوا بعد الانتخابات التشريعية ب”كمّارة من خشب”، كما يقول الفرنسيون، وهم يرددون بصوت واحد: “ناري أنا الطيارة دارت بها بيا…”

عكس ما تبشر به دفوف التفاؤل التي يعزف عليها اصحاب “المصباح” وحسابات “العگايز” المستخلصة من انتخابات 4 شتنبر، لا شيء يؤكد ان “العدالة والتنمية” سيكون أفضل حالا من “الاتحاد الاشتراكي” في نسخة 2002، حين خرج من تجربة حكومية دامت خمس سنوات ب”خفي حنين”، وأقصيَ من تسيير الجهاز التنفيذي، رغم أنه فاز بالانتخابات التشريعية. الفخ المخزني كان قد اطبق على حزب بوعبيد وبنبركة بعد أن اعتقد الورثة انهم كسبوا ثقة القصر مقابل ثمن باهظ: تشتيت الحزب والمقامرة بمبادئه ورصيده النضالي الطويل، ناسين أن الأجداد حذرونا من ثلاثة أشياء: “البحر والعافية والمخزن”.

بعد أربعة عشر عاما على “الصدمة الاتحادية”، لا شيء يدل على ان بنكيران لن يكرر تجربة اليوسفي، الذي لم يخسر عليه القصر اكثر من استقبال ملكي من عشر دقائق في مراكش كي يقول له “شكرا على المشاركة”، خصوصا أن البديل بات جاهزا بعد انتخاب الياس العماري على رأس حزب “الاصالة والمعاصرة”، الذي احتل المرتبة الاولى في الانتخابات المحلية وليس مستبعدا ان يكرر “الميسّا” في الانتخابات التشريعية. والنظام السياسي اكثر نجاعة وعافية حين يكون رئيس الدولة ورئيس الوزراء على نفس الموجة، بدل حالة “التعايش” التي تسود منذ خمس سنوات.

ما أشبه اليوم بالبارحة. بنكيرانيو 2016 واهمون اذا كان يعتقدون ان وضعهم أفضل حالا من يوسفيي 2002. التاريخ يعيد نفسه احيانا، وان بشكل كاريكاتوري. المخزن لا يمزح ولا يتردد في استبدال “كلاب الحراسة” حين ينتهي دورها وتصبح عالة عليه، يرميها في الشارع دون أن يرف له جفن، بعد ان يقتلع أسنانها ويتأكد ان نباحها لم يعد يخيف احدا. الكلام الذي كان يصلح قبل اربع سنوات ما عاد يمشي اليوم. “عشرين فبراير” أصبحت مجرد ذكرى اجبرت المخزن على تقديم تنازلات كبيرة سرعان ما ندم عليها، بعد ان تحول ما سمي ب”الربيع العربي” إلى شتاء طويل يمطر جثثا وخرابا، وانتصرت الثورات المضادة. لو انتظرنا قليلا لمرت العاصفة. أصحاب “الحل والعقد”، باتوا يعتبرون دستور 2011 مجرد حماقة اقترفوها في حالة ارتباك وخوف، ويفعلون كل ما بوسعهم من اجل الالتفاف عليه وتحويله الى وثيقة ميتة. الدستور ورطة يجب الخروج منها باي ثمن، والتخلص منها جار على قدم وساق، بدءا بترسانة القوانين المناقضة لروح الوثيقة، وصولا الى تحجيم دور رئيس الوزراء. يريدون وضع “الموطور” القديم في “الكاركاس” الجديد، وقد توفقوا لحد الان رغم أننا لا نعرف كيف يمكن ان تمشي هذه السيارة. يكفي ان تتأمل حصيلة الحكومة في مجال التعيينات في المناصب السامية والإعلام العمومي وتدبير حقائب السيادة والأمن… كي تعرف ان لا شيء تغير، وأن “حليمة عادت الى عادتها القديمة”!

يخطئ حزب “العدالة والتنمية” حين يعتقد انه مازال رقما مهما في معادلة الشارع، كما يلوح بذلك رئيس الحكومة كلما اشتدت عليه الضربات. رصيده لم يعد كافيا حتى لتسيير تظاهرة صغيرة في مدينة نائية. الفقراء لن ينسوا كيف تعاملت الحكومة بقسوة وحزم مع العاطلين والمتقاعدين والأساتذة والموظفين البسطاء، وأظهرت تسامحا وتفهما مدهشين مع اصحاب النقود والنفوذ، وإذا دعاهم للخروج الى الشارع لن يتبعه احد. الأسد صار بلا أنياب ولا مخالب، ولم يعد يخيف احدا. صقور “المصباح” لن يكون مصيرهم افضل من أسلافهم في حزب “الوردة”. من يتذكر نوبير الاموي وفتح الله ولعلو؟ ألم يكن رئيس الفريق الاشتراكي في البرلمان يهز القبة في الثمانينات والتسعينات؟ ألم يكن مئات الآلاف يهتفون في المسيرات والتظاهرات: “موت موت يا العدو والأموي عندو شعبو؟” أين الأموي وشعبه؟ أين ولعلو وقبضته الغاضبة على طاولة البرلمان؟ لقد أصبحوا جثثا مرمية في الشارع السياسي… لكل اجل كتاب. وتلك الايام نداولها بين الناس!

جمال بودومة

loading...
2016-02-04 2016-02-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي